في هذه الآية نجد أن الندم والحسرة يقعان في قلب كل من والى الشيطان وسمع له ، والخصومة هنا والجدل قائم بين الإنسان وقرينه من الجن الكافر أي الشيطان ، والعذاب نازل بالكافر وقرينه ونقف هنا لنتدبر قوله تعالى :" حتى إذا جاء قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين " أي إذا وافى الإنسان ربه عز وجل يوم القيامة يتبرم من الشيطان الذي وكل به قال ابن جرير : بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة شفع بيده الشيطان فلم يفارقه حتى يصيرهما الله الى النار فذلك حين يقول :" يا ليت بيني وبينك بُعد المشرقين فبئس القرين .
v لماذا هذا التنكر للقرين ؟ وقد والاه في الدنيا وأخذ بما أملاه عليه فجحد وفجر وأتى الفواحش ؟
هذا لأن عذاب جهنم حين يحضر يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه – يفرّ المتبوعين من الأتباع ويفرّ كل واحد من قرينه والعكس .
قال تعالى :" ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون "
فكما كانوا شركاء في الدنيا في الجحود والفساد والإفساد وأكل مال الحرام وإتيان الفواحش فهم شركاء يوم القيامة في العذاب ولن ينفعهم جمعهم وتجمعهم في النار فكل متبرئ من الآخر .
وكما أن الإنسان سيتبرأ من قرينه في هذه اللحظات فإن الشيطان أيضاً سيتبرأ من الإنسان الذي لازمه وكان سببا في هلاكه ، وقد ورد ذلك في مواضع عدة من القرءان الكريم .
جاء في سورة ق قوله تعالى :" ألقيا في جهنم كلّ كفار عنيد مناع للخير معتد أثيم ، الذي جعل مع الله إلهاً آخر فألقياه في العذاب الشديد ".
ماذا يقول القرين عندها ، وهو أصل غوايته والوسوسة له :" قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد " أي ما أضللته بل كان هو نفسه ضالاً قابلاً للباطل معانداً للحق .
ثم يأتي الحكم الإلهي :" قال لا تختصموا لديّ وقد قدمت إليكم بالوعيد " أي قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل وأنزلت الكتب وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين ".
قال تعالى :" ما يبدَّل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد " أي لست معذباً أحداً بذنب أحد ولكن أعذبه بعد قيام الحجة عليه ".
v السؤال الثاني : ما مصير أهل الدنيا الذين اتبعوا شياطين الإنس على باطلهم فعملوا أعمالهم ؟
هنا نجد مشهداً آخر من مشاهد الجدل والخصومة بين فريقين من نفس النوع وهم بني آدم وقد تبرأ كل من الكفار من بعضهم البعض ، فتجدهم يتلاومون في عرصات ( مواقف) يوم القيامة كما يتخاصمون في دركات النار . وهم أيضا هنا شركاء في العذاب وقد استحق كلا منهم ذلك .
قال تعالى :" وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ،( أي كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء ) فكان جوابهم = قالوا بل لم تكونوا مؤمنين " بمعنى أنه كانت قلوبكم منكرة للإيمان قابلة للكفر والعصيان .
" وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوماً طاغين " = أي لم يكن لنا من حجة على صحة ما دعوناكم إليه بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق ، فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاؤوكم به فخالفتموهم . يعترف الكبراء عندها بشقاوتهم المستحقة لعذاب الله كما جاء في الآية :" فحقَّ علينا قول ربنا إنا لذائقون "
فاغويناكم إنا كنا غاوين ، فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون ، إنا كذلك نفعل بالمجرمين " ، والشاهد في هذه الآيات هو قوله تعالى :" فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون
وهذا ما يوضح لنا حقيقة الموقف ، فإن كل من اتخذ إلهه هواه واتبع الشيطان ووالى أعداء الله ، فلن يغني عنهم جمعهم ولا كثرتهم يوم القيامة .
قال تعالى :" ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استُضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله .................................................. "
وهكذا نجد تبادل الاتهامات بين الأتباع والمتبوعين وخاصة أن المستضعفين يلقون باللوم كاملا على المستكبرين ، ويستنجدون بهم فيكون الرد كما جاء في قوله تعالى يصف حال الضعفاء :" إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار قال الذين استكبروا إنا كلُّ فيها إن الله قد حكم بين العباد ".
v نجاة المؤمن من العذاب بعد أن كاد قرينه أن يرديه في نار جهنم :
قال تعالى واصفاً أهل الجنة :" فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، قال قائل منهم إني كان لي قرين "
قال مجاهد : يعني شيطانا وقال العوفي عن ابن عباس : t هو الرجل المشرك يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا ، ولا تنافي بين كلام مجاهد وابن عباس فكلاهما يعملان على الإضلال هذا بالوسوسة وهذا بالكلام وهذا بالترغيب بالمعصية . قال تعالى :" يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا " .
وبالعودة إلى قوله تعالى :" قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أءنك لمن المصدقين " أي ينكر عليه تصديقه بالبعث والنشور والحساب ، " أءذا متنا وكنا ترابا وعظاماً أءنا لمدينون " أي هل نحن مجزيون بأعمالنا قاله ابن عباس . يطلع المؤمن على هذا القرين يوم القيامة فيراه في جهنم قال :" فاطلع فرآه في سواء الجحيم " عندها وأمام هذا المشهد المخيف قال كما جاء في الآية :" قال تالله إن كدت لتردين " هنا استشعر بالخطر العظيم والعذاب الذي كان من الممكن أن يكون من نصيبه لو انقاد لهذا القرين وانجرف معه في المهالك .
