[grade="00008b ff0000 008000 008000 ff0000"]أعمار الجن وموتهم
لا شك أن الجن – ومنهم الشياطين – يموتون ؛ إذ هم داخلون في قوله تعالى :
( كلٌّ من عليها فانٍ – ويبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام
– فَبِأَيِّ آلاء ربكما تكذبان )
[ الرحمن : 26-28 ] .
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول :
( أعوذ بعزتك ، الذي لا إله إلا أنت ، الذي لا يموت ، والجن والإنس يموتون ) (1) .
أما مقدار أعمارهم فلا نعلمها ، إلا ما أخبرنا الله عن إبليس اللعين
أنه سيبقى حيّاً إلى أن تقوم الساعة :
( قال أنظرني إلى يوم يبعثون – قال إنَّك من المنظرين ) [ الأعراف : 14-15 ] .
أما غيره فلا ندري مقدار أعمارهم ، إلا أنهم أطول أعماراً من الإنس .
ومما يدّل على أنهم يموتون أن خالد بن الوليد قتل شيطانة العزى
( الشجرة التي كانت تعبدها العرب )
وأن صحابياً قتل الجني الذي تمثل بأفعى ، كما سيأتي بيانه .
--------------------------------
(1) رواه مسلم في صحيحه : 4/1906 . ورقمه : 2451 .
مساكن الجن ومجالسهم وأماكنهم
الجن يسكنون هذه الأرض التي نعيش فوقها ، ويكثر تجمعهم في الخراب والفلوات
ومواضع النجاسات كالحمامات والحشوش والمزابل والمقابر
ولذلك – كما يقول ابن تيمية – يأوي إلى كثير من هذه الأماكن
التي هي مأوى الشياطين : الشيوخ الذين تقترن بهم الشياطين .
وقد جاءت الأحاديث ناهية عن الصلاة في الحمام
لأجل ما فيها من نجاسة ، ولأنها مأوى الشياطين ، وفي المقبرة ؛ لأنها ذريعة إلى الشرك .
ويكثر تجمعهم في الأماكن التي يستطيعون أن يفسدوا فيها كالأسواق
فقد أوصى سلمان أصحابه قائلاً : " لا تكونن ، إن استطعت
أول من يدخل السوق ، ولا آخر من يخرج منها
فإنها معركة الشياطين ، وبها ينصب رايته " (1) .
والشياطين تبيت في البيوت التي يسكنها الناس ، وتطردها التسمية
وذكر الله ، وقراءة القرآن ، خاصة سورة البقرة ، وآية الكرسي منها
وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الشياطين تنتشر
وتكثر بحلول الظلام ،ولذا أمرنا أن نكف صبياننا في هذه الفترة
وهو حديث متفق عليه .
والشياطين تهرب من الأذان ، وفي رمضان تُصَفّد الشياطين .
والشياطين تحب الجلوس بين الظل والشمس
ولذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الجلوس بينهما
وهو حديث صحيح مروي في السنن وغيرها .
--------------------------------
(1)رواه مسلم في صحيحه : 4/1906 . ورقمه : 2451
دواب الجن ومراكبهم
في حديث ابن مسعود في صحيح مسلم :
أنَّ الجن سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم الزاد
فقال : ( لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه
يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً ، وكل بعرة علف لدوابكم ) (1) .
فأخبر أن لهم دوابّ ، وأن علف دوابهم بعر دواب الإنس .
وأخبرنا ربنا أن للشيطان خيلاً يجلب بها على أعدائه من بني آدم قال تعالى :
( واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك )
[الإسراء : 64] .
حيوانات تصاحبها الشياطين :
من هذه الحيوانات الإبل ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :
( إن الإبل خلقت من الشياطين ، وإن وراء كل بعير شيطاناً ) .
رواه سعيد بن منصور في سننه بإسنادٍ مرسل حسن (2) .
