عرض مشاركة واحدة
قديم 31-May-2006, 10:45 AM   رقم المشاركة : ( 7 )
عضو جديد


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 7970
تـاريخ التسجيـل : May 2006
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 10 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : طالب is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

طالب غير متواجد حالياً

تابع
وقال في وسطها: (ولكنَّ البِرَّ من آمَنَ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّين ) ثم حكى عن أهل الإيمان أنهم قالوا: (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍمِنْ رُسُلِهِ )فنُؤمِنُ بِبعض، فلا ينفعنا إيمانُنا بمن آمنَّا به منهم كما لمينفع أهلَ الكتاب ذلك؛ بل نؤمن بجميعهم ونصدِّقُهم ولا نفرِّق بينهم، وقدجَمَعَتْهم رسالةُ ربِّهم فنفَرِّق بين من جمعَ