
31-Mar-2010, 05:26 PM
|
|
|
الي زوجي........
بسم الله الرحمن الرحيم
إليك – زوجي العزيز – أخط هذه الرسالة المفتوحة.. علَّها تلامس إحساسك، وتوقظك من غفلة طالما حرمتني من الاستمتاع بالسعادة في حياتنا الزوجية..
وهذه الرسالة ليست توبيخًا ولا تأنيبًا بقدر ما هي تذكير يساهم بكلماته الحانية في تحقيق التواصل الواجب بيننا.. نتدارك به الأخطاء.. ونصحح به المسار.. ونجدد به العهد على احترام العشرة الزوجية التي أمر الله جل وعلا بها في كتابه فقال: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ.
ولأنني أخذت العهد على كتمان سرك وصون عرضك فإنني لا أرى أن أبث شكواي إلا إلى الله ثم إليك.. فأما شكواي إلى الله.. فلكي يصلح أمرك.. وينبهك إلى عيوبك لتظل عونًا لي على ديني ودنياي.. فلست أشكوه بالدعاء عليك.. بل بالدعاء لك.. تأسيًا بقول الله جل وعلا: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.
وأما للشكاوى إليك.. فلأني أظن بك خيرًا.. وأعلم أنك إذا ذُكِّرتَ ذكرتَ.. وأعلم أيضًا أنك مؤمن بالله وأن الذكرى تنفع المؤمنين.
[color="rgb(75, 0, 130)"]وإليك يا زوجي العزيز ما أراه يؤلمني من أقوالك وأعمالك.[/color].
* لماذا تكره نقدي؟
فكلما أبديت إليك رأيًا ناصحًا.. أعرضت ونهرت وغضبت، وصار نصحي لك أو شكواي من خلقك.. مشكلة تؤرق راحتك.. وتبدل أحوالك.. فلا أراك بعدها إلا متجهمًا ساخطًا.. أوليس التناصح بيننا أصل من أصول التعاون على البر والتقوى، وقد قال عز وجل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
إن كثيرًا من الأزواج يخطئون حينما يلغون دور الزوجة في صناعة الحياة الزوجية.. بالنصيحة والتعاون على الخير؛ فهذا رسول الله قال له بعض أصحابه: لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ فقال رسول الله : «أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه». ولهذا كانت المرأة الصالحة ركنًا من أركان السعادة لا تتم إلا بها.. لما لها من دور في إصلاح الزوج؛ فهي له مرآته التي تقوم بها ذاته.. ويرى فيها نفسه.
* وإلا فأنت طالق:
فهذه العبارة.. جعلتها كالسيف مسلطًا على عنقي.. ترددها على أتفه الأمور.. ولا ترى في إطلاقها بأسًا، وهي يهتز لها عرش الرحمن.. ففيها إيذان بخراب البيوت.. وتحطيم الأسر..
وإذا كان ميثاق الزواج ميثاقًا غليظًا كما قال تعالى: وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا، فعساك توقر عظمته.. وتحترم هيبته.. فلا تجعل من مشكلات الأيام التي لا يخلو منها بيت ذريعة لشتات الشمل.. وتدمير العشرة.
ألم تسمع إلى قول الرسول : «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر، أو قال: غيره». [رواه مسلم].
فلست – كما تريدني – ملكًا.. كما أنك لست ملكًا.. لذا فإنك معرض كما أني معرضة للخطأ.. والحكيم من ينظر إلى المحاسن بعين الرضى.. وإلى المساوئ بعين الغض والعفو والنصح..
هذا.. إذا كان يصدر مني ما يسوؤك.. كيف وكلمة الطلاق على لسانك.. دون أن يصدر مني ما تكره!
فلتراع شعور من تعاشر.. فإن خير الناس خيرهم لأزواجهم.. ولا خير فيمن تلاعب بالطلاق.
* ويجعل من يشاء عقيما:
فإني لطالما رأيت في عينين تجهمًا.. أقرأ فيها لومًا يقرعني لأني لا أنجب الولد.. ولطالما عانيت من تلك النظرات.. وذلك اللوم.. وكأني المسؤولة عن الإنجاب.. فكيف تحملني كلماتك ولومك ونظراتك مسؤولية ذلك والأمر كله بيد الله؟! يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا.
فواهبُ الذكر والأنثى هو الله.. وليس للإنسان في ذلك من حيلة.. بل الواجب على المؤمن أن يرضى بقضاء الله وقدره، ولا يكون حاله كحال أهل الجاهلية: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ.
* أين الحنان والمودة؟
فإني لطالما افتقدتهما فيك.. فافتقدت بافتقادهما ملح الحياة.. وحلاوة العشرة.. وسكينة الحياة الزوجية.. فأنت تدرك أن الحياة الزوجية لا يمكن أن تثمر السعادة إلا بالمودة المتبادلة بين الزوجين.. كما قال تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.