ومن أجل ذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم
عن الصلاة في مبارك الإبل
فعن البراء بن عازب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :
( لا تصلوا في مبارك الإبل ، فإنها من الشياطين
وصلوا في مرابض الغنم ، فإنها بركة ) (3) .
وعن عبد الله بن مغفل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( صلوا في مرابض الغنم ، ولا تصلوا في أعطان الإبل
فإنها خلقت من الشياطين ) (4) .
وهذه الأحاديث ترد على من قال :
إنّ علة النهي عن الصلاة في مبارك الإبل نجاسة أبوالها وروثها
فالصحيح أن روث وبول ما يؤكل لحمه غير نجس .
وقد تساءَل أبو الوفاء ابن عقيل عن معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم :
( إن الكلب الأسود شيطان ) ، ومعلوم أنه مولود من كلب
و ( أن الإبل خلقت من الشياطين )
مع كونها مولودة من الإبل .
وأجاب : أنّ هذا على طريق التشبيه لها بالشياطين
لأن الكلب الأسود أشرّ الكلاب وأقلعها نفعاً
والإبل تشبه الجن في صعوبتها وصولتها ، كما يقال : فلان شيطان
إذا كان صعباً شريراً (5) .
ويدل لصحة قول ابن عقيل أن الأحياء في عالمنا الأرضي مخلوقة من الماء
كما قال تعالى :
( وجعلنا من الماء كُلَّ شيٍ حَيٍّ )
[ الأنبياء : 30 ]
والشياطين مخلوقة من النار .
--------------------------------
(1)رواه مسلم : 3/332 . ورقمه : 450 .
(2) صحيح الجامع : 2/52 .
(3) رواه أبو داود . انظر صحيح سنن أبي داود : 1/37 . ورقمه : 169 .
(4) صحيح سنن ابن ماجة : 1/128 . ورقمه : 623 .
(5) آكام المرجان : ص22 . لقط المرجان : ص42
قدرات الجن وعجزهم
المطلب الأول
ما أعطاه الله للجن من قدرات
أعطى الله الجنّ قدرة لم يعطهـا للبشر ، وقد حدثنا الله عن بعض قدراتهم
فمن ذلك :
أولاً : سرعة الحركة والانتقال :
فقد تعهد عفريت من الجن لنبي الله سليمان بإحضار عرش ملكة اليمن
إلى بيت المقدس في مدة لا تتجاوز قيام الرجل من جلوسه
فقال الذي عنده علم من الكتاب
أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك :
( قال عفريتٌ من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك
وَإِنِّي عليه لقويٌّ أمينٌ –
قال الَّذي عنده علمٌ من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك
فلمَّا رآه مستقرّاً عنده قال هذا من فضل ربي ...)
[ النمل : 39-40 ] .
ثانياً : سبقهم الإنسان في مجالات الفضاء :
ومنذ القدم كانوا يصعدون إلى أماكن متقدمة في السماء
فيسترقون أخبار السماء ، ليعلموا بالحَدَث قبل أن يكون
فلما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم زيدت الحراسة في السماء :
( وأنَّا لمسنا السَّماء فوجدناها مُلِئَتْ حرساً شديداً وشهباً –
وأنَّا كنَّا نقعد منها مقاعد للسَّمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رَّصداً )
[ الجن : 8-9 ] .
وقد وضح الرسول صلى الله عليه وسلم كيفية استراقهم السمع
فعن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم :
( إذا قضى الله الأمر في السماء ، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله
كأنه سلسلة على صفوان ، فإذا فزع عن قلوبهم
قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا للذي قال : الحق ، وهو العلي الكبير .
فيسمعها مسترقو السمع ، ومسترقو السمع هكذا بعضه فوق بعض –
ووصف سفيان بكفه ، فحرفها وبدد بين أصابعه –
فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته
حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن
فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها ، وربما ألقاها قبل أن يدركه
فيكذب معها مائة كذبة . فيقال :
أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا : كذا وكذا ؟
فيصدّق بتلك الكلمة التي سمع من السماء ) (1) .
