دولة فلسطين
[align=right]تسعى الولايات المتحدة الامريكية منذ أن وطئت أقدام جنودها أرض العراق الى محو التراث الحضاري والإنساني العراقي، فقد كانت النية مبيتة لا للاستيلاء على نفط و ثروات العراق فقط، ولكن أيضاً لتحطيم آثارها وانتهاك حضارتها وتدمير أحد جناحي الحضارة التي قامت عليها البشرية لفرض ثقافة وحضارة الكاوبوي.
لذلك لم يكن غريباً أن تقدم مدرعة أمريكية وبمجرد سقوط بغداد على قصف بوابة المتحف الوطني و فتح الطريق أمام المخربين المدربين و العصابات الدولية التي دخلت الى القاعات تحمل معها أدوات ومعاول الهدم لسرقة المقتنيات أو تدمير الآثار الموجودة.
و هو ما أكده شهود العيان وخاصة حارس المتحف الذي استنجد بالقوات الامريكية لحماية الآثار و الكنوز العراقية الثمينة لكنها لم تتحرك تحت زعم عدم وجود أوامر بذلك.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك بل نجح المخربون بمساعدة سلطات الاحتلال الامريكي في تدمير و سرقة متاحف الموصل وتكريت والبصرة و المتحف الملكي بقصر الزهور فضلاً عن إحراق المكتبة الوطنية في بغداد و نهب مركز المخطوطات و مكتبة الأوقاف ودار الوثائق ومكتبات معظم الجامعات في محاولة أمريكية لطمس الهوية ومحو الذاكرة العراقية.
و ما لفت الانتباه هو تعامل المخربين مع لوحات ملك بابل "نبوخذ نصر " والتي سجل فيها انتصاره على اليهود و تخريب اورشليم وأسر ما يزيد على 40 الف يهودي سخرهم عبيداً في بابل حيث كشف تحطيمها على أيدي مدربين عن حقد دفين كما لو كانوا ينتقمون من ملكها، وهو ما دفع الكثيرين الى التأكيد على أن هؤلاء المخربين عناصر من الموساد او يعملون برعايته.
وقتها خرجت بعض الأصوات لتلصق التهم بالعراقيين البسطاء ونقلت وسائل الإعلام الامريكية صوراً لبعض العراقيين يحملون اجهزة كمبيوتر وأثاثاً من بعض المصالح و الوزارات الحكومية كما لو كان بها لصوص لكن انقلب السحر على الساحر وكشفت هذه المشاهد المسرحية الساذجة و المدبرة حقيقة ما جرى بالفعل.
وظلت الأسئلة وعلامات الاستفهام تطارد و تدين قوات الاحتلال:لماذا لم يسرق (اللصوص ) حسب وصف الاعلام الأمريكي أثاث وثائق وزارة النفط العراقي ؟ وهل من مصلحة اللصوص سرقة المقتنيات الثمينة التي تمثل بالنسبة لهم الملايين أم تحطيمها كما حدث؟!
و كيف يمكن أن نفهم ان اثنين من خزائن المتحف العراقي الواقعة في السراديب تحت مبنى المتحف والمغلقة بإحكام ولا يمكن الوصول اليها إلا بالانتقال من دهليز الى آخر يتم فتحها في وقت كانت فيه الكهرباء خلال أيام الفوضى مقطوعة ؟!
و هل قام العراقيون أيضاً بحرق المخطوطات النادرة التي تمثل أوراقاً من المصحف الذي كتبه علي بن أبي طالب.
هذه الأسئلة وغيرها من المزاعم التي روجت لها وسائل الإعلام الامريكية أجابت عليها وفندتها ممارسات قوات الاحتلال على مدى عامل كامل، فجريمة تدمير التراث العراقي مستمرة وتعيشها المواقع الأثرية حتى الآن وكان من آخرها قيام سلطات الاحتلال باستخدام موقع الخليفة المعتصم الأثري واحد معالم سامراء التي ظلت على مدى نصف قرن عاصمة للخلافة الإسلامية مقراً عسكرياً لها و جعلت منه ميداناً للرماية يطلق من خلاله الجنود النيران دون معرفة السبب او الاتجاه.
وإذا كانت عناصر الموساد الإسرائيلي تستهدف علماء الذرة العراقيين و اغتالت العديد منهم فإن القوات الأمريكية المحتلة تعمل في اتجاه آخر بهدف سرقة التراث فتبطش بعلماء ومسؤولي الآثار العراقيين وتعتقل زائري المواقع الأثرية كما حدث عندما دمرت سلطات الاحتلال البوابة المؤدية الى باحة المئذنة الملوية ودخلت المسجد الجامع لتعتقل من فيه من مسؤولين و زوار و كان آخر المعتقلين من مسؤولي الآثار عبد الصمد كريم، مدير الآثار في مدينة سامراء والذي اعتقل على أيدي عناصر من قوات الجيش الامريكي.
