( خلاصة بحث المسألة )
بعد استعراض أقوال أهل العلم في النشرة يتضح جليا أن النشرة بمفهومها العام - وهو حل السحر بسحر مثله - لا تجوز مطلقا ، حتى لو صدرت من بعض رجالات أهل العلم قديما وحديثا لأن كلام الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مقدمة على كل شيء ، والأدلة النقلية الصريحة جاءت لتؤكد ذلك بقوة دون أن تدع مجالا لأحد أن يدلو بدلوه في هذا الموضوع الخطير ، ويكفي أن طرق أوكار السحرة والمشعوذين فيه مخالفة صريحة لعقيدة المسلم أولا ، ولما يترتب عليها من مفسدة عظيمة على الأمة الإسلامية ثانيا ، وفتح هذا الباب يعني الترويج للبضاعة العفنة التي يتاجر بها السحرة والكهنة ، ولا بد من تقوى الله سبحانه وتعالى بخصوص هذه المسألة ، وإرشاد العامة وتوجيههم بتوجيهات الشريعة ، وتعليمهم مدى خطورة انتهاج ذلك وآثاره السيئة على الفرد والأسرة والمجتمع ، وتثقيفهم بالثقافة الإسلامية التي وضعت قضية السحر في حجمها الطبيعي ، وتناولتها بما تستحقه من الإيضاح والتبصير 00 تعريفا وتأثيراً وتشخيصاً ووقاية ، وتعرضت له من جانب العرض وجانب الطلب ، فحاربت السحرة ، وجعلت حد الساحر القتل ، كما هو الراجح من أقوال أهل العلم ، وعلى ذلك فلا بد من إدراك أن الاستشفاء لا يكون بالمحرم ، إنما باتخاذ الأسباب والوسائل الشرعية والحسية المتاحة لذلك 0
وقد دلت النصوص الصريحة الواضحة على هذا المفهوم ، وأن الاستشفاء لا يكون بالمحرم كالخمر وغيره ، قال ابن القيم - رحمه الله - :
( المعالجة بالمحرمات قبيحة عقلا وشرعا ، أما الشرع فأدلة السنة تؤكد ذلك ، وأما العقل ، فهو أن الله سبحانه إنما حرمه لخبثه ، فإنه لم يحرم على هذه الأمة طيبا عقوبة لها ، كما حرمه على بني إسرائيل بقوله : ( فَبِظُلْمٍ مِنْ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ) ( سورة النساء – الآية 160 ) ، وإنما حرم على هذه الأمة ما حرم لخبثه ، وتحريمه له حمية لهم ، وصيانة عن تناوله ، فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل ، فإنه وإن أثر في إزالتها ، لكنه يعقب سقما أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه ، فيكون المداوي به قد سعى في إزالة سقم البدن بسقم القلب 0
وأيضا فإن تحريمه يقتضي تجنبه والبعد عنه بكل طريق ، وفي اتخاذه دواء حض على الترغيب فيه وملابسته ، وهذا ضد مقصود الشارع ، وأيضا فإنه داء كما نص عليه صاحب الشريعة ، فلا يجوز أن يتخذ دواء 0
وأيضا فإنه يكسب الطبيعة والروح صفة الخبث ، لأن الطبيعة تنفعل عن كيفية الدواء انفعالا بينا ، فإذا كانت كيفيته خبيثة ، اكتسبت الطبيعة منه خبثا ، فكيف إذا كان خبيثا في ذاته ؟! ولهذا حرم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة ، لما تكسب النفس من هيئة الخبث وصفته 0
وأيضا فإن في إباحة التداوي به ، ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تناوله للشهوة واللذة ، لا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها مزيل لأسقامها جالب لشفائها ، فهذا أحب شيء إليها ، والشارع سد الذريعة إلى تناوله بكل ممكن ، ولا ريب أن بين سد الذريعة إلى تناوله ، وفتح الذريعة إلى تناوله تناقضا وتعارضا 0