إن بيتًا لا تسود فيه مودة متبادلة بين الزوجين.. بيت لا تدخله السعادة.. ولا تأتيه السكينة.. فهذه فطرة الله التي فطر عليها الحياة.. فأين أنت من الفطرة..
إذا كان الخلق الحسن بينك وبين الناس واجبًا فهو في بيتك أوجب.. وإذا كانت معاني الرحمة مع الناس مؤكدة فهي مع أهلك أوكد.. وليس أحد أولى بودك وإخلاصك أكثر من أهلك.. ولهذا قال رسول الله : «خيركم خيركم لأهله».
ولو نظرنا إلى حياة رسول الله مع أزواجه لرأينا أنها مثال الملاطفة والمؤانسة؛ فلقد كان يؤانسهن ويمازحهن ويعمر نفوسهن بالكلمة الحلوة، والنظرة الحانية، والتصرف الودود، ويحتمل منهن أخطاءهن.
إن ربتة كتف حانية مع الزوج، مع ابتسامة مشرقة مقرونة بكلمة طيبة تذيب تعب الزوجة، وتنعش فؤادها المشرئب للعطف والحنان، فهل لك أن تنتبه إلى نفسك وتتأسى بسيدنا رسول الله الذي يقول الله تبارك وتعالى فيه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.
* كم أبقيت للبيت من وقتك؟
فنادرًا ما أظفر بلقياك.. وكأنني آخر من عليك لقاؤه.. قد خصصت جل وقتك لعملك وأقربائك وأصدقائك وسفرك.. تبكر في الخروج.. ولا تعود إلا متأخرًا بعدما يدب يأس الانتظار في قلبي وقلب أبنائك..
وحتى إذا أتيحت لك فرصة عيد أو عطلة.. قضيت فراغها خارج بيتك دونما رعاية لحقوق أهلك وأبنائك.
أين أنت من قول الرسول : «فإن لأهلك عليك حقًا، وإن لضيفك عليك حقًا، وإن لنفسك عليك حقًا، فصم وأفطر، وصلِّ ونم». [جزء من حديث رواه أحمد].
ألا فعد إلينا.. فبيتك أحوج إلى رأيك.. وتوجيهك، وقوامتك؛ فهو الرعية.. وأنت راعيه.. وكل راع مسؤول عن رعيته كما قال الرسول : «كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته: فالرجل راع في أهل بيته وهو مسؤول عنهم». [رواه البخاري ومسلم].
* لا تستسلم للشك:
فقد أصبحت غيرتُك جحيمًا لا يطاق.. وأصبحت ظنونك وشكوكك تبعث الإحباط والهم والأحزان.. تتهمني بنظراتك.. وتجرمني بأسئلتك.. وتريبني بتصرفاتك.. حتى أصبحت أشك في نفسي.. لفرط غيرتك وكثرة سوء ظنك..
نعم إن من صلاح الزوج ورجولته غيرته على أهله.. وهي في الرجال صفة كمال.. لكنها إذا تجاوزت حدها.. وأصبحت ظنًا سيئًا انقلبت إلى صفة نقص.. وجعلت الزوج مصابًا بهوس الوسواس.. قال تعالى: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وقال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا.
* إن لي عليك حق العشرة:
فالعشرة بالمعروف بين الزوجين لا تقتصر على النفقة والسكن.. بل هي أشمل من ذلك بكثير؛ فهي تشمل كل معاني التقدير والاحترام والمودة والرحمة والحنان وحسن الخلق، والمشاركة العاطفية في الأفراح والمسرات، والبشاشة وحسن الكلام والاستماع وكف الأذى.. وبذل الجهل في كل وقت وحين؛ لإضفاء روح المودة على الحياة الزوجية.
: «وكان من أخلاق النبي أنه جميل العشرة دائم البِشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، ويضع على كتفيه الرداء، وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام، يؤنسهم بذلك وقد قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»
[تفسير القرآن العظيم 1/477].
* لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق:
فطاعتي لك وإن كانت واجبة علي فهي إذا كانت في معصية الله لا تجوز.. وإنني ألحظ منك رغبات تطلبها وهي مخالفات شرعية لا يرضى بها الله؛ فمن ذلك: تود أن أتشبه بالكافرات في اللباس لأجل الزينة والتجمل.. وأنا أرى أن من العشرة بالمعروف أن تتزين الزوجة لزوجها.. لكن دونما وقوع فيما حرم الله.. وأرى أن التشبه بالكافرات حرام لقوله : «من تشبَّه بقوم فهو منهم».
* أسراري أمانة:
فلا تفشها للآخرين؛ فإن إفشاء أسرار الزوجية من شر الأعمال الموعود عليها صاحبها بالعقاب، كما قال رسول الله : «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة: الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها». [رواه مسلم].
وأخيرًا: أذكرك بقول الرسول : «استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإذا ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا». [رواه البخاري ومسلم].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
|