قال الله تعالى:{ليس كمثله شيء} أي أن الله تعالى لا يشبه شيئاً من خلقه بوجه من الوجوه, ففي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة, فلا يحتاج إلى مكان يحل فيه ولا إلى جهة يتحيز فيها, بل الأمر كما قال سيدنا علي رضي الله عنه:{ كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان}. رواه الإمام أبو منصور البغدادي. وفي هذه الآية دليل لأهل السنة والجماعة على مخالفة الله للحوادث ومعنى مخالفة الله للحوادث أنه لا يشبه المخلوقات, وهذه الصفة من الصفات السلبية الخمسة أي التي تدل على نفي ما لا يليق بالله. والدليل العقلي على ذلك أنه لو كان يُشبه شيئا من خلقه لجاز عليه ما يجوز على الخلق من التغير والتطور, ولو جاز عليه ذلك لاحتاج إلى من يُغيره والمحتاج إلى غيره لا يكون إلـها, فثبت له أنه لا يُشبه شيئا. والبرهان النقلي لوجوب مخالفته تعالى للحوادث قوله تعالى:{ليس كمثله شيء} وهو أوضح دليل نقلي في ذلك جاء في القرءان, لأن هذه الآية تُفْهِم التنزيه الكلي لأن الله تبارك وتعالى ذكر فيها لفظ شيء في سياق النفي, والنكرة إذا أوردت في سياق النفي فهي للشمول, فالله تبارك وتعالى نفى بهذه الجملة عن نفسه مشابهة الأجرام والأجسام والأعراض, فهو تبارك وتعالى كما لا يُشبه ذوي الأرواح من إنسٍ وجن وملائكة وغيرهم لا يُشبه الجمادات من الأجرام العلوية والسفلية أيضا, فالله تبارك وتعالى لم يُقيِّد نفى الشبه عنه من أنواع الحوادث بل شمل نفي مشابهته لكل أفراد الحادثات, ويشمل نفي مشابهة الله لخلقه تنزيهه تعالى عن المكان والجهة والكمية والكيفية, فالكمية هي مقدار الجرم فهو تبارك وتعالى ليس كالجرم الذي يدخله المقدار والمساحة والحد فهو تبارك وتعالى ليس بمحدود ذي مقدار ومسافة فلو كان الله فوق العرش بذاته كما يقول المشبهة لكان محاذيا للعرش ومن ضرورة المُحاذِي أن يكون أكبر من المُحاذَى أو أصغر منه أو مثله, وأن هذا ومثله إنما يكون في الأجسام التي تقبل المقدار والمساحة والحد, وهذا محال على الله تعالى وما أدى إلى المحال فهو محال, وبطل قولهم إن الله متحيز فوق العرش بذاته. ومن قال في الله تعالى إن له حد فقد شبهه بخلقه لأن ذلك يُنافي الألوهية والله تبارك وتعالى لو كان ذا حد ومقدار لاحتاج إلى من جعله بذلك الحد والمقدار كما تحتاج الأجرام إلى من جعلها بحدودها ومقاديرها لأن الشيء لا يخلق نفسه بمقداه, فالله تبارك وتعالى لو كان ذا حد ومقدار كالأجرام لاحتاج إلى من جعله بذلك الحد لأنه لا يصح في العقل أن يكون هو جعل نفسه بذلك الحد, والمحتاج إلى غيره لا يكون إلـها لأن من شَرْطِ الإلـه الاستغناء عن كل شيء.
|