خرافة جاهلية :
ومعرفة السبب الذي من أجله يرمي بشهب السماء
قضى على خرافة كان يتناقلها أهل الجاهلية
فعن عبد الله بن عباس قال : أخبرني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
من الأنصار : أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
رمي بنجم فاستنار ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا ) ؟
قالوا : الله ورسوله أعلم ، كنا نقول : ولد الليلة رجل عظيم
ومات رجل عظيم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ؛ ولكنّ ربنا – تبارك وتعالى اسمه –
إذا قضى أمراً سبّح حملة العرش ، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم
حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا
ثمّ قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش : ماذا قال ربكم ؟
فيخبرونهم ماذا قال ، قال فيستخبر بعض أهل السماوات بعضاً
حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا ، فتخطف الجنّ السمع ،
فيقذفون إلى أوليائهم ، ويرمون به ، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق ،
ولكنهم يَقْرِفون فيه ويزيدون ) (2) .
وقد يكون استراقهم السمع بطريق أهون عليهم من الطريق الأولى
وذلك بأن تستمع الشياطين إلى الملائكة الذين يهبطون إلى العنان
بما يكون من أحداث قدرها الله ، فعن عائشة رضي الله عنها
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( الملائكة تتحدث في العنان – والعنان الغمام – بالأمر يكون في الأرض
فتستمع الشياطين الكلمة ، فتقرها في أذن الكاهن كما تقرّ القارورة
فيزيدون معها مائة كذبة ) (3) .
ثالثاً : علمهم بالإعمار والتصنيع :
أخبرنا الله أنه سخر لنبيّه سليمان
، فكانوا يقومون له بأعمال كثيرة تحتاج إلى قدرات ، وذكاء ، ومهارات :
( ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا
نذقه من عذاب السَّعير –
يعملون له ما يشاء من مَّحاريب وتماثيل وجفانٍ كالجواب وقدورٍ رَّاسِيَاتٍ)
[ سبأ : 12-13 ] .
ولعلهم قد توصلوا منذ القدم إلى اكتشاف مثل ( الراديو والتلفزيون )
فقد ذكر ابن تيمية أن بعض الشيوخ الذين كان لهم اتصال بالجن أخبره وقال له :
" إن الجن يرونه شيئاً براقاً مثل الماء والزجاج
ويمثلون له فيه ما يطلب منه من الأخبار به ، قال فأخبر الناس به ،
ويوصلون إليّ كلام من استغاث بي من أصحابي ، فأجيبه ،
فيوصلون جوابي إليه " (4) .
رابعاً : قدرتهم على التشكل :
للجن قدرة على التشكل بأشكال الإنسان والحيوان ،
فقد جاء الشيطان المشركين يوم بدر في صورة سراقة بن مالك .
ووعد المشركين بالنصر ، وفيه أنزل :
( وإذ زيَّن لهم الشَّيطان أعمالهم
وقال لا غالب لكم اليوم من النَّاس وَإِنِّي جارٌ لكم )
[الأنفال : 48] .
ولكن عندما التقى الجيشان ، وعاين الملائكة تتنزل من السماء
ولى هارباً : ( فلمَّا تَرَاءتِ الفئتان نكص علـى عقبيه
وقال إني بريءٌ منكم إِنِّي أرى ما لا ترون إني أخاف الله )
[ الأنفال : 48 ] .
وقد جرى مع أبي هريرة قصة طريفة رواها البخاري وغيره ؛ قال أبو هريرة :
( وكلني رسول الله بحفظ زكاة رمضان ، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام
فأخذته ، وقلت : والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : إني محتاج ، وعليّ عيال ، ولي حاجة شديدة
قال : فخليت عنه ، فأصبحت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
يا أبا هريرة ، ( ما فعل أسيرك البارحة ؟ )
قال : قلت : يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً
فرحمته ، فخليت سبيله ، قال : ( أما إنه كذبك وسيعود ) ،
فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
إنه سيعود ، فرصدته ، فجاءَ يحثو من الطعام ، فأخذته ، فقلت :
لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛
قال : دعني فإني محتاج ، وعليّ عيال ، لا أعود ، فرحمته ، فخليت سبيله ،
فأصبحت ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( يا أبا هريرة ، ما فعل أسيرك ؟ )
قلت : يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً ،
فرحمته ، فخليت سبيله .
