|
وأن يجعلك مبارَكـًا أينما كنت، وأن يجعلك ممّن إذا أُعطيَ شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أ
بسم الله الرحمن الرحيم أسأل الله الكريم ربّ العرش العظيم أن يتولاّك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك مبارَكـًا أينما كنت، وأن يجعلك ممّن إذا أُعطيَ شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنّ هؤلاء الثلاث عنوان السعادة .
والقاعدة هي : الأصل الذي يتفرّع عنه مسائلُ كثيرة ـ أو فروعٌ كثيرة ـ .
ومضمون هذه القواعد الأربع التي ذكرها الشيخ ـ رحمه الله ـ : معرفة التوحيد ومعرفة الشرك .
وما هي القاعدة في التوحيد ؟، وما هي القاعدة في الشرك ؟، لأنّ كثيرًا من الناس يتخبّطون في هذين الأمرين، يتخبّطون في معنى التوحيد ما هو ؟، ويتخبّطون في معنى الشرك، كلٌّ يفسّرهما على حسَب هواه .
ولكن الواجب : أننّا نرجع في تقعيدنا إلى الكتاب والسنّة، ليكون هذا التقعيد تقعيدًا صحيحـًا سليمـًا مأخوذًا من كتاب الله وسنّة رسوله ، لاسيّما في هذين الأمرين العظيمين ـ التوحيد والشرك ـ .
والشيخ ـ رحمه الله ـ لم يذكر هذه القواعد من عنده أو مِنْ فكره كما يفعل ذلك كثيرٌ من المتخبِّطين، وإنما أخذ هذه القواعد من كتاب الله ومن سنّة رسول الله وسيرته .
فإذا عرفت هذه القواعد وفهمتها سهُل عليك بعد ذلك معرفة التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ومعرفة الشرك الذي حذّر الله منه وبيّن خطره وضرره في الدنيا والآخرة . وهذا أمرٌ مهمّ جدًّا، وهو ألزم عليك من معرفة أحكام الصلاة والزكاة والعبادات وسائر الأمور الدينيّة، لأن هذا هو الأمر الأوّلي والأساس، لأنّ الصلاة والزكاة والحج وغيرها من العبادات لا تصحّ إذا لم تُبنَ على أصل العقيدة الصحيحة، وهي التوحيد الخالص لله ـ عزّ وجل ـ .
وقد قدّم ـ رحمه الله ـ لهذه القواعد الأربع بمقدِّمة عظيمة فيها الدعاء لطلبة العلم، والتنبيه على ما سيقوله، حيث قال : (( أسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم أن يتولاّك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك مبارَكـًا أينما كنت، وأن يجعلك ممّن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فإنّ هذه الثلاث هي عنوان السعادة )) .
هذه مقدّمة عظيمة، فيها دعاءٌ من الشيخ ـ رحمه الله ـ لكلّ طالبِ علم يتعلّم عقيدته يريد بذلك الحق، ويريد بذلك تجنُّب الضلال والشرك، فإنه حَرِيٌّ بأن يتولاه الله في الدنيا والآخرة .
وإذا تولاّه الله في الدنيا والآخرة فإنه لا سبيل إلى المكاره أن تصل إليه، لا في دينه ولا في دنياه، قال ـ تعالى ـ : { الله وليّ الذين آمنوا يُخرجهم من الظّلمات إلى النور والذين كفروا أولياءهم الطاغوت }، فإذا تولاّك الله أخرجك من الظّلمات ـ ظلمات الشرك والكفر والشُّكوك والإلحاد ـ إلى نور الإيمان والعـلم النافع والعمل الصالح، { ذلك بأنّ الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم } .
فإذا تولاّك الله برعايته وبتوفيقه وهدايته في الدنيا وفي الآخرة، فإنّك تسعد سعادة لا شقاء بعدها أبدًا، في الدنيا يتولاّك بالهداية والتوفيق والسير على المنهج السليم، وفي الآخرة يتولاّك بأن يُدخلك جنّته خالدًا مخلَّدًا فيها لا خوف ولا مرض ولا شقاء ولا كبَر ولا مكارِه، هذه وَلاية الله لعبده المؤمن في الدنيا والآخرة .
قال : (( وأن يجعلك مبارَكـًا أينما كنت )) إذا جعلك الله مباركـًا أينما كنت فهذا هو غاية المطالب، يجعل الله البركة في عمرك، ويجعل البركة في رزقك، ويجعل البركة في علمك، ويجعل البركة في عملك، ويجعل البركة في ذريّتك، أينما كنت تصاحبك البركة، أينما توجّهت، وهذا خيرٌ عظيم، وفضلٌ من الله ـ سبحانه وتعالى ـ .