و هدف اعتقال مسؤولي الآثار فسره عبد الصمد كريم عندما أبلغ زوجته عبر معتقلين مفرج عنهم برسالة طالب فيها زوجته بالحفاظ على الخرائط التي يرتسم بها شكل المدينة القديمة وأماكن القطع الأثرية.
الجرائم الأمريكية لا تتوقف عند ذلك بل تقوم سلطات الاحتلال بتجريف المناطق الأثرية فمنطقة كفر قاسم احدى المناطق التاريخية بنت عليها القوات المحتلة مقراً لها و جرفت تربتها التي يداخل ترابها مع بقايا أحجار كانت في الماضي دوراً لجند عاصمة الخلافة.
فضلاً عن قيام باحثين صهاينة بالتنقيب في المواقع التاريخية العراقية بحثاً عن تاريخ.
و على مدى عام كامل لم تتوان القوات الامريكية عن اقتحام و تدمير المساجد الأثرية مثلما حدث في مساجد مدينتي كربلاء والنجف الأشرف والتي تضم مدفن الامام علي بن طالب وآل البيت النبوي حيث دمرت سلطات الاحتلال البنية التحتية لمسجد و ضريح الإمام علي ومسجد الحسين ومسجد العباس بن أبي طالب بالنجف الأشرف كما دمرت جامعة المستنصرية ذات الطابع التاريخي والأثري.
تعود مرة اخرى للمتحف القومي في بغداد والذي يكشف ما جرى له عن نية متعمدة في تدمير الحضارة العراقية فقد تعمد المحتلون طمس كل ملامح تفوق الحضارة العراقية فالبابليون برعوا في حديد مواقع النجوم وتصوير السماء و تسجيل شروق نجم " الزهرة" و غروبه بالنسبة للشمس والكسوف والخسوف وعرفوا مسار الكواكب و كانوا أول من ميز بين النجوم الثوابت و الكواكب السيارة وكل هذا المكان مسجلاً على اللوحات التي دمرتها قوات الاحتلال.
كما سرقت ودمرت ونهبت لوحات الأدب البابلي أعظم انتاج أدبي في تاريخ البشرية والتي تحمل معاجم للغة و رسائل في الفلك والرياضيات والجغرافيا و الطب و الكيمياء وعلم الحيوان والنبات ومجموعات نادرة من الملاحم والأساطير.
بالإضافة الى سرقة المئات من الأختام الحجرية او البرونزية التي كانت تستخدم للامضاء على الوثائق في العصر الآشوري و قد نهبت من الطابق السفلي للمتحف، وعدت هذه الاختام على الدوام العنصر الأساسي في تحديد السلالات المتعاقبة على الحكم و فهم التطور الإنساني لتلك الحقبة الزمني.
ومن القطع الأثرية التي سرقت أيضا ًولا تقدر بثمن قيثارة تعود الى الحقبة السومرية يعتقد انها استعملت في مدينة اور يتوجها رأس ثور ويرجع تاريخها الى العام 2400 قبل الميلاد بالإضافة الى قناع من النحاس للملك أكاذيب.
و نهب المتحف العراقي لا يمثل في الحقيقة إلا جزءاً صغيراً من عمليات سرقة منظمة طالت عدة مواقع أثرية عراقية برعاية امريكية أسفرت عن اختفاء الآلاف من القطع الأثرية فالعديد من المواقع الأثرية في جنوب العراق ما زالت تتعرض للنهب منذ نهاية العمليات العسكرية و من اشهرها الموقع الملكي لـ أور المواطن الأصلي لإبراهيم عليه السلام الذي لم يسلم من العمليات المنظمة التي تقوم بها العصابات الدولية تحت سمع و بصر القوات المحتلة.
كما تعاني منظمة نبيور الأثرية العراقية التي شهدت على مدى خمسة آلاف عام أعرق حضارات بلاد ما بين النهرين من استمرار من أعمال النهب حيث تخلو هذه المنطقة الواقعة على بعد 200 كيلو متر جنوب شرق بغداد من حياة مما أسفر عن سرقة لوحات أثرية عديدة و ثمينة.
و بدراسة متأنية للبيانات و الكتالوجات الموثقة للآثار و المتاحف العراقية نكتشف ان ما سرق و نهب يزيد على 14 ألف قطعة أثرية نادرة وثمينة و هو رقم يمثل جريمة بشعة ارتكبتها قات الاحتلال في حق التراث والحضارة الإنسانية خاصة إذا علمنا ان وزارة الدفاع الامريكية قد تسلمت قوائم بأربعة آلاف موقع وبناء أثري ومن بينها المتاحف العراقية العظيمة وذلك قبيل الاحتلال.
كما قام جيسون ماكجير عالم الآثار الأمريكي بإطلاع القادة العسكريين الأمريكيين على الأهمية التاريخية للعراق وكيف منحت حضارة ما بين الرافدين – مع الحضارتين المصرية و الفينيقية – أوروبا أسس حضارتها المتتالية ابتداء من الحضارة اليونانية و وعدوه بتشكيل مجموعة عمل للدراسة مشكلة إمكانية تعرض هذه الآثار للتدمير[/align]
|