قال : ( أما إنه كذبك وسيعود ) ،
فرصدته الثالثة ، فجعل يحثو من الطعام ، فأخذته ، فقلت :
لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وهذا آخر ثلاث مرات ، إنك تزعم لا تعود ،
ثمّ تعود ! قال : دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها ،
قال : قلت : ما هنّ ؟
قال : إذا أويت إلى فراشك ، فاقرأ آية الكرسي
( الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيُّوم ) [البقرة : 255]
حتى تختم الآية ؛ فإنّك لن يزال عليك من الله حافظ ،
ولا يقربنّك شيطان حتى تصبح ، فخليت سبيله ، فقال لي
رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( ما فعل أسيرك البارحة ؟ )
قلت : يا رسول الله زعم أنّه يعلمني كلمات ينفعني الله بها ،
فخليت سبيله ، قال : ما هي ؟ قلت : قال لي :
إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية
( الله لا إله إلاَّ هو الحيُّ القيُّوم ) [ البقرة : 255 ]
وقال لي : لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح ،
وكانوا أحرص شيء على الخير .
قال النبي :
( أما إنه قد صدقك وهو كذوب ،
تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟ )
قال : لا ، قال : ( ذاك شيطان ) (5) .
فقد تشكل هذا الشيطان في صورة إنسان .
وقد يتشكل في صورة حيوان : جمل ، أو حمار ، أو بقرة ، أو كلب ،
أو قط ، وأكثر ما تتشكل بالأسود من الكلاب والقطط .
وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة ،
وعلل ذلك بأن ( الكلب الأسود شيطان ) (6) .
يقول ابن تيمية : " الكلب الأسود شيطان الكلاب ،
والجن تتصور بصورته كثيراً ، وكذلك بصورة القط الأسود ؛
لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره ، وفيه قوة الحرارة " .
جنان البيوت :
تتشكل الجان بشكل الحيات وتظهر للناس ،
ولذا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل الحيات البيوت ،
خشية أن يكون هذا المقتول جنياً قد أسلم ،
ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إنّ بالمدينة جنّاً قد أسلموا ، فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام ،
فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه ، فإنما هو شيطان ) (7) .
وقد قتل أحد الصحابة حيّة من حيات البيوت ،
فكان في ذلك هلاكه ، روى مسلم في صحيحه :
أن أبا السائب دخل على أبي سعيد الخدري في بيته ، فوجده يصلي ،
قال : ( فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته ،
فسمعت تحريكاً في عراجين في ناحية البيت ، فالتفت ،
فإذا حيّة ، فوثبت لأقتلها فأشار إليّ ؛ أن اجلس ، فجلست .
فما انصرف أشار إلى بيت في الدار ، فقال : أترى هذا البيت ؟
فقلت : نعم . قال : كان فيه فتى منّا حديث عهد بعرس ،
قال : فخرجنا مع رسول الله إلى الخندق ،
فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بأنصاف النهار ، فيرجع إلى أهله ، فاستأذنه يوماً فقال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم :
( خذ عليك سلاحك ، فإني أخشى عليك قريظة ) .
فأخذ الرجل سلاحه ، ثمّ رجع ،
فإذا امرأته بين البابين قائمة ، فأهوى إليها الرمح ليطعنها به ،
وأصابته غيرة ، فقالت له : اكفف رمحك ،
وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني .
فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش ، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به ،
ثم خرج ، فركزه في الدار ، فاضطربت عليه ،
فما يدرى أيهما كان أسرع موتاً : الحية أم الفتى !
