عرض مشاركة واحدة
قديم 15-Nov-2010, 05:02 PM   رقم المشاركة : ( 6 )
عضو ماسي

الصورة الرمزية أمة الرحيم

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 29366
تـاريخ التسجيـل : Mar 2010
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  ليبيا
الـــــدولـــــــــــة : Tripoli
المشاركـــــــات : 1,794 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : أمة الرحيم is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

أمة الرحيم غير متواجد حالياً

الفصل السادس : فيما تتعين به الأضحية وأحكامه


الفصل السادس



فيما تتعين به الأضحية وأحكامه

تتعين الأضحية أضحية بواحد من أمرين :

أحدهما : اللفظ بتعيينها أضحية بأن يقول : هذه أضحية قاصدا بذلك إنشاء تعيينها.

فأما إن قصد الإخبار عما سيصرفها إليه في المستقبل ؛ فإنها لا تتعين بذلك ؛ لأن هذا إخبار عما في نيته أن يفعل ، وليس للتعيين .

الثاني : ذبحها بنية الأضحية ، فمتى ذبحها بنية الأضحية ؛ ثبت لها حكم الأضحية ، وإن لم يتلفظ بذلك قبل الذبح ، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وهو مذهب الشافعي ، أعني أن الأضحية تتعين بأحد هذين الأمرين ، وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية أمراً ثالثاً وهو : الشراء بنية الأضحية ، فإذا اشتراها بنية الأضحية تعينت ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة .

والأول أرجح كما لو اشترى عبداً يريد عتقه فإنه لا يعتق ، وكما لو اشترى بيتا ليجعله وقفا ؛ فإنه لا يصير وقفا بمجرد النية ، وكما لو أخرج من جيبه دراهم ليتصدق بها ؛ فإنها لا تتعين الصدقة بها بل هو بالخيار إن شاء أنفذها وإن شاء منعها . ويستثني من ذلك ما إذا اشترى أضحية بدلاً عن معينة فإنها تتعين بمجرد الشراء مع النية .

وإذا تعينت أضحية تعلق بذلك أحكام :

أحدها : أنه لا يجوز نقل الملك فيها ببيع ولا هبة ولا غيرهما إلا أن يبدلها بخير منها ، أو يبيعها ليشتري خيراً منها فيضحي به .

وإن مات من عينها لم يملك الورثة إبطال تعيينها ، ولزمهم ذبحها أضحية ، ويفرقون منها ويأكلون .

الثاني : أنه لا يجوز أن يتصرف فيها تصرفا مطلقا ، فلا يستعملها في حرث ونحوه ، ولا يركبها بدون حاجة ولا مع ضرر ، ولا يحلب من لبنها ما فيه نقص عليها أو يحتاجه ولدها المتعين معها . ولا يجز شيئا من صوفها ونحوه إلا أن يكون أنفع لها ، وإذا جزه فليتصدق به أو ينتفع ، والصدقة أفضل .

الثالث : أنها إذا تعيبت عيباً يمنع الإجزاء فله حالان :

الحال الأولى : أن يكون ذلك بدون فعل منه ولا تفريط ؛ فيذبحها وتجزئه إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين ؛ لأنها أمانة عنده ، فإذا تعيبت بدون فعل منه ولا تفريط فلا حرج عليه .

مثال ذلك : أن يشتري شاةً فيعينها أضحية ، ثم تعثر وتنكسر بدون سبب منه فيذبحها وتجزئه أضحية .

فإن كانت واجبة في ذمته قبل التعيين كما لو نذر أن يضحي ثم عين عن نذره شاة فتعيبت بدون فعل من ولا تفريط وجب عليه إبدالها بسليمة تجزئ عما في ذمته ؛ لأن ذمته مشغولة بأضحية سليمة قبل أن يعينها ، فلا يخرج من عهدة الواجب إلا بأضحية سليمة .

الحال الثانية : أن يكون تعيبها بفعله أو تفريط ؛ فيلزمه إبدالها بمثلها على كل حال ، سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أم لا ، وسواء كانت بقدر ما يجزئ في الأضحية أو أعلى منه .