وأيضا فإن في هذا الدواء المحرم من الأدواء ما يزيد على ما يظن فيه من الشفاء ، ولنفرض الكلام في أم الخبائث التي ما جعل الله لنا فيها شفاء قط ، فإنها شديدة المضرة بالدماغ الذي هو مركز العقل عند الأطباء وكثير من الفقهاء والمتكلمين 0
وها هنا سر لطيف في كون المحرمات لا يستشفى بها ، فإن شرط الشفاء بالدواء تلقيه بالقبول ، واعتقاد منفعته ، وما جعل الله فيه من بركة الشفاء ، فإن النافع هو المبارك ، وأنفع الأشياء أبركها ، والمبارك من الناس أينما كان هو الذي ينتفع به حيث حل ، ومعلوم أن اعتقاد المسلم تحريم هذه العين مما يحول بينه وبين اعتقاد بركتها ومنفعتها ، وبين حسن ظنه بها ، وتلقي طبعه لها بالقبول ، بل كلما كان العبد أعظم إيمانا ، كان أكره لها وأسوأ اعتقادا فيها ، وطبعه أكره شيء لها ، فإذا تناولها في هذه الحال ، كانت داء له لا دواء إلا أن يزول اعتقاد الخبث فيها ، وسوء الظن والكراهة لها بالمحبة ، وهذا ينافي الإيمان ، فلا يتناولها المؤمن قط إلا على وجه داء ، والله أعلم ) ( الطب النبوي – بتصرف – 156 ، 158 ) 0
قلت : إن خطورة الذهاب للسحرة والمشعوذين أعم وأشمل من ذلك بكثير ، واقتراف هذا الأمر بحد ذاته يعتبر كفرا بواحا بالله عز وجل 0
وشفاء المسحور لا يمكن أن يكون بسحر مثله ، وحصول مثل ذلك الأمر بالنسبة للسحرة يعني إحداث تضاد وتنافر فيما يقومون به من عمل دنيء ، فتكسد بضاعتهم وتبور تجارتهم ، ومن أجل ذلك فقد يلجأون لأسلوب خبيث في التعامل مع الحالات المرضية ، حيث يمنعون السحر لفترة مؤقتة بإرادة الله سبحانه وتعالى ، فتنة لهم ، وإمعانا لهم في طغيانهم وكفرهم ، ويعود الأمر إلى سابق عهده ، ليعود المسكين ويدفع دينه وماله تسديدا لذلك ، ولا يعتبر هذا الكلام جزافا إنما من واقع التجربة التي يعيشها الناس والقصص والشواهد كثيرة على ذلك ، أعاذنا الله وإياكم من شرورهم ورد كيدهم إلى نحورهم 0
وفي العصر الحاضر يصبح الأمر أشد وأخطر للأسباب التالية :
1)- لقد عاث السحرة الفساد في الأرض :
وأصبحوا كثرة لعدم ملاحقتهم وتطبيق الحدود الشرعية ضدهم ، وإنفاذ القصاص الشرعي العادل بحقهم ، إلا في بلاد قلة حباها الله بتطبيق الشريعة الإسلامية ، وفتح هذا الباب يقودهم لفعل أعمالهم الخبيثة والدنيئة ، لكي تطرق الناس أبوابهم وتطلب العلاج على أيديهم 0
2)- عامة الناس في هذا الزمان ليسوا بحاجة لتلك الفتاوى :
فهم معتادون على ارتياد أوكار السحرة بعذر وبغير عذر 0
3)- البعد عن الدين عند كثير من الناس :
وطرح ذلك الأمر ونشره بينهم يشجعهم على الذهاب إلى الكفر بأيديهم وتساهل هذا الخطر العظيم 0
4)- المفسدة العظيمة المترتبة عن ذلك :
بإضاعة المال ، وهتك العرض والشرف ، وزرع الأحقاد والضغائن بين الناس وتدمير الأسر والمجتمعات الإسلامية 0
ويتذرع البعض بأمور واهية للذهاب إلى السحرة والمشعوذين والعرافين ، فمنهم من يدعي المراجعة بسبب رفع المعاناة والألم له ولذويه وأرحامه ، والآخر يدعي بأن العلاج لدى هؤلاء المهرطقين أسرع وأنفع ، ومنهم من يدعي إما جهلا أو تجاهلا بأن هؤلاء يمتلكون من الكرامات ما تحقق لهم شفاء الآخرين ونحو ذلك من أقوال معسولة ، وكل ذلك يتحطم أمام قوة النصوص القرآنية والحديثية وأقوال أهل العلم الزاجرة الرادعة لتلك الفئة الباغية وآثارها المدمرة على الفرد والأسرة والمجتمع المسلم ، وأنقل في ذلك كلاما جميلا للدكتور الفاضل ( فهد بن ضويان السحيمي ) عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية ، حيث يقول :