قال : (( وأن يجعلك ممّن إذا أُعطيَ شكر )) خلاف الذي إذا أُعطي كفر النعمة وبطِرها، فإنّ كثيرًا من الناس إذا أُعطوا النعمة كفَروها وأنكروها، وصرفوها في غير طاعة الله ـ عزّ وجل ـ، فصارتْ سببـًا لشقاوتهم، أما مَن يشكُر فإنّ الله يزيده : { وإذْ تأذّن ربكم لئن شكرتم لأزيدنّكم }، والله ـ جلّ وعلا ـ يزيد الشّاكرين من فضله وإحسانه . فإذا أردّت المزيد من النعم فاشكر الله ـ عزّ وجل ـ، وإذا أردتّ زوال النعم فاكفُرها .
قال : (( وإذا ابتُلي صبر )) الله ـ جلّ وعلا ـ يبتلي العباد، يبتليهم بالمصائب، يبتليهم بالمكارِه، يبتليهم بالأعداء من الكفّار والمنافقين، فيحتاجون إلى الصبر وعدم اليأس وعدم القنوط من رحمة الله، ويثبُتون على دينهم، ولا يتزحزحون مع الفِتَن، أو يستسلمون للفتن، بل يثبُتون على دينهم، ويصبرون على ما يقاسون من الأتعاب في سبيلها، بخلاف الذي إذا ابتُلي جزِع وتسخّط وقنِط من رحمة الله ـ عزّ وجل ـ فهذا يُزاد ابتلاء إلى ابتلاء ومصائب إلى مصائب، قال : (( إنّ الله إذا أحبّ قومـًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى ومن سخط فعليه السخط ))، (( وأعظم الناس بلاءً : الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل ))، ابتُلي الرسل وابتُلي الصدِّيقون وابتُلي الشهداء وابتُلي عباد الله المؤمنون، لكنهم صبروا، أما المنافِق فقد قال الله فيه : { ومن الناس من يعبُد الله على حَرْف } يعني : طرف { فإنْ أصابه خيرٌ اطمأنّ به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسِر الدنيا والآخرة ذلك هو الخُسران المبين }، فالدنيا ليست دائمـًا نعيمـًا وتَرَفـًا ومَلذّات وسُرورًا ونصرًا، ليست دائمـًا هكذا، الله يداوِلها بين العباد، الصحابة أفضل الأمة ماذا جرى عليهم من الابتلاء والامتحان ؟، قال تعالى : { وتلك الأيّام نداولُها بين الناس }، فلْيُوَطِّنِ العبدُ نفسه أنه إذا ابتُلي فإنّ هذا ليس خاصـًّا به، فهذا سبق لأولياء الله، فيوطِّن نفسه ويصبِر وينتظر الفرج من الله ـ تعالى ـ، والعاقِبة للمتّقين .
قال : (( وإذا أذنب استغفر )) أما الذي إذا أذنب لا يستغفر ويستزيد من الذنوب فهذا شقي ـ والعياذ بالله ـ، لكن العبد المؤمن كلّما صدر منه ذنب بادر بالتوبة { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلاّ الله }، { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب }، والجَهالة ليس معناها عدم العلم، لأن الجاهل لا يؤاخَذ، لكن الجهالة هنا هي ضدّ الحِلْم . فكلّ مَنْ عصى الله فهو جاهل بمعنى ناقص الحِلْم وناقص العقليّة وناقص الإنسانيّة، وقد يكون عالمـًا لكنه جاهل من ناحية أخرى من ناحية أنه ليس عنده حِلم ولا ثبات في الأمور، { ثم يتوبون من قريب } يعني : كلّما أذنبوا استغفروا، ما هناك أحد معصوم من الذنوب، ولكن الحمد لله أنّ الله فتح باب التوبة، فعلى العبد إذا أذنب أن يُبادِر بالتوبة، لكن إذا لم يتب ولم يستغفر فهذه علامةُ الشقاء . وقد يقنط من رحمة الله ويأتيه الشيطان ويقول له : ليس لك توبة .
هذه الأمور الثلاث : إذا أُعطي شكر، وإذا ابْتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر هي عنوان السعادة، مَن وُفِّق لها نال السعادة، ومن حُرِم منها ـ أو من بعضها ـ فإنّه شقيّ .
|