مثال ذلك : أن يشتري شاة سمينة فيعينها أضحية ثم يربطها برباط ضيق كان سببا في كسرها فتنكسر ؛ فيلزمه إبدالها بشاة سمينة يضحي بها .

وإذا ضحى بالبدل فهل يلزمه ذبح المتعيب أيضا ، أو يعود ملكا له ؟ على روايتين عن أحمد :

إحداهما : يلزمه ذبح المتعيب ، وهو المذهب المشهور عند الأصحاب لتعلق حق الفقراء فيه يتعيينه .

الثانية : لا يلزمه ذبحه لبراءة ذمته بذبح بدله ، فلم يضع حق الفقراء فيه ، وهذا هو القول الراجح ، اختاره الموفق والشارح وغيرهما ، وعلى هذا فيعود المتعيب ملكا له يصنع فيه ما شاء من أكل وبيع وهدية وصدقة وغير ذلك .

الرابع : أنها ضلت ( ضاعت ) أو سرقت فثم حالان :

الحال الأولى : أن يكون ذلك بدون تفريط منه فلا ضمان عليه إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين ؛ لأنها أمانة عنده ، والأمين لا ضمان عليه إذا لم يفرط ، لكن متى وجدها أو استنقذها من السارق ؛ لزمه ذبحها ولو فات وقت الذبح ، وإن كانت واجبة في ذمته قبل التعيين وجب عليه ذبح بدلها على أقل ما تبرأ به الذمة كما سبق ، فإن وجدها أو استنقذها من السارق بعد ذبح بدلها لم يلزمه ذبحها لبراءة ذمته ، وسقوط حق الفقراء بذبح البدل ، لكن إن كان البدل الذي ذبحه أنقص لزمه الصدقة بأرش النقص ؛ لتعلق حق الفقراء به ، والله أعلم .

الحال الثانية : أن يكون ذلك بتفريط منه فيلزمه إبدالها بمثلها على كل حال ، أي سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أو لا ، وسواء كانت بقدر ما يجزئ في الأضحية أم أعلى منه .

مثال ذلك : اشترى شاة فعينها أضحية ، ثم وضعها في مكان غير محرز فسرقت أو خرجت فضاعت ؛ فيلزمه إبدالها بأضحية مثلها على صفتها ، وإن شاء أعلى منها .

وإذا ضحى بالبدل ثم وجدها أو استنقذها من السارق ؛ عادت ملكا له يصنع بها ما شاء من بيع وهبة وصدقة وغير ذلك ؛ لأنه برئت ذمته بذبح بدلها ، وسقط به حق الفقراء .

الخامس : أنها إذا تلفت فلها ثلاث حالات :

الحال الأولى : ان يكون تلفها بأمر لا صنع للآدمي فيه ؛ كمرض أو آفة سماوية أو سبب تفعله هي ، فلا يلزمه بدلها إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين ؛ لأنها أمانة عنده ، والأمين لا ضمان عليه في مثل ذلك ، فإن كانت واجبة في ذمته قبل التعيين ؛ لزمه ذبح بدلها على أقل ما تبرأ به ذمته ، وإن شاء أعلى منه .

الحال الثانية : أن يكون تلفها بفعل مالكها ، فيلزمه ذبح بدلها على صفتها بكل حال ، أي سواء كانت واجبة في ذمته قبل التعيين أم لا ، وسواء كانت بقدر ما يجزئ في الأضحية أم أعلى منه ؛ لقول النبى صلى الله عليه وسلم : (( من ذبح قبل أن يصلى فليعد مكانها أخرى ))(70) وكما لو تعيبت بفعله فيلزمه بدلها على صفتها كما سبق .