( من تأمل الوعيد الشديد فيمن ذهب إلى الكهان علم قطعا أن الشرع لا ينهى إلا عن شيء فيه مضرة ، فذلك الوعيد فيمن ذهب إليهم فما بالك إذا بحال الكهان وأضرابهم 0
ولكن الفطر إذا انقلبت وحادت عن الجادة السوية رأت الأمور على عكس وجهتها الصحيحة وعلى غير مرادها في الشرع 0 حتى سمي هؤلاء الأشرار بأولياء الله ، لما يجري على أيدي بعضهم من الخوارق الشيطانية في شفاء بعض المصروعين والمسحورين 0
والحق أن هؤلاء أولياء للشيطان ، لأن أولياء الله عز وجل يعتبرون بصفاتهم ، وأحوالهم ، وأفعالهم ، التي دل عليها الكتاب والسنة ، ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من خوارق العادات أنه ولي لله لأن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار المشركين ، وأهل الكتاب، والمنافقين، وتكون لأهل البدع وتكون من الشياطين 0
وقد توجد في أشخاص ويكون أحدهم لا يتوضأ ، ولا يصلي الصلوات المكتوبة بل يكون ملابسا للنجاسات ، رائحته خبيثة ، لا يتطهر الطهارة الشرعية ولا يتنظف ، فالفرق بين كرامات أولياء الله وخوارق أولياء الشيطان واضح جلي وهو : أن كرامات أولياء الله لا بد أن يكون سببها الإيمان والتقوى 0
أما ما كان سببه الكفر والفسوق والعصيان فهو من خوارق أعداء الله لا من كرامات أولياء الله لأن ذلك يحصل بالأمور التي فيها شرك كالاستغاثة بالمخلوقات من الجن وغيرهم فيما لا يقدر عليه إلا الله 0 أو بالفسق والعصيان وفعل المحرمات وهذا هو حال الكهان وأمثالهم ممن انتحل الشرك والكذب مطية لتحقيق رغباته الدنيوية ، أما ما يحصل على أيديهم من شفاء بعض المصروعين وغيرهم ممن يذهب إليهم فقد سبق أن ذكرت أن الأسباب في حصول المقاصد منها ما هو مشروع ومنها ما هو ممنوع فالأسباب المحرمة قد يتوصل بها لنيل بعض الأغراض ولكن ذلك لا يدل على صحتها ، ومن أهم الأسباب المحرمة الاستعانة بالجن في شفاء المصروع مثلا 0 واعلم أنهم لا يعينون من طلب ذلك منهم إلا بعمل مذموم تحبه الشياطين ) ( أحكام الرقى والتمائم – ص 187 ، 188 ) 0
ويقول أيضا : ( ومع هذا الشرك الواضح فكثيرا ما يعود مرتادو الكهان وأضرابهم بخفي حنين بعد ما ابتزت أموالهم وفسدت عقيدتهم وذلك نتيجة لعجز الكهان عن بعض الجن ولكثرة الكذب الذي هو الصفة الظاهرة عند هؤلاء ) ( أحكام الرقى والتمائم – ص 189 ) 0
ذلك ما تيسر لي في طرح هذه المسألة التي ينبغي أن يوليها العلماء وطلبة العلم والدعاة حيزاً مهماً في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى ، ولا بد أن يعلم الجميع أن طرق أبواب السحرة والمشعوذين كفر مخرج من الملة ، وفيه خطر عظيم وآفة مدمرة على الفرد والأسرة والمجتمع المسلم ، ولا يجوز مطلقاً التذرع ببعض فتاوى أو أقوال علماء أجلاء في تمرير هذا العمل الخبيب ، وقد تبين لاحقاً ومما ذكر آنفاً أن الأمر جِدُّ خطير ، فنسأل الله سبحانه وتعالى باسمه الأعظم الذي ما أن دعي به أجاب أن يحفظ سائر بلاد المسلمين من السحرة وشرورهم ، وأن يرد كيدهم إلى نحورهم ، إنه سميع مجيب الدعاء 0
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم 0
أخوكم / أبو البراء أسامه بن ياسين المعاني 0
|