قال : فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له ،
وقلنا : ادع الله يحييه لنا فقال : ( استغفروا لصاحبكم ) ،
ثم قال : ( إنّ بالمدينة جنّاً قد أسلموا ،
فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام ،
فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه ، فإنّما هو شيطان ) (8) .
تنبيهات مهمة حول قتل حيات البيوت :
1- هذا الحكم ، وهو النهي عن قتل الحيوانات خاص بالحيات دون غيرها .
2- وليس كل الحيات ؛ بل الحيات التي نراها في البيوت دون غيرها ،
أمّا التي نشاهدها خارج البيوت فنحن مأمورون بقتلها .
3- إذا رأينا حيات البيوت فنؤذنها ؛ أي نأمرها بالخروج ،
كأن نقول : أقسم عليك بالله أن تخرجي من هذا المنزل ،
وأن تبعدي عنّا شرّك وإلا قتلناك . فإن رؤيت بعد ثلاثة أيام قتلت .
4- والسبب في قتلها بعد ثلاثة أيام أننا تأكدنا أنها ليست جنّاً مسلماً ،
لأنها لو كانت كذلك ، لغادرت المنزل ،
فإن كانت أفعى حقيقية فهي تستحق القتل ،
وإن كانت جنّاً كافراً متمرداً فهو يستحق القتل ؛ لأذاه وإخافته لأهل المنزل .
5- يستثنى من جنان البيوت نوع يقتل بدون استئذان ،
ففي صحيح البخاري عن أبي لبابة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال :
( لا تقتلوا الجِنَّان ، إلا كلّ أبتر ذي طُفْيَتَيْن
؛ فإنه يسقط الولد ، ويذهب البصر ، فاقتلوه ) (9) .
وهل كل الحيات من الجنّ أم بعضها ؟ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :
( الحيّات مسخ الجنّ صورة ،
كما مسخت القردة والخنازير من بني إسرائيل ) (10) .
خامساً :
الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من العروق :
في صحيحي البخاري ومسلم عن أنس ، قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ) (11) ،
وفي الصحيحين عن صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت :
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتكفاً ،
فأتيته أزوره ليلاً ، فحدثته ، ثمّ قمت فانقلبت ، فقام معي ليقبلني ( يردني )
وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد ، فمرّ رجلان من الأنصار ،
فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا ،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم :
( على رسلكما ، إنها صفية بنت حيي )
فقالا : سبحان الله يا رسول الله !! قال :
( إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم ،
وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءاً ) ،
أو قال : ( شيئاً ) (12) .
--------------------------------
(1) رواه البخاري في صحيحه : 8/538 . ورقمه : 4800 .
(2) رواه مسلم : 4/1750 . ورقمه : 2229 . ومعنى يقرفـون فيه أي الصدق بالكذب : يقذفون .
(3) رواه البخاري : 6/338 .ورقمه : 3288 .
(4) مجموع الفتاوى : 11/309 .
(5) صحيح البخاري : 4/486 . ورقمه : 2311 . ويرى بعض العلماء أن الحديث منقطع ؛ لأنه
لم يصرح بالسماع من شيخه عثمان بن الهيثم ، والحديث وصله النسائي وغيره . انظر : فتح الباري : 4/488 .
(6) رواه مسلم : 1/365 . ورقمه : 510 .
(7) رواه مسلم : 4/1756 . ورقمه : 2236 .
(8) رواه مسلم : 4/1756 . ورقمه : 2236 .
(9) رواه البخاري : 6/351 . ورقمه : 3311 .
(10) رواه الطبراني ، وأبو الشيخ في العظمة ، بإسناد صحيح ، راجع الأحاديث الصحيحة : 104 .
(11) صحيح البخاري : 13/159 . ورقمه : 7171 . ورواه مسلم : 4/1712 . ورقمه : 2175 .
(12) رواه البخاري : 6/336 . ورقمه : 3281 .[/grade]
|