[frame="4 90"]ثالثا : التمائم من الكتاب والأدعية المأثورة :
إن النصوص القرآنية والحديثية جاءت متضمنة على كافة الأحكام المتعلقة بالعبادات والمعاملات وكل ما ينفع البشرية ويؤمن لها السعادة الأبدية ، وفي هذين الأصلين العظيمين ما يتلائم وطبيعة الإنسان ، ويتماشى مع غرائزه وشهواته ، فوضع الأمور المتعلقة بالإنسان وحياته وعلاقته بخالقه وبالآخرين في موضعها الصحيح الذي يجب أن تكون عليه ، فالموفق من عمل بهما وبمقتضاهما فكان من الفائزين والناجين ، ومن لم يوفق لذلك كان من الخاسرين الهالكين 0
وتلك النصوص قد وضحت العلاقة بين الخالق والمخلوق ، وبين المخلوق والمخلوق ، وبين المخلوق والعالم الغيبي ، وهذه الدلالة والمعرفة توفر للإنسان نظرة ملائمة عن الكون وأحواله ، فيعيش مطمئن البال ، قرير العين ، لمعرفته بالنظام الكامل والشامل للحياة ومتطلباتها ، وهذا ما يميز المسلم عن الكافر الذي يعيش حياته بأبعاد ورؤية محدودة ، وتراه يعيش في خوف من المجهول ، واضطراب في الفكر والسلوك والتصرف ، وتخبط في معترك الحياة ، دون إدراك حقيقتها وكنهها ، وهذا يقود تلقائيا للانحراف الأخلاقي والفساد الاداري ، ويؤدي لكثير من المظاهر الهدامة كالانتحار ، والشذوذ الجنسي ونحوه ، وهذا مما يقيض تلك المجتمعات ويدمرها عاجلا أو آجلا 0
إن القرآن الكريم والسنة المطهرة نزلا برسالة سامية للبشرية ، تحمل في عنوانها الرئيسي الاعتقاد الصحيح والعمل بمقتضى التنزيل ، وكثير من الناس اليوم خالفوا اتباع هاذين الأصلين العظيمين واعتقدوا ببعض التصورات المنحرفة عن كتاب الله ، وهي تخالف في أساسها ومجملها الهدف والغاية الذي أنزل من أجله القرآن الكريم ، فنرى البعض يستخدمه عند رأس المريض والآخر تحت وسادته ، ومنهم من يعلقه في البيوت والمنازل ، ومنهم من يكتب بعض الآيات ويعلقها للحفظ والصون ، ونحو ذلك من اعتقادات خاطئة منحرفة ، ومما يثير الدهشة والاستغراب أن بعض من يفعل ذلك ، قد لا يأتي بالفرائض ناهيك عن السنن والنوافل ، ويعيش حياته في معصية الله بعيدا عن طاعته ، فهل يعقل في تلك الأحوال أن يكون استخدام القرآن على هذا النحو وبهذه الكيفية حفظ وصون وشفاء 0
وتعليق التمائم التي تحتوي على آيات من كتاب الله وأدعية نبوية مأثورة مسألة اختلف فيها السلف على قولين : فمنهم من أجازه ، ومنهم من حرمه ، وجمهور العلماء يرى المنع ، وقد روي عن ابن مسعود وابن عباس وعقبة والإمام أحمد في رواية عنه اختارها الأكثر ، ولعموم قول الرسول : ( من تعلق شيئا وكل إليه ) ( صحيح سنن الترمذي 1691 ) الذي ذكر آنفا ، وتخصيصه بتمائم غير القرآن تخصيص من غير مخصص ، والنهي عام ، وفي المنع من تعليقها سد للذريعة الموصلة إلى الشرك ، إذ أن تعليقها يفضي إلى تعليق غيرها 0
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي ويرقى ، ولو كان تعليق التمائم جائزا لأمر
به ، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يدل على إجازة تعليق شيء من القرآن ، وحمل بعض العلماء فعل عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه تعليق لألواح القرآن ليحفظه الصبيان لا على أنه تميمة 0
