*************************************
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد:
أيها الناس، فإنني أُنَبِّه في صوم أيام الست من شوال على أمرين هامَّين، أحدهما: أن بعض الناس يظنون اليوم الثامن من هذا الشهر يظنون أنه عيد ويسمّونه عيد الأبرار حتى إن بعضهم يسأل هل يجوز صيامه أو لا يجوز وهذا ليس بصحيح، أعني: اعتقاد كونه عيدًا ليس بصحيح، فاليوم الثامن من شوال ليس عيدًا للأبرار ولا للفجار وإنما هو يوم كسائر الأيام، ولا يجوز أن يحدث فيه شيئًا من شعائر العيد أبدًا؛ لأن الأعياد الشرعيّة ثلاثة: عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الجمعة، وليس في الإسلام عيد سواها، أما الأمر الثاني: فإن بعض الناس يظنون أنه يجزئ أن يصوم الأيام الست قبل قضاء ما على الإنسان من رمضان وهذا الظن ليس بصحيح، فصوم أيام الست قبل قضاء من رمضان لا يجزئ عنها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَن صام رمضان ثم أتبعه بستةِ أيام من شوال كان كصيام الدهر»(30).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الأيام تابعة لصوم رمضان، ومن المعلوم أن مَن عليه أيامٌ من رمضان فإنه لم يصم شهر رمضان وإنما صام بعضه سواء كانت الأيام التي عليه قليلة أم كثيرة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
إذًا: فمَن صام ستة أيام من شوال قبل القضاء فإنه لا يحصل على الثواب الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن بعض أهل العلم يقولون: إن صيامها ليس بصحيح وليس له أجر في هذا الصيام أبدًا، ولقد اشتبه على بعض الناس ما صَحّ به الحديث عن عائشة - رضي الله عنها - من فعلها أنها قالت: «كان يكون على الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان»(31) فقالوا: إن عائشة لا يمكن أن تدع صيام ستة أيام من شوال ومعه ذلك لا تقضي ما عليها من رمضان إلا في شعبان، ومن المعلوم أن هذا الفهم فهم خاطئ جدًّا؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - تقول: لا أستطيع أن أقضيها، فمَن لا يستطيع أن يقضي الصوم الواجب لا يستطيع أن يتطوّع بالنفل وهذا أمر ظاهر معلوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
ثانيًا: عائشة - رضي الله عنها - أَفْقه من أن تخالف ظاهر الحديث بل صريحة؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن صام رمضان ثم أتبعه ستة أيام من شوال»(32) فجعل هذه الستة تابعة لرمضان وعائشة - رضي الله عنها - من أَفْقه النساء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
ثالثًا: أنه يبعد جدًّا أن تترك عائشة - رضي الله عنها - ما يجب عليها من القضاء ثم تتطوّع بشيء ليس بواجب؛ فإن هذا خلاف المعقول؛ لأن المعقول أن يبدأ الإنسان بالواجب قبل النفل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
رابعًا: ما الذي أعلمهم أن عائشة - رضي الله عنها - كانت تصوم ستة أيام من شوال أو غيرها من التطوع ؟ إنهم إذا قالوا: إنها تصوم فقد قالوا ما علم لهم به وقد قال الله عزَّ وجل: " وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً" [الإسراء: 36]، وإنما نبهت على ذلك؛ لأن هذا الأمر اشتبه على بعض طلبة العلم ولكن مَن تأمّل النصوص وجد أن صيام الأيام الستة لا يكون إلا بعد انتهاء رمضان كاملاً ولكن قد يقول الإنسان: إذا كانت امرأة نفساء وقد فات عليها جميع شهر رمضان لم تصمه فصامت شوال فهل يجزئها إذا صامت الأيام الستة بعده في ذي القعدة، أي بعد انتهاء شوال ؟ وجوابنا على ذلك: أنه يجزئها؛ لأنه أخّرت صيامها لعذر ومَن أخّر الصيام الموقت بوقت لعذر فلا بأس أن يقضيه بعد ذلك؛ ولهذا لو قدر أن الإنسان مرض بعد عيد الفطر ولم يتمكن من صيام ستة أيام من شوال إلا بعد خروجه فإنه يحصل على أجرها؛ لأنه تركها لعذر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
يتبع بإذن الله.
|