شرطتين جملة اعتراضية لم يأت الخبر بعد - (– وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة – تدل على حكمته البالغة) هذا هو الخبر ، فهمت المبتدأ والخبر ؟ .
(والغايات المحمودة) هذا المبتدأ ، ( الغايات ) مبتدأ و ( المحمودة ) طبعا صفة .
(والغايات المحمودة في مفعولاته) أي مخلوقاته (ومأموراته) وفسر الشيخ هذه الغايات المحمودة بالجملة الاعتراضية حيث قال (– وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة –) هذه العواقب الحميدة قد تكون في الدنيا وغالبا في الآخرة ، العواقب الحميدة كأن يجعل الله للمتقين العاقبة الحميدة بالنصر والتأييد على أعدائه وما يحصل لهم من العاقبة الحميدة التي لا نهاية لها في الآخرة يدل كل ذلك على حكمته البالغة .
الأشاعرة في صفة الحكمة يتناقضون ، قد تقرأ لبعضهم ما يدل على أنهم يثبتون صفة الحكمة ولكن الغالب على كلامهم نفي صفة الحكمة ، يسمونها علة فيقولون : أفعال الله تعالى لا تعلل إنما تحصل أفعال الرب سبحانه وتعالىعندهم بمجرد تعلق الإرادة بها ، يعني المفعول يحصل ويقع ، والمخلوق يخلق بمجرد تعلق الإرادة به ثم إيجاده بالقدرة ، لا تعلل أفعال الله لا يقال أوجد لكذا ، خلق لكذا ، أكرم لكذا ، عاقب لكذا ، هذا غير وارد عندهم وهذا نفي للحكمة ، ونفي الحكمة يستلزم نفي اسم الله تعالى الحكيم وهم يثبتون اسم الله تعالى الحكيم ويؤمنون بذلك وينفون الحكمة ، تنطبق عليهم القاعدة أن ( كل من خالف الكتاب والسنة ولم يلتمس الهدى قي الكتاب والسنة لا بد أن يتناقض ) هذه قاعدة ، لا بد أن يتناقض ، ولو تتبعت كلام السلف في كل وقت وكلام السلفيين أيضا ـ أي علماء السلف وعلماء السلفيين ـ لا تجد في كلامهم تناقض أبدا كأنهم تخرجوا من مدرسة واحدة وعلى أستاذ واحد وهذا هو الواقع لأن أستاذهم الحقيقي هو رسول الله صلى الله عليه وسلموإن كان إطلاق لفظة ( أستاذ ) على النبي عليه الصلاة والسلامغير وارد إلا من باب الإخبار ، باب الإخبار أوسع – الحمد الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله – .
كل ذلك أي هذه العواقب الحميدة تدل على حكمته البالغة سبحانه ( كما يدل التخصيص على المشيئة وأولى) في باب الإلزام التزم الشيخ أن يلزمهم بإثبات الإرادة بالتخصيص ، وإثبات الحكمة بالعواقب الحميدة أولى من إثبات الإرادة بالتخصيص وأوضح وأكثر ذكرا في الكتاب والسنةوأبلغ عند العقلاء (لقوة العلة الغائية) لذلك قال " أولى " ما هي العلة الغائية ؟
[ ما يوجد الشيء لأجله ] العلة الغائية ما يوجد الشيء ويفعل الشيء من أجله .
لماذا خلق الله الجن والإنس ؟
للعبادة ، " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " الغاية من خلق الجن والإنس العبادة ، أن يعبدوه ويوحدوه فيكونوا له عبيدا لا يلتفتون إلى سواه ويخضعون له ويعظمونه ويعظمون شرعه ، لهذا خلقهم ، هذه العلة الغائية أقوى ، وهذه العلة الغائية تدل على الحكمة .
(ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة) الله سبحانه وتعالىأخبر كثيرا في كتابه الدلالة على ما يدل على النعم والحكم " وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون " هذه النعم دلالتها على المنعم وعلى الحكمة أبلغ من دلالة التخصيص على الإرادة " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون " واضح ، لكن دلالة ما خلق الله في هذا الكون وسخر لعباده ، خلق لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه هذا أدل وأبلغ في دلالته على الحكمة وعلى هذه النعم التي خلقها لعباده ، أبلغ من دلالة التخصيص على الإرادة ، وإذا أثبتم الإرادة بالتخصيص يلزمكم إثبات الحكمة وأنه المنعم المتفضل بهذه المخلوقات وبتسخير الله السماوات والأرض والبحر لعباده ، هذا معنى قوله (ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة ) أرجو أن يكون واضحا .
إلى هنا تنتهي المناقشة مع الأشاعرة ينتقل الحوار الآن إلى الحوار مع المعتزلة الذين يثبتون الأسماء وينفون الصفات ، ولذلك يقول الشيخ رحمه الله (وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات ويقر بالأسماء كالمعتزلي الذي يقول إنه تعالى حي عليم قدير وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة) تناقض بين ، أصحاب الفطرة لا يقبلون مثل هذه العقيدة ، لو سمع أعرابي من يقول بأن الله سبحانه وتعالىحي لكن لا يوصف بصفة الحياة ، عليم لا يوصف بصفة العلم ، قدير لا يوصف بصفة القدرة لا يكاد يفهم هذا الكلام ، يستنكر يقول ما هذا ؟ هذه رطانة ما هذا الكلام المتناقض ، العليم ، يلزم من ذكر العليم إثبات صفة العلم ، ومن ذكر القدير إثبات صفة القدرة ، وهكذا ، هذا هو المعقول عند أصحاب الفطرة السليمة ، ولكن القوم أصيبوا في فطرتهم وفي عقولهم من دراسة الفلسفة والمنطق وعلم الكلام وتخبطوا هذا التخبط وقالوا كلاما متناقضا ، قالوا : إنه حي عليم قدير ولكن لا يوصف لا بالحياة ولا بالعلم ولا بالقدرة ، كيف ترد عليهم ؟ كيف تناقشهم ؟ كونك تستدل عليهم بالكتاب والسنة لا يقبلون ولا يؤمنون بأدلة الكتاب والسنة ، لأن أدلة الكتاب والسنة عندهم أدلة ظنية غير قطعية يهولون المسألة فيقولون : ( هذا الباب باب عظيم وخطير ) مقدمة عظيمة ( فإذا كان الباب بهذا المثابة لا ينبغي الاستدلال في هذا الباب إلا بالدليل القطعي ) وإذا سلمت هذه المقدمة إلى هنا ، يقول لك ، إذن لا ينبغي الاستدلال بالدليل اللفظي فيجب أن يكون الاستدلال بالدليل العقلي ، إذا كان السلفي لم يفطن للمقدمة وسلم للمقدمة ألزمه الخلفي بهذه العقيدة المتناقضة ولذلك ينبغي التأني عند المناظرة ولاحظتم ما وقع فيه عبد العزيز المكي إن كان الكلام له حيث أثبت السميع البصير ولم يثبت السمع والبصر ، إن كان هذا الكلام كما يقال تمثيلية رويت على لسانه لا بأس ، وإلا تعتبر هذه هفوة وغلطة من ذلك السلفي المناظر القوي في مناظرته لكنه أخطأ هنا لذلك ينبغي التريث في أثناء المناظرة مع الخصوم خصوصا في هذا الباب ، والاطلاع على العقليات مع النقليات مفيد لطلاب العلم في هذا الباب وخصوصا طلاب الجامعات الذين يُنْتَظَر منهم أن يكونوا هم المدافعون عن العقيدة ، وجود من يجيد العقليات والنقليات أو يستطيع على الأقل أن يشارك في
|