قال عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:جاء أبو تراب، النَّخْشَبِي إلى أبي، فجعل أبي يقول: فلان ضعيف، فلان ثقة، فقال أبو تراب: يا شيخ لا تغتاب العلماء، فالتفت أبي إليه، فقال له: ويحك هذا نصيحة ليس هذا غيبة.
قال محمَّد بن بندار السباك الجرجاني يقول: قلت لأحمد بن حنبل: إنَّه ليشتد علي أن أقول: فلان ضعيف، فلان كذَّاب. فقال أحمد: إذا سكت أنت، وسكت أنَّا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟! (الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي [92])
عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: لم يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ. فَلَمّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، قَالُوا:سَمّوا لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السّنّةِ فَيُؤْخَذ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ
و قَالَ أيضا رحمه الله: إِنّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ. فَانْظُرُوا عَمّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ (ذكره مسلم في مقدمة صحيحه)
قال شيخ الإسلام في "نقض المنطق " : "الراد على أهل البدع مجاهد، حتى كان يحيى بن يحيى يقول: الذب عن السنة أفضل من الجهاد" اهـ
قال شيخ الإسلام :( وإذا كان النصح واجباً في المصالح الدينية الخاصة والعامة: مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون، كما قال يحيي بن سعيد: سألت مالكا والثوري والليث بن سعد ـ أظنه ـ والأوزاعي عن الرجل يتهم في الحديث أو لا يحفظ، فقالوا: بين أمره. وقال بعضهم لأحمد بن حنبل: إنه يثقل على أن أقول فلان كذا، وفلان كذا. فقال: إذا سكت أنت وسكت أنا، فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم ؟!
ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلى ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل.
فبين أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل اللّه؛ إذ تطهير سبيل اللّه ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين. ولولا من يقيمه اللّه لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا، لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداء.).اهـ (مجموع الفتاوى[28/231-232])
وقد ذكر الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر شطرا من كلام شيخ الإسلام السابق ثم قال : ((( ورغم وضوح هذا المنهج وظهوره وكثرة عوائده وفوائده إلا أنه قد ظهرت في زماننا هذا من بعض الأفراد والجماعات مواقف مخذولة وآراء مرذولة تدعو بلا حياء إلى السكوت عن أهل البدع والأهواء وعدم التحذير منهم ، وزعموا أن هذا هو النهج الأقوم والطريق الأحكم ، وقالوا : في هذا رأب للصدع ولم للشمل وتوحيد للصف وجمع للكلمة . وما من ريب أن هذا منهج باطل ، أضراره كثيره وأضراره جسيمة على الإسلام والسنة ، وفيه أعظم تمكين لأهل البدع والأهواء في نشر ضلالهم وباطلهم ، وهو منهج منحرف عن الكتاب والسنة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقد ذكر جماعة من أهل البدع يعتقدون اعتقادا هو ضلال يرونه هو الحق ، ويرون كفر من خالفهم في ذلك، قال:( وبإزاء هؤلاء المكفرين بالباطل أقوام لا يعرفون اعتقاد أهل السنة والجماعة، كما يجب، أو يعرفون بعضه ويجهلون بعضه، وما عرفوه منه قد لا يبينونه للناس بل يكتمونه، ولا ينهون عن البدع المخالفة للكتاب والسنة، ولا يذمون أهل البدع ويعاقبونهم، بل لعلهم يذمون الكلام في السنة وأصول الدين ذمًا مطلقًا، لا يفرقون فيه بين ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، وما يقوله أهل البدعة والفرقة، أو يقرون الجميع على مذاهبهم المختلفة، كما يقر العلماء في مواضع الاجتهاد التي يسوغ فيها النزاع، وهذه الطريقة قد تغلب على كثير من المرجئة، وبعض المتفقهة، والمتصوفة، والمتفلسفة، كما تغلب الأولى على كثير من أهل الأهواء والكلام، وكلا هاتين الطريقتين منحرفة خارجة عن الكتاب والسنة. وإنما الواجب بيان ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، وتبليغ ما جاءت به الرسل عن الله، والوفاء بميثاق الله الذي أخذه على العلماء، فيجب أن يعلم ما جاءت به الرسل، ويؤمن به، ويبلغه، ويدعو إليه، ويجاهد عليه، ويزن جميع ما خاض الناس فيه من أقوال وأعمال في الأصول والفروع الباطنة والظاهرة بكتاب الله وسنة رسوله، غير متبعين لهوى، من عادة، أو مذهب، أو طريقة، أو رئاسة، أو سلف، ولا متبعين لظن؛ من حديث ضعيف، أو قياس فاسد ـ سواء كان قياس شمول أو قياس تمثيل ـ أو تقليد لمن لا يجب اتباع قوله وعمله، فإن الله ذم في كتابه الذين يتبعون الظن وما تهوي الأنفس، ويتركون اتباع ما جاءهم من ربهم من الهدى.)أهـ (مجموع الفتاوى [12/467،468] وما أشبه الليلة بالبارحة ،ما أشبه أولئك الذين يتحدث شيخ الإسلام آنفا عن طريقتهم بهؤلاء المعاصرين الداعين للسكوت عن أهل البدع والأهواء والمقربين بين الطوائف على اختلاف مذاهبهم وتباين طرائقهم مع أهل السنة والجماعة .
شتان بين الحالتين فإن ترد جمعا فما الضدان يجتمعان
شتان بين العسكرين فمن يكن متحيرا فلينظر الفئتان ))).اهـ
قال النووي في رياض الصالحين (ص 375) :
(( [256-باب بيان ما يباح من الغيبة]:
اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وهو ستة أسباب
الأول : التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي و غيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان بكذا.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا فازجره عنه، ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حراماً.
الثالث: الاستفتاء، فيقول للمفتي: ظلمني أبي أو أخي أو زوجي أو فلان بكذا فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه وتحصيل حقي ودفع الظلم؟ ونحو ذلك فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط والأفضل أن يقول: ما تقول في رجل أو شخص أو زوج كان من أمره كذا؟ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز كما سنذكره في حديث هند (انظر الحديث رقم 1532) إن شاء اللَّه تعالى.
الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه؛ منها جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين بل واجب للحاجة. ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو إيداعه أو معاملته أو غير ذلك أو مجاورته، ويجب على المشاوَر أن لا يخفي حاله بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة. ومنها إذا رأى متفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يُغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد ويلبِّس الشيطان عليه ذلك ويخيل إليه أنه نصيحة فليُتَفطن لذلك. ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحاً لها، وإما بأن يكون فاسقاً أو مغفلاً ونحو ذلك، فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله ويولي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله ولا يغتر به، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة أو يستبدل به.
الخامس: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس وأخذ المكس وجباية الأموال ظلماً وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه.
السادس: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفاً بلقب كالأعمش والأعرج والأصم والأعمى والأحول وغيرهم جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة التنقص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى.
|