الحال الثالثة : أن يكون تلفها بفعل آدمي غير مالكها ، فإن كان لا يمكن تضمينه كقطاع الطريق ؛ فحكمه حكم تلفها بأمر لا صنع للآدمي فيه على ما سبق في الحال الأولى . وإن كان يمكن تضمينه كشخص معين ذبحها فأكلها ، فإنه يلزمه ضمانها بمثلها يدفعه إلى مالكها ليضحي به ، وقيل : يلزمه ضمانها بالقيمة ، والأول أصح ، فإن الحيوان يضمن بمثله على القول الراجح ؛ لما روى البخاري عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه بعيرا ـ وفي رواية فأغلظ له ـ فهم به أصحابه فقال : (( دعوه ، فإن لصاحب الحق مقالاً ، واشتروا له بعيرا فأعطوه إياه ، وقالوا : لا نجد إلا أفضل من سنه ، قال : اشتروا له وأعطوه إياه ، فإن خيركم أحسنكم قضاء )) (71).

ولمسلم نحوه(72) ولو كان البدل الواجب في الحيوان قيمته لم يعدل النبي صلى الله عليه وسلم عنها ، ولم يكلفهم الشراء له .

السادس : أنها إذا ذبحت قبل وقت الذبح ولو بنية الأضحية ؛ فحكمه حكم إتلافها على ما سبق ، وإن ذبحت في وقت الذبح فإن كان الذابح صاحبها أو وكيله ؛ فقد وقعت موقعها . وإن كان الذبح غير صاحبها ولا وكيله ؛ فله ثلاث حالات :

الحال الأولى : أن ينويها عن صاحبها ، فإن رضي صاحبها بذلك أجزأت بلا ريب ، وإن لم يرض أجزأت أيضا على المشهور من مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة ، ونقل في المغني عن مالك أنها لا تجزئ ، وعلى هذا فينبغي أن يلزم الذابح ضمانها بمثلها يدفعه إلى مالكها ليضحي به كالإتلاف ، ويكون اللحم للذابح إلا أن يرضى صاحبها بأخذه مع الأرش وهو فرق ما بين قيمتها حية ومذبوحة ، فيملكه ويذبح بدلها .

الحال الثانية : أن ينويها عن نفسه لا عن صاحبها ، فإن كان يعلم أنها أضحية غيره لم تجز عنه ولا عن صاحبها ؛ لأنه غاضب معتد فلا يكون فعله قربة ، ويلزمه ضمانها بمثلها يدفعه إلى صاحبها ليضحي به وقيل : تجزئ عن صاحبها إلغاء لنية الذابح دون فعله ، وعلى هذا فلا يضمن إلا ما فرق من اللحم ، وإن كان لا يعلم أنها أضحية غيره ؛ أجزأت عن صاحبها بكل حال ، وقيل : إن فرق لحمها لم تجز عن واحد منهما ، والأول أظهر ؛ لأن تفرقه اللحم لا أثر لها في الإجزاء وعدمه ؛ بدليل ما لو ذبحها ثم سرقت قبل تفريقها فإنها تجزئ . نعم تفريق اللحم له أثر في الضمان وعدمه ، فإنه إذا فرق اللحم ؛ لزمه ضمانه لصاحبها ما لم يرض بتفريقه إياه .

الحال الثالثة : أن يذبحها مع الإطلاق ؛ فلا ينويها عن صاحبها ولا عن نفسه ، فتجزئ عن صاحبها أيضا ؛ لأنها معينة من قبله ، وقيل : لا تجزئ عن واحد منهما .

( تنبيه ) : في حال إجزاء المذبوح عن صاحبه فيما سبق ، إن كان اللحم باقيا أخذه صاحبه وفرقه أضحية ، وإن كان الذابح قد فرقه تفريق أضحية ورضي به صاحبها ، فقد وقع الموقع ، وإن لم يرض ضمنه لصاحبه ليفرقه بنفسه .

( تنبيه ثان ) محل ما ذكر من التفصيل إن قلنا بحل ما ذكاه الغير بغير إذن مالكه ، وإلا فلا تجزئ بكل حال وعليه الضمان .

( تتمه ) : قال الأصحاب : وإن ضحى اثنان كل منهما بأضحية الآخر عن نفسه غلظاً كفتهما ولا ضمان ، فإن فرقاً اللحم ؛ فقد وقع موقعه وإلا تراداه ليفرق كل واحد منهما لحم أضحيته .