إن من أجاز فعل ذلك من السلف قد عاش في عصر كانوا يدركون فيه واقع المسلمين وحالهم وتمسكهم بعقيدتهم ، دون الاعتقاد الخاطئ عند كثير منهم في استخدام هذه التمائم والتعلق بها ، علما بأن منهم من كان يدرك خطر ذلك حتى في ذلك العصر الذي كان الإسلام فيه بأوج قوته ، وأخذوا بالقاعدة الفقهية ( درء المفسدة مقدم على جلب المصلحه ) فكيف بحالنا اليوم ، وقد انتشر في هذا العصر الجهل والضياع والاعتقاد الفاسد والبدع والزيغ والضلال ، وبخاصة أن كثيرا ممن يستخدمون هذا النوع يعتقد أنه النافع الدافع للضر ، ويتشبث به ؛ وحال فقده أو ضياعه ؛ فكأنما فقد نفسه وكل ما يملك معه 0
* أقوال أهل العلم في تعليق التمائم من الكتاب والأدعية النبوية المأثورة :
* قال محمد بن مفلح -رحمه الله- : ( وكان عبدالله بن عمرو يعلم من بلغ من ولده أن يقول قبل النوم : ( بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون ) ومن كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها كتبها له ، فعلقها في عنقه ) " صحيح الجامع 701 " ) ( مصائب الإنسان – ص 23 ) 0
* قال المباركفوري : ( قال السيد العلامة الشيخ أبو الطيب صديق بن حسن القنوجي في كتابه الدين الخالص : اختلف العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم في جواز تعليق التمائم التي من القرآن ، وأسماء الله تعالى وصفاته ، فقالت طائفة : يجوز ذلك ، وهو قول ابن عمرو بن العاص ، وهو ظاهر ما روي عن عائشة ، وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية ، وحملوا الحديث ( يعني حديث ابن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الرقى والتمائم والتولة شرك ) ( صحيح الجامع 1632 ) على التمائم التي فيها شرك 0 وقالت طائفة : لا يجوز ذلك وبه قال ابن مسعود وابن عباس وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم ، وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه 0 وجزم به المتأخرون واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه 0قال بعض العلماء : وهذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل 0 الأول عموم النهي ولا مخصص للعموم0الثاني : سد الذريعة فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك 0 الثالث أنه إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك 0 قال : وتأمل هذه الأحاديث وما كان عليه السلف يتبين لك بذلك غربة الإسلام ، خصوصا إن عرفت عظيم ما وقع فيه الكثير بعد القرون المفضلة من تعظيم القبور واتخاذها مساجد ، والإقبال إليها بالقلب والوجه ، وصرف الدعوات والرغبات والرهبات وأنواع العبادات التي هي حق الله تعالى إليها من دونه ، كما قال تعالى : ( ولا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَالا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) ( سورة يونس – الآية 106 ، 107 ) ونظائرها في القرآن أكثر من أن تحصر 0 انتهى 0
قلت : - والكلام للمباركفوري - غربة الإسلام شيء وحكم المسألة شيء آخر ، والوجه الثالث المتقدم لمنع التعليق ضعيف جدا لأنه لا مانع من نزع التمائم عند قضاء الحاجة ونحوها لساعة ثم يعلقها 0 والراجح في الباب أن ترك التعليق أفضل في كل حال بالنسبة إلى التعليق الذي جوزه بعض أهل العلم بناء على أن يكون بما ثبت لا بما لم يثبت لأن التقوى لها مراتب وكذا الإخلاص ، وفوق كل رتبة في الدين رتبة أخرى والمحصلون لها أقل ، ولهذا ورد في الحديث حق السبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ؛ أنهم هم الذين لا يرقون ولا يسترقون مع أن الرقى جائزة ووردت بها الأخبار والآثار والله أعلم بالصواب 0 والمتقي من يترك ما ليس به بأس خوفا مما فيه بأس 0 انتهى كلامه بلفظه ) ( تحفة الأحوذي – 6 / 200 ، 201 ) 0
يتبع[/frame]
|