الذي لا يخرجون منه أبد الآبدين ، لماذا ؟ لأن الله يكرههم ، دل ذلك على إثبات صفة الكراهة بالدليل العقلي ، إن الله يكرههم فيبغضهم ، (كما قد ثبت بالشاهد والخبر) عن إكرام أوليائه وعقاب أعدائه ، ثبت ذلك بالشهد لأنه أمر مشاهد ، شوهد في هذه الدنيا إكرام الله لأوليائه ، شوهد في هذه الدنيا عقاب الله لأعدائه كذلك ثبت بالخبر المقطوع به أن الله يكرم أوليائه في دار الكرامة ويعاقب أعداءه من الكفار هذا معنى قوله (كما قد ثبت بالشاهد) أي في هذه الدنيا ( والخبر ) أي في الآخرة (من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه ، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته) ( الغايات المحمودة في مفعولاته ) بأن يوفق الله أولياءه إلى طاعته إلى الاستقامة حتى يموتوا على حسن الخاتمة (– وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة –) العاقبة الحميدة تبدأ بالاستقامة والموت على الإسلام ثم ما أعد الله في دار الكرامة لأوليائه ، تلك هي العواقب الحميدة وهي ما يوجد الشيء لأجله .
كل ذلك (تدل على حكمته البالغة) الله سبحانه وتعالى ( عليم ) ( حكيم ) كونه يدبر لأوليائه هذا التدبير أحيانا بالإكرام لهم في هذه الدار وأن تكون لهم العواقب المحمودة في مأموراته وفي عبادته ويختم لهم بحسن الخاتمة ، ثم ينتهي ذلك إلى دار الكرامة بدخول الجنة والنظر إلى وجه الله سبحانه دل ذلك على حكمته البالغة ، يفعل كل ذلك لحكمة وهو الفعال لما يريد .
انتبهوا لهذه النقطة .
يقول الشيخ رحمه الله تعالى (كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه) بالشاهد يعني ما حصل وما سيحصل في هذه الدنيا ( والخبر ) ما سيحصل في الآخرة .
ثم قال – هذا كلام مبتدأ - ( والغايات المحمودة من مفعولاته ومأموراته) المشاهدة في هذه الدنيا الثابتة في الخبر في الآخرة (– وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة –) العواقب الحميدة من أعظمها الاستقامة والموت على حسن الخاتمة ثم التمتع في دار الكرامة بنعم لا تعد ولا تحصى من أعظمها بل أعظمها على الإطلاق التمتع بالنظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى في دار الكرامة ، كل ذلك ( يدل على حكمته) إثبات للحكمة (البالغة ) بالدليل العقلي ، لأن الأشاعرة ينفون الحكمة ويقولون : أفعال الله تعالى لا تعلل فقوله تعالى " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " يقولون هذه اللام ليست لام العلة ولكنها لام الصيرورة وهو خلقهم بغير علة وبغير حكمة لكن آل الأمر فيما بعد إلى عبادة الله تعالى ، هكذا القول على الله بغير علم ، الذي يدل عليه الأسلوب العربي أن الله خلق الجن والإنس لهذه الغاية لعبادته وإفراده بالعبادة وليخضعوا له وليكونوا عبيدا خالصين له سبحانه ، وهذا الذي تنتهي إليه العواقب الحميدة تدل على حكمة الله البالغة (كما يدل التخصيص على المشيئة وأولى ) وأنتم أثبتم المشيئة بالتخصيص وهذا يدل بطريق الأولى ، لماذا ؟
( لقوة العلة الغائية) انتبهوا لهذه العبارة ، لأن العلة الغائية أقوى ، ما هي العلة الغائية ؟
[ ما يوجد الشيء لأجله ] .
لماذا أوجد الله الجن والإنس ؟
للعبادة ، هذه هي العلة الغائية وهي أقوى .
لماذا خلق الله الجنة والنار ؟
خلق الله الجنة كرامة لأوليائه وخلق النار سجنا وعذابا لأعدائه .
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ((فإن قال : تلك الصفات أثبتها بالعقل لأن الفعل الحادث دل على القدرة ، والتخصيص دل على الإرادة ، والإحكام دل على العلم ، وهذه الصفات مستلزمة للحياة ، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك. قال له سائر أهل الإثبات لك جوابان :
أحدهما أن يقال : عدم الدليل المعين لا يستلزم عدم المدلول المعين فهب أن ما سلكت من الدليل العقلي لا يثبت ذلك فإنه لا ينفيه ، وليس لك أن تنفيه بغير دليل ، لأن النافي عليه الدليل كما على المثبت ، والسمع قد دل عليه ولم يعارض ذلك معارض عقلي ولا سمعي ، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالم عن المعارض المقاوم .
الثاني أن يقال : يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبت به تلك من العقليات ، فيقال : نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة كدلالة التخصيص على المشيئة ، وإكرام الطائعين يدل على محبتهم وعقاب الكافرين يدل على بغضهم كما قد ثبت بالشهادة والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه ، والغايات المحمودة من مفعولاته ومأموراته – وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة – تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأولى : لقوة العلة الغائية ، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة .
وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء كالمعتزلي الذي يقول إنه تعالى حي عليم قدير وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة قيل له : لا فرق بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات فإنك لو قلت : إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيها أو تجسيما لأنا لا نجد في الشاهد متصفا بالصفات إلا ما هو جسم فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا للجسم فانف الأسماء بل وكل شيء لأنك لا تجده في الشاهد إلا للجسم ، فكل ما يحتج به من نفي الصفات يحتج به نافي الأسماء الحسنى فما كان جوابا لذلك كان جوابا لمثبتي الصفات .))
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد :
فنواصل درسنا بتوفيق الله تعالى في الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية وموضوع الدرس الموضوع العام هو ( الإيمان ) الإيمان بالله لأن الإيمان بالله تعالى لا يثبت إلا بالإيمان بأسمائه وصفاته وأفعاله والإيمان بكل ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك نعتبر موضوع درسنا دائما في العقيدة الموضوع العام هو ( الإيمان ) الإيمان كما نعلم جميعا بحمد الله يتكون من :
- إيمان القلب .
- وإيمان الجوارح .
- وإيمان اللسان .
والعقيدة تمثل جانبا عظيما وأساسيا من الإيمان وهو إيمان القلب لذلك لو سئلت عن الفرق بين الإيمان وبين العقيدة : إن العقيدة جزء هام من الإيمان لأن الإيمان هو [ النطق باللسان والعمل بالجوارح ، وأساس الإيمان وأساس ذلك كله الاعتقاد بالقلب اعتقادا جازما لا يخالطه شك بصحة ما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيمان بالله وأسمائه وصفاته ] هذا الجانب من الإيمان يسمى العقيدة لأنك عقدت قلبك على هذه المعاني وجزمت جزما لا يخالطه شك .
ثم أما الموضوع الخاص : مناقشة بعض أهل الكلام ، لأن أهل الكلام لم يؤمنوا الإيمان الصحيح الكامل في باب الأسماء والصفات :
- منهم من آمن ببعض الصفات وأول البعض الآخر تأويلا يؤدي إلى النفي عند الإلزام وعند التحقيق معهم وهم الأشاعرة .
- وطائفة أخرى أسوأ منهم حالا أثبتت أسماء جامدة لا تدل على المعاني ونفت الصفات .
- ثم الفريق الثالث الجهمية أسوأ حالا من الجميع الذين نفوا الأسماء والصفات جميعا ولم يثبتوا لله تعالى إلا الوجود المطلق الذهني .
فدرسنا هذه الليلة في مناقشة الأشاعرة .
(فإن قال) أي المفرق بين الصفات الذي يثبت بعض الصفات وينفي البعض الآخر إن قال (تلك الصفات أثبتها بالعقل) الصفات السبع المعروفة عند الأشاعرة أثبتها بالعقل ولذلك تسمى الصفات العقلية وصفات المعاني في اصطلاحهم .
كيفية الاستدلال بالدليل العقلي : (لأن الفعل الحادث دل على القدرة ) لذلك أثبتّ صفة القدرة ، الفعل الحادث الذي يحدث في كل وقت وفي كل لحظة وفي كل ثانية وتجدد هذا الكون ووجوده بعد عدم دل على القدرة ، إذن يجب إثبات القدرة لله تعالى ، وأنت تلاحظ أن الأشعري يثبت ما يثبت بالدليل العقلي ولا يلتفت إلى الدليل النقلي ولو كان موجودا ، وهو موجود بالفعل لكنه لا يسأل عنه ، لماذا ؟
لأن الدليل العقلي هو العمدة عندهم وهو الدليل القطعي ، ويسمون الدليل النقلي السمعي الخبري كما علمنا يسمونه ظنيا لأنه لفظي والدليل اللفظي عندهم ظني ولا يدل على اليقين ، الدليل الذي يدل على اليقين عندهم هو الدليل العقلي لذلك يثبتون ما يثبتون بالدليل العقلي ولا يلتفتون إلى الدليل النقلي ، وإن ذكروا أحيانا كذكرهم قوله تعالى عند السمع والبصر " وهو السميع البصير " يقولون ( يذكر الدليل النقلي استئناسا واعتضادا لا اعتمادا والاعتماد على الدليل العقلي ) " لأن الفعل الحادث دل على القدرة " لذلك نثبت القدرة ( والتخصيص دل على الإرادة ) التخصيص له معان كثيرة :
- تخصيص العباد وتفضيلهم بعضهم على بعض : أنبياء ، والأنبياء أنفسهم مفضل بعضهم على بعض .
- وتخصيص بعض العباد بالسعادة والبعض الآخر بالشقاوة ، وتخصيص بعض الناس بسعة الرزق والآخرون بضيق الرزق .
وغير ذلك من معاني التخصيص .
هذا التخصيص يدل على أنه يفعل ما يفعل بإرادته ، كلام مسلَّم .
(والإحكام) الإحكام : وهو الإتقان إتقان ما أوجده وخلقه (دل على العلم) بهذا أثبتنا صفة العلم ، مسلَّم .
(وهذه الصفات مستلزمة للحياة) كيفية الاستدلال بالدليل العقلي على صفة الحياة بعد أن تثبت هذه الصفات تقول : إن القدرة والإرادة والعلم هذه الصفات تستلزم الحياة ، من يتصف بالقدرة والإرادة والعلم يجب أن يكون حيا .
(والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك ) كيفية الاستدلال بالدليل العقلي على إثبات السمع والبصر والكلام كأن تقول الحي لا يخلو من أحد حالين :
- إما أن يكون سميعا بصيرا متكلما .
- أو متصفا بضد ذلك .
|