( فائدتان ) :

( الأولى ) : إذا تلفت بعد الذبح أو سرقت أو أخذها من لا تمكن مطالبته ، ولم يفرط صاحبها فلا ضمان عليه ، وإن فرط ضمن ما تجب به الصدقة منها قط .

( الثانية ) : إذا ولدت بعد التعيين فحكم ولدها حكمها في جميع ما تقدم سواء حملت به بعد التعيين أم قبله ، وأما ما ولدته قبل التعيين فهو مستقل في حكم نفسه فلا يتبع أمه.



-------------------

(70) سبق تخريجه

(71) رواه البخاري، كتاب الاستقراض، باب استقراض الإبل، رقم (2390)

(72) رواه مسلم، كتاب المساقاة، باب من استسلف شيئاً فقضى خيراً منه، رقم (1601)



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفصل السابع : فيما يؤكل منها وما يفرق






الفصل السابع



فيما يؤكل منها وما يفرق


قال الله تعالى : ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (الحج:28) ، وقال تعالى : ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ )(الحج: 34) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (( كلوا وادخروا وتصدقوا )) . رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها(74) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( كلوا وأطعموا وادخروا )) . رواه البخاري من حديث سلمة بن الأكوع(75) ، وهو أعم من الأول ؛ لأن الإطعام يشمل الصدقة على الفقراء والهدية للأغنياء ، وقال أبو بردة للنبي صلى الله عليه وسلم : إني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني وأهل داري ـ أي أهل محلتي (76).

وليس في هذه الآية والأحاديث نص في مقدار ما يؤكل ويتصدق به ويهدى ، ولذلك اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في مقدار ذلك ، فقال الإمام أحمد : نحن نذهب إلى حديث عبد الله : يأكل هو الثلث ، ويطعم من أراد الثلث ، ويتصدق بالثلث على المساكين ، وقال الشافعي : أحب أن لا يتجاوز بالأكل والادخار الثلث ، وأن يهدي الثلث ، ويتصدق بالثلث ، ويعني الإمام أحمد بحديث عبد الله ما ذكره علقمة قال بعث معي عبد الله ـ يعني ابن مسعود ـ بهدية فأمرني أن آكل ثلثا ، وأن أرسل إلى أهل أخيه عتبة بثلث ، وأن أتصدق بثلث (77) ، وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال : الضحايا والهدايا : ثلث لك ، وثلث لأهلك ، وثلث للمساكين . ومراده بالأهل : الأقارب الذين لا تعولهم ، نقل هذين الأثرين في (( المغني )) ثم قال : ولنا ما روي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في صفة أضحية النبي صلى الله عليه وسلم قال : ويطعم أهل بيته الثلث ، ويطعم فقراء جيرانه الثلث ، ويتصدق على السؤال بالثلث . رواه الحافظ أبو موسى الأصفهاني في الوظائف وقال : حديث حسن ؛ ولأنه قول ابن مسعود وابن عمر ، ولم نعرف لهما مخالفا في الصحابة فكان إجماع . اهـ .

والقول القديم للشافعي يأكل النصف ، ويتصدق بالنصف ؛ لقوله تعالى : (ِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)(الحج: من الآية28) فجعلها بين اثنين فدل على أنها بينهما نصفين قال في (( المغني)) : والأمر في ذلك واسع، فلو تصدق بها كلها أو بأكثرها جاز ، وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز . وقال أصحاب الشافعي :يجوز أكلها كلها . أه .

وما ذكرناه من الأكل والإهداء ؛ فعلى سبيل الاستحباب لا الوجوب ، وذهب بعض العلماء إلى وجوب الأكل منها ، ومنع الصدقة بجميعها لظاهر الآية والأحاديث ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في حجة الوداع من كل بدنة ببضعة ، فجعلت في قدر فطبخت ، فأكل من لحمها وشرب من مرقها . رواه مسلم من حديث جابر(78) .

ويجوز ادخار ما يجوز أكله منها ؛ لأن النهي عن الادخار منها فوق ثلاث منسوخ على قول الجمهور ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : بل حكمه باق عند وجود سببه وهو المجاعة ؛ لحديث سلمة بن الأكوع ـ رضي الله عنه ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وفي بيته منه شيء )) ، فلما كان العام المقبل قالوا يا رسول الله ، نفعل كما فعلنا في العام الماضي ، فقال صلى الله عليه وسلم : (( كلوا وأطعموا وادخروا ، فإن ذلك العام كان الناس في جهد فأردت أن تعينوا فيها )) . متفق عليه(79) . فإذا كان في الناس مجاعة زمن الأضحى ؛ حرم الادخار فوق ثلاث وإلا فلا بأس به .

ولا فرق فيما سبق من الأكل والصدقة والإهداء من لحوم الأضاحي بين الأضحية الواجبة والتطوع ، ولا بين الأضحية عن الميت أو الحي ، ولا بين الأضحية التي ذبحها من عنده أو التي ذبحها لغيره بوصية ،فإن الموصى إليه يقوم مقام الموصي في الأكل والإهداء والصدقة ، فأما الوكيل عن الحي فإن أذن له الموكل في ذلك أو دلت القرينة أو العرف عليه فعله ، وإلا سلمها للموكل كاملة وهو الذي يقوم بتوزيعها .

ويحرم أن يبيع شيئا منها من لحم أو شحم أو دهن أو جلد أو غيره ؛ لأنها مال أخرجه لله فلا يجوز الرجوع فيه كالصدقة ، ولا يعطي الجازر شيئا منها في مقابلة أجرته أو بعضها ؛ لأن ذلك بمعنى البيع .

فأما من أهدي له شيء منها أو تصدق به عليه فله أن يتصرف فيه بما شاء من بيع وغيره ؛ لأنه ملكه ملكا تاما فجاز له التصرف فيه ، وفي (( الصحيحين )) عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيته فدعا بطعام فأتي بخبز وأدم من أدم البيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( ألم أر البرمة فيها لحم ؟ )) قالوا : بلى ، ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة وأنت لا تأكل الصدقة ، قال (( عليها صدقة ولنا هدية )) وفي لفظ البخاري : (( ولكنه لحم تصدق به على بريرة فأهدته لنا )) ولمسلم : (( هو عليها صدقة ، وهو منها لنا هدية )) (80).

لكن لا يشتريه من أهداه أو تصدق به ؛ لأنه نوع من الرجوع في الهبة والصدقة ، وفي (( الصحيحين )) عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال : حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه منه وظننت أنه بائعه برخص ، فسألت عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال (( لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم ، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه ))(81)

فإن عاد إلى من أهداه أو تصدق به بإرث مثل أن يهدي إلى قريب له أو يتصدق عليه ثم يموت فيرثه من أهداه أو تصدق به ، فإنه يعود إليه ملكا تاما يتصرف فيه كما شاء على وجه مباح ؛ لما رواه مسلم عن بريدة ـ رضي الله عنه ـ أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، (1620) إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( وجب أجرك وردها عليك الميراث )) (82).



--------------------


(74) رواه مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي، رقم (1971)

(75) رواه البخاري، كتاب الأضاحي ، باب ما يؤكل من لحوم الاضاحي وما يتزود منها، رقم (5569)

(76) رواه مسلم، كتاب الأضاحي، باب وقتها، رقم (1961)

(77) تفسير ابن أبي حاتم (8/2489)

(78) رواه مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم رقم 01218)

(79) سبق تخريجه

(80) رواه البخاري، كتاب النكاح، باب الحرة تحت العبد، رقم (5097) ومسلم، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، رقم (1504)

(81) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب هل يشتري صدقته؟ رقم (1490)، ومسلم كتاب الهبات، باب كراهة شراء الإنسان ما تصدق به، رقم (1620).

(82) رواه مسلم، كتاب الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت، رقم (1149)
  رد مع اقتباس
 
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42