فيقول :" لولا نعمة ربي لكنت من المحضرين " أي لولا فضل الله علي لكنت مثلك في سواء الجحيم حيث أنت مُحضر .
فالنجاة للمؤمنين يوم القيامة كان سببه الخشية من عذاب الله في الدنيا كما ورد في الآية :" وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، قالوا إنا كنا في أهلنا مشفقين ، إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم ".
v الشيطان يزين للإنسان المعصية ثم يتبرأ منه :
الذي ورد في القرءان هو أن الشيطان يتبرأ من الإنسان في الدنيا قبل الآخرة عندما يرى العذاب نازل ، تماما كما حصل في غزوة بدر الكبرى عندما رأى جموع الملائكة ، وقد نزلت الهزيمة بالمشركين ، خاف على نفسه فظن قيامته قد حانت فتبرأ من المشركين بعد أن كان قد تراءى لهم في صورة سراقة بن مالك وقال :" أنا جار لكم وحامي ومنقذ " فلما رأى عدو الله جنود الله من الملائكة نزلت لنصرة رسوله فرَّ عنهم وأسلمهم ، كما جاء في قوله تعالى :" وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب ". الأنفال 48
و قال حسان بن ثابت شاعر رسول الله يومها :
دلاّهم بغرور ثم أسْلَمَهم إن الخبيث لمن والاه غرّار
وقد ورد في هذا الباب من تبرأ الشيطان من الإنسان بعد وقوعه في الكفر ، قصة الراهب الذي كانت عنده فتاة قد استودعها إخوتها عنده ، وما زال الشيطان يوسوس له حتى أوقعه في الزنى فحملت منه وولدت ، فأقنعه بقتلها ووأد الولد كي لا يكشف أمره ، وعند عودة الإخوة من الحرب أتاهم الشيطان في المنام وأعلمهم بمكان أختهم وولدها وأخبرهم القصة ، فذهبوا الى المكان ونبشوا الأرض وأخرجوا الجثة والولد ، وألقوا القبض على الراهب ، وعند استحقاق قطع رأسه جاءه ابليس اللعين وأشار عليه بأن يسجد له سجدة واحدة ويخلصه مما هو فيه فما أن أومأ برأسه فرَّ عنه وتركه حتى قطع رأسه فمات كافراً " وقد روى هذه القصة من الصحابة علي بن أبي طالب رواه البخاري في تاريخه وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان .
وقد وردت هذه القصة في أسباب نزول قوله تعالى :" كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين " الحشر 16
وهذا السياق لا يختص بالذي ورد فقط من قصة الراهب ، بل هو عام في كل من أطاع الشيطان في أمره له بالكفر ، لينصره ويقضي له حوائجه على حساب دينه ومعتقده كما هو حال السحرة خصوصاً فإنهم يبيعون أنفسهم للشيطان ، والنتيجة فإنه يتبرأ منهم كما يتبرأ من اوليائه الذين اتبعوه جملة في النار ويقول لهم " إني كفرت بما أشركتمون من قبل " فأوردهم شرَّ الموارد وتبرّأ منهم كل البراءة "
أما قول الشيطان في الآية " إني أخاف الله " فقال قتادة وابن إسحاق من المفسرين :
صدق عدو الله في قوله " إني أرى ما لا ترون " لأنه رأى جند الله من الملائكة وهويعلم حقيقة عظمة الله وقدرته وجبروته قال وكذب في قوله :" إني أخاف الله " والله ما به مخافة والمعنى من قوله " إني أخاف الله " كما قاله طائفة من المفسرين :" إنما خاف بطش الله تعالى به في الدنيا ، كما يخاف الكافر والفاجر أن يُقتل أو يؤخذ بجرمه ، لا أنه خاف عقابه في الآخرة " وهذا الخوف لا يستلزم إيماناً ولا نجاة .
وقال الزجاج وابن الأنباري :" ظنّ أن الوقت الذي أُنظِر إليه قد حضر ، وزاد ابن الأنباري : قال الشيطان وقتها : أخاف أن يكون الوقت المعلوم الذي يزول معه إنظاري قد حضر فيقع بي العذاب ، فإنه
لما عاين الملائكة خاف أن يكون وقت الإنظار قد انقضى ، فقال ما قال إشفاقاً على نفسه . إغاثة اللهفان183
ومن خلال هذه الآيات نرى أن من كيد الشيطان أنه يعده بأشياء ليست من سلطته وهو منها أبعد ، قال تعالى :" يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا "
فوعده نحو : سيطول عمرك ، وتنال من الدنيا لذتك وستعلوا على أقرانك وتظفر بأعدائك والدنيا دول ستكون لك كما كانت لغيرك ويطول أمله ويعده بالحسنى على شركه ومعاصيه ويمنيه الأماني الكاذبة على اختلاف وجوهها " فيعده الباطل المحال الذي لا حقيقة له وهو الغرور ويمنيه الذي لا حاصل له .
وفي الحديث الصحيح :" إن للملَك بقلب ابن آدم لمَّة ، وللشيطان لمّة ، فلمَّة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله ،..... ثم قرأ قوله تعالى :" الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ".
فالملك والشيطان يتعاقبان على القلب تعاقب الليل والنهار ، فالسعيد من أعطى قلبه حظه من الذكر والتسبيح ليكون مع إلهام الملك والشقي من أتبع نفسه هواها ، وغفل قلبه فكان محلا لوسوسة الشياطين .
|