رابعاً : إن أَرَدْتُم حُكْمِي على الحديث فهو حديث : ( حسن ) : ( يونس بن عبيد ) لم يتفرد به ؛ بل تابعه : ( يونس بن جبير ) وإليكم الدليل :
أخرج ( الفريابي ) في : ( دلائل النبوية ) ، و ( ابن أبي عاصم ) في : ( الآحاد والمثاني ) قالا : (( حدثنا هُدْبَةُ بْنُ خالد نا سليمان بن المغيرة نا حميدُ بْنُ هلال نا يونس بن جُبَيْر عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : كنَّا مع رَسُول الله صلى الله عليه وسلَّم في سفر ، فأتينا على رَكِيٍّ ذَمَّةٍ ، فنزل ستة أناسي أنا سَادِسُهُمْ ، أو سَبْعَةٌ أنا سَابِعُهُمْ ، قال : مَاحَةُ ، قال : فَأَدْلَوْا إِلَيَّ دَلْوًا ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على شَفِير الرَّكِيِّ ، فجعلنا فيها نِصْفَهَا ، أو قُرَابَ ثُلُثَيْهَا ، قال : فرفعت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، قال : وكِدْتُ بإنائي أن أَجِدَ شَيْئًا أن أجعله في حَلْقِي فما وجدته ، قال : فرفعت الدَّلْوَ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فغمس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يَدَيْهِ فيها ، وقال : ما شاء الله أن يقول ، فَأُعِيدَتْ إِلَيْنَا الدَّلْوَ بماء فيها ، قال : فلقد رأيت آخرنا أخرج بِثَوْبٍ مَخَافَةَ الغرق ، قال : فساحت )).
قال أبو عبيد العمروني : وهذا إسناد حسن من أجل هدبة بن خالد ، فماذا بعد(؟!).
ومن طريق ابن أبي عاصم أخرجه ( أبو القاسم إسماعيل التيمي الأصبهاني ) في : ( دلائل النبوة ) به.
والحديث أصله في الصحيح ، وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عند ابن حبان قال : (( فَوَضَعَ يَدَيْهِ فِي الرَّكْوَةِ ، وَدَعَا بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ )).
وأما : ( يونس بن عبيد ) فقد قال عنه الذهبي : (( [ 6473 ] يونس بن عبيد الثقفي عن البراء وعنه إسحاق بن إبراهيم وُثِّقَ(!) له حديث واحد د ت س )). ( الذهبي )( الكاشف فى معرفة من له رواية فى الكتب الستة ).
فهذا حكم الذهبي في ( يونس بن عبيد ) في كتابه : ( الكاشف ) أنه : ( وُثِّقَ ).
وقال عنه في : ( الميزان ) : (( وقد ذكره ابن حبان في ( الثقات ) ، وحديثه في ذكر راية النبي صلى الله عليه وسلم أنها سوداء مربعة من نمرة ــ [ حديث حسن ].اهـ ( الذهبي )( ميزان الاعتدال )( ج 7 )( ص 317 ).
وقد وثقه ابن حبان في : ( الثقات ) ، وقال عنه ابن حجر في ( التقريب ) : ( مقبول ) ، وذكره ( البخاري ) في : ( التاريخ الكبير ) ، وترجم له : ( المزي ) في : ( تهذيب الكمال ) وقال : ( ذكره ابن حبان في الثقات) ، وحسن الترمذي ، والذهبي وغير واحد من الأئمة حديثه : (( راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ... : كانت سَوْداءَ مُرَبَّعة من نَمِرَةٍ )) ، وقال عنه الألباني : ( صحيح دون قوله مربعة ).
قلت : وقد وقع خلط لـ ( قِمَطْرِ القَصَصِ ) في أسماء الرواة ـ لأنه ليس له إلا النقل دون تمييز ، ( فلا فكر ، ولا نظر ) ـ فنقل عن ابن حجر قوله : (( وذكره الحافظ ابن حجر في لسان الميزان ج7/ص449 5358 (( يونس بن عبيد الكوفي الثقفي مولاهم أخو زياد لأبيه عن البراء وعنه إسحاق بن إبراهيم الثقفي وثقه بن حبان .)).
وهذا خطأ وخلط فإن : ( يونس بن عبيد مولى محمد بن القاسم الثقفي ) الذي روى عنه إسحاق بن إبراهيم ليس هو : ( يونس بن عبيد الثقفي أخو زياد ) الذي خاصم معاوية في زياد ، فيونس هذا لا رواية له.( فأبصر ).
● الوقفة الثانية : قال ( القَصَّاصُ قِمَطْرُ القَصَصِ ) : (( قلت : وأنا بينت ما سبق من باب التنبيه إلى أن السند ليس كل رواته ثقات فحسب. وهذا هو الفرق بين فعل المتعالم الذي يقفو ما ليس له به علم فيحسن ويصحح ويضعف بغير علم . وبين فعل طالب العلم الذي ينقل أقوال العلماء ويعرضها أمام القراء . ونعود الآن إلى قصتنا وهي استنباط المتعالم أحكاما شرعية وغيرها من الاستنباطات من حديث لم يسبقه بها أحد من العلماء . وأول الاستنباطات هو قوله )) .
قال أبو عبيد العمروني : مازال هذا ( الحكواتي القصاص ) مستمراً في كذبه ، فأنا لم أصحح أو أضعف حديث البراء بتاتاً وغاية ما هنالك أنني نقلت كلام ( حمدي السلفي ) ، كما عقبته بحكم ابن كثير عليه الذي قام ببتره وعدم ذكره ؛ فإن لم تستح فاصنع ما شئت.
