وأكمل الناس فيه (أي في الجماع في الجنة) أصونهم لنفسه في هذه الدار عن الحرام فكما أن من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن أكل في صحاف الذهب والفضة في الدنيا لم ياكل فيها في الآخرة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
فمن استوفى طيباته ولذاته وأذهبها في هذه الدار حرمها هناك كما نعى سبحانه وتعالى على من أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها ولهذا كان الصحابة ومن تبعهم يخافون من ذلك اشد الخوف وذكر الإمام احمد عن جابر بن عبد الله أنه رآه عمر ومعه لحم قد اشتراه لأهله بدرهم فقال: "ما هذا" قال: لحم اشتريته لأهلي بدرهم فقال أو كلما اشتهى أحدكم شيئا اشتراه أما سمعت الله تعالى يقول: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}
وقال الإمام احمد حدثنا عفان حدثنا جرير بن حازم قال حدثنا الحسن قال قدم وفد أهل البصرة مع أبي موسى على عمر فكنا ندخل عليه كل يوم وله خبز ثلاثة وربما وافقناها مأدومة بالسمن وربما وافقناها مأدومة بالسمن وربما وافقناها مأدومة بالزيت وربما وافقناها مأدومة باللبن وربما وافقناها القلائد اليابسة قد دقت ثم أغلى بها وربما وافقناها اللحم العريض وهو قليل فقال: ذات يوم أني والله قد أرى تقذيركم وكراهيتكم لطعامي اني والله لو شئت لكنت من أطيبكم طعاما وأرقكم عيشا ولكني سمعت رسول الله يقول عير قوما بأمر فعلوه فقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} فمن ترك اللذة المحرمة لله استوفاها يوم القيامة أكمل ما تكون ومن استوفاها هنا حرمها هناك أو نقص كمالها فلا يجعل الله لذة من اوضع في معاصيه ومحارمه كلذة من ترك شهوته لله أبدا والله أعلم
منقول من
الباب الخامس والخمسون من كتاب حادي الأرواح إلي بلاد الافراح للإمام إبن قيم الجوزية: في ذكر نكاح أهل الجنة ووطئهم والتذاذهم بذلك أكمل لذة ونزاهة ذلك عن المذي والمني والضعف وأنه لا يوجب غسلا
|