17- التحصن بالله من تحول العافية.
فقد كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من تحول العافية وتبدلها بالبلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك»(56).
قال الصنعاني:"تحول العافية: انتقالها، ولا يكون إلا بحصول ضدها وهو المرض"(57)، فكأن المتعوذ سأل دوام العافية، وهي: السلامة من الآلام والأسقام(58).
فحري بالمسلم أن يحتمي بمن له القدرة التامة على حمايته من سائر الأمراض السيئة التي لا طاقة له بها، ولا قدرة له عليها، ومنها الأوبئة الفاتكة كوباء الخنازير في وقتنا.
18- التحصن بالله من سيء الأسقام.
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه:«اللهم إني أعوذ بك من البرص، و الجنون، والجذام، و من سيء الأسقام»(59).
والمعنى: التجئ إليك يا الله، وأعتصم بك، وأحتمي من هذه المكروهات، ومن سائر الأمراض والعلل السيئة أن تصيبني فامنعني منها، ونجني من شرها.
وكان صلى الله عليه وسلم يقول:«اللهم جنبني منكرات الأخلاق، والأهواء، والأدواء»(60).
أي: باعدني عن المنكرات المذكورة، ومنها الأدواء،"وهي الأسقام المنفرة"(61)، كالتي مرت في الحديث الآنف.
19- التحصن بكثرة الاستغفار.
فإن الاستغفار سبب إلى الحياة السعيدة الهانئة الخالية من المنغصات والمكدرات، ولك أن تتأمل ما يأتي من الآيات، وأن تعود إلى تفسيرها لترى ما ينشرح به صدرك.
قال تعالى: "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً" [نوح: ١٠ – ١٢]، وقوله عز وجل: "وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ" [هود: ٣]، وقال سبحانه: "وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ" [هود: ٥٢].
فدلالة هذه الآيات على الوقاية من الأمراض والمكروهات وسائر الآفات استنباطية، إذ إن ظفرك بمطر السماء، وإمدادك بالأموال والبنين، وامتلاكك البساتين الجارية بالأنهار، وزيادة قوتك قوة، وإمتاعك متاعا حسنا يستلزم بقاءك وحمايتك من المهلكات؛ لتصدق فيك معاني الآيات إذ صدقت في الاستغفار.
فليكن لنا نصيب من الاستغفار، وليكن لنا من سيده أوفر النصيب، ولنتذكر أن الاستغفار المثمر هو ما تواطأ عليه القلب واللسان، مع الإقلاع عن الذنوب والآثام، والندم على فعلها، والعزم على هجرها وعدم العودة إليها، ومتى ما نقضنا العهد أو كبونا فلنعد إليه مرة أخرى بشروطه.
20- التحصن بالتصالح مع الله تعالى والرجوع إليه.
فإن الذنوب هي الأصل فيما يصيب الناس من المكاره، ولنتأمل قول الحق تعالى: "وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ" [الشورى: ٣٠ ]، فالله تعالى يخبر"أنه ما أصاب العباد من مصيبة في أبدانهم وأموالهم وأولادهم، وفيما يحبون ويكون عزيزا عليهم، إلا بسبب ما قدمته أيديهم من السيئات، وأن ما يعفو اللّه عنه أكثر، فإن اللّه لا يظلم العباد، ولكن أنفسهم يظلمون."وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً"[ فاطر: ٤٥]"(62).
وقال تعالى: "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" [الروم:٤١]، يقول ابن سعدي في تفسيرها:"استعلن الفساد في البر والبحر أي: فساد معايشهم ونقصها وحلول الآفات بها، وفي أنفسهم من الأمراض والوباء وغير ذلك، بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة المفسدة بطبعها"(63).
وفي الحديث: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا»(64).
والطريق إلى العودة ودفع المكاره عموما أو رفعها يكون بالإيمان الصحيح، والتقوى والأعمال الصالحة، كما قال الله:" uوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ "[الأعراف: ٩٦].
21- التحصن بالصدقة.
وهي من الإحسان المتعدي إلى الغير، وبها تدفع الأمراض والمكاره وترفع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «داووا مرضاكم بالصدقة»(65)، فإذا كانت الصدقة ترفع المرض بعد وقوعه، فمن باب أولى أن تدفعه قبل وقوعه، فإذا ما بذل الإنسان صدقة من طعام أو كساء أو نقود وما أشبه ذلك للمحتاجين بنية دفع البلاء أو رفعه، فيرجى له الظفر بما نوى.
قال المناوي: "أمر بمداواة المرضى بالصدقة، ونبه بها على بقية أخواتها من القرب، كإغاثة ملهوف، وإغاثة مكروب، وقد جرَّب ذلك الموفقون، فوجدوا الأدوية الروحانية تفعل ما لا تفعله الأدوية الحسيَّة، ولا ينكر ذلك إلا من كثف حجابه"(66).
وقال صلى الله عليه وسلم: «... وآمركم بالصدقة، ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فأوثقوا يده إلى عنقه، وقربوه ليضربوا عنقه، فجعل يقول: هل لكم أن أفدي نفسي منكم، وجعل يعطي القليل والكثير حتى فدى نفسه»(67).
ففي الصدقة نجاة من الكروب والمكاره، قال ابن القيم: "إن للصدقة تأثيرا عجيبا في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو من ظالم، بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به؛ لأنهم جرَّبوه"(68).
والشواهد من الواقع المحسوس على تأثير الصدقة في رفع البلاء كثيرة جدا، أذكر واحدة وأتجاوز البقية للاختصار، ذكر ابن حجر الهيتمي في كتابه الزواجر: "أنه تقرّح وجه أبي عبد الله الحاكم قريباً من سنة، فسأل أهل الخير الدعاء له فأكثروا من ذلك، ثم تصدق على المسلمين بوضع سقاية بنيت على باب داره وصب فيها الماء، فشرب منها الناس فما مر عليه أسبوع إلا وظهر الشفاء وزالت تلك القروح، وعاد وجهه أحسن ما كان"(69).
22- التحصن بصنائع المعروف.
لقوله صلى الله عليه وسلم: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والآفات، والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة»(70).
ودلالة الحديث ظاهرة في كون فعل الخير وإسداء الجميل إلى الناس ـ سواء أكانوا أبرارا أم فجارا ـ يحفظ صاحبه من مصارع السوء ويردها عنه، فإن الجزاء من جنس العمل.
قال العامري:"المعروف هنا يعود إلى مكارم الأخلاق مع الخلق، كالبر، والمواساة بالمال، والتعهد في مهمات الأحوال كسد خلة، وإغاثة ملهوف، وتفريج مكروب، وإنقاذ محترم من محذور، فيجازيه الله من جنس فعله، بأن يقيه مثلها، أو يقيه مصارع السوء عند الموت"(71).
وقد فسرت الآفات بأنها العاهات، وهي البلايا التي تصيب الزروع والمواشي والناس، ومنها الموت، والمرض، والمصائب، والحزن، والغم، والتعب، والكدر، والحمى، والصرع وغيرها(72)، وفسرت الهلكات، بأنها السنون الجدبة، لأنها مهلكة(73).
والحكايات في الباب كثيرة أكتفي بواحدة ذكرها الشيخ عطية محمد سالم، قال:"سمعت منذ أسبوع مضى: أن امرأة وقعت في دبل العين ـ والذي أخبرني حي يرزق ـ فانخسف بها الدبل، وسقطت في الأرض ولم تستطع أن تخرج، ومكثت خمسة عشر يوماً لا يعلم بها أحد، وقد كان لها غنم تعطي عجائز بجوارها من لبنها في طاسة من النحاس، فمر شخص يمشي على ظهر الدبل فسمع صوتاً، فنادى فأجابته فأخرجوها، فسألوها كيف كنت تعيشين؟ قالت: طاسة الحليب التي كنت أعطيها العجائز اللاتي بجواري، كانت تأتيني كل يوم!!"(74).
فمتى سنحت لك الفرصة مع الإمكان لصنع معروف فبادر إليه ولا تتأخر، فيوشك أن تجد جميل صنعك أحوج ما تكون إليه.
23- التحصن بالاستيداع.
لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا استودع شيئا حفظه»(75).
فيستودع الإنسان ربه نفسه وأهله وولده وكل شأنه؛ "لأن العبد عاجز ضعيف، والأسباب التي أعطيها عاجزة ضعيفة مثله، فإذا تبرأ العبد من الأسباب وتخلى من وبالها، وتحلى بالاعتراف بالضعف، واستودع الله شيئا فهذا منه في ذلك الوقت تخلى وتبرى من حفظه ومراقبته، فيكلأه الله ويرعاه ويحفظه والله خير حفظا"(76).
وعليه فما أجمل أن تقول المرأة لزوجها وأولادها عند الخروج من المنزل: أستودعكم الله، وما أجمل أن يقول الوالد لأولاده عند إنزالهم مكان تعليمهم أستودعكم الله، وبالجملة ما أجمل أن تتبادل الأسرة هذه الكلمة المباركة فيما بينها؛ ليحرسهم الله ويحفظهم مما يكرهون.
24- التحصن بركعتين تقي من مخرج السوء ومثلها من مدخله.
لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين تمنعانك مخرج السوء، وإذا دخلت إلى منزلك فصل ركعتين تمنعانك مدخل السوء»(77).
والمعنى إذا أردت الخروج من بيتك فصل ركعتين بهذه النية، تكون لك حرزا من الشر، وإذا دخلت كذلك.
25- التحصن بماء زمزم.
وهو أشرف المياه وأطيبها وأعجبها، وقد قال صلى الله عليه وسلم عن زمزم: «إنها مباركة، وهي طعام طعم وشفاء سقم»(78)، وإنما تظهر بركتها على من صحَّ صدقه، وحسنت فيها نيته(79).
وماء زمزم لما شرب له من النيات والمقاصد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لما شرب له»(80).
قال الشوكاني:"فيه دليل على أن ماء زمزم ينفع الشارب لأي أمر ضربه لأجله، سواء كان من أمور الدنيا أو الآخرة؛ لأن (ما) في قوله: (لما شرب له) من صيغ العموم"(81).
وقال مجاهد:"إن شربته تريد الشفاء شفاك الله، وإن شربته تريد أن تقطع ظمأك قطعه الله، وإن شربته تريد أن يشبعك أشبعك الله، وهي هزمة جبريل، وسقيا الله إسماعيل ... من شرب منها حتى يتضلع أحدثت له شفاء، وأخرجت منه داء"(82).
وقد شربه جماعة من العلماء والصالحين لمقاصد جليلة وحوائج جزيلة فنالوها(83).
قال ابن القيم:"وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة، واستشفيت به من عدة أمراض فبرأت بإذن الله، وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد قريباً من نصف الشهر أو أكثر ولا يجد جوعاً، ويطوف مع الناس كأحدهم، وأخبرني أنه ربما بقي عليه أربعين يوماً، وكان له قوة يجامع بها أهله ويصوم ويطوف مراراً"(84).
وتجارب العلماء وأخبارهم مع هذا الماء المبارك كثيرة جدا، ولولا الإطالة لذكرت طرفا منها، فلنشربه بنية الوقاية والشفاء من الأمراض، وبنية السلامة والعافية من المكاره، ودون تردد مع اليقين بحصول المطلوب.
يتبع