● الوقفة الثالثة : قال ( الحكَّاءُ قِمَطْرُ القَصَصِ ) : (( فقصتنا الجديدة تتناول استنباطه حكما شرعيا من حديث لم يستنبط منه العلماء الجهابذة وعلى مر العصور مثل ما استنبطه متعالمنا ولينصر فكرته به أيضا ... )).
ثم نقل ما وصفه بأنه استنباط لي وهو قولي :
(( وفي هذا الحديث مزيد فائدة ، إذ جمع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم مع القول في الماء ، أو ( الدعاء ) فيه ؛ شيئاً آخر ، وهو ( الفعل ) ، وذلك بغمسه يده فيه )).
ثم قال : (( قلت : انظر أخي المسلم كيف قال في المقدمة (جواز القراءة على الماء وما شابه ذلك من المائعات كالزيت والعسل ) وكيف استنبط من هذا الحديث جواز القول والدعاء في الماء . والآن سنتعرف على ما قاله العلماء عن هذا الحديث ونحوه من الأحاديث وكما سيرى جميعنا . قال سيخ الإسلام ابن تيمية في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ج6/ص228 ( فصل والنوع الرابع الماء والطعام والثمار الذي كان يكثر ببركته فوق العادة وهذا باب واسع نذكر منه ما تيسر . )
فذكر أحاديثا منها في الصحيحين ومنها الحديث الذي ذكره المتعالم فقال شيخ الإسلام : (( وفي مسند الإمام أحمد ورواه أبو يعلى الموصلي عن البراء بن عازب قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتينا على ركي ذمة قال فنزل ستة أنا سابعهم ) الحديث .)) فشيخ الإسلام العالم الجهبذ ذكره من باب معجزات النبي عليه الصلاة والسلام والتي لا تنبغي لأحد غيره . والمتعالم ذكره ليستدل به على جواز القراءة على الماء من باب الرقية والاستشفاء . فالمعجزة للنبي لا لآحاد المسلمين .
والمعجزة برهان على صدق رسالة النبي وهي أمر معجز فوق العادة لم يكن لغير النبي عليه الصلاة والسلام لا إلى أبي بكر ولا إلى عمر ولا لأحد من خير البشر بعد الرسل والأنبياء رضي الله عنهم أجمعين فضلا عن الذين يسمون أنفسهم اليوم بالرقاة . فكيف يستدل متعالم بحديث يتناول معجزة للنبي على جواز القراءة في الماء والعسل والزيت وغيرها . هل خفي هذا الاستنباط من الحديث على الجهابذة من العلماء وعلمه هذا المتعالم . والآن أكمل نصوص العلماء التي تبين أنهم ذكروا الحديث ونحوه من الأحاديث في معجزات النبي عليه الصلاة والسلام وليس في باب الرقية والقراءة في الماء )).انتهى كلام ( قِمَطْرِ القَصَصِ ).
ثم كتب ( الحَكَواتي قِمَطْرُ الْحَسَدِ ) جريدة طويلة في أحاديث معجزات الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدلل بها على أن المعجزة من شأن الرسول ، وأنه مما اختص بها ؛ وكأننا ننازع في ذلك ، وكان ينبغي له لو كان ذا عقل رشيد ، وفهم سديد ؛ أن يفهم عن الناس ما يكتبون(!) ؛ لكن مثله ممن له عين لا يبصر بها ، وعقل لا يفقه به ، إمَّعة ينقل بغير بصيرة ، ويتهجم على الناس بسوء فهم.
وإليكم البيان : هل قال ( ابن تيمية )( رحمه الله ) أو أحد من أهل العلم في قديم أو حديث أن وضع اليد أو اليدين في الماء ، أو في الدلو ، أو في الركوة من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم(؟!).
هل نص أحد من العلماء على أن هذا الفعل من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم(؟!).
هل قال ( ابن تيمية ) : أن ( القراءة ) ، أو ( الدعاء ) في الماء من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم(؟!)
هل وضع اليد أو الأصابع في الماء معجزة لا تجوز لأحد إلا لنبي ، أو رسول(؟!!!).
الذي هو من خصائص رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومعجزاته أن الماء ينبع من بين أصابعه ، وأن الماء يزيد ويتدفق هذا من معجزات النبي ، وآياته الباهرات ، أما وضع اليد أو اليدين في الماء ، أو الأصابع في الماء فهذا ليس بشيء معجز ، وليس من خصائص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ويستطيعه كل أحد حتى الأطفال(!).
وهل ( الدعاء ) في الماء من معجزات النبي ، وخصائص رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم(؟!).
ما منا من أحد إلا ويستطيع أن يأخذ من الماء ما يشاء ، ويقرأ فيه ، أو يدعو عليه بما يشاء(!) ، فليس هذا من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم ،كلاهما ليس من خصائص الرسول لأنه أمر ميسور مستطاع ، وليس فيه إعجاز.
أي إعجاز في وضع اليدين في الماء(؟!!!) ، وأي إعجاز في القراءة على الماء(؟!!!) ، حتى يقال : أنه من معجزات الرسول الباهرات(!!!).
فما بال ( قمطر القصص )( هذا ) لا يكادُ يفقه حديثاً(؟!) ، لا هو بالموافق ، ولا هو بالذي ينقل فيفهم ما ينقله(!!!) ، ولا هو بالذي يريح الناس من شره. ( فَمَالَهُ شَجَبَهُ اللَّهُ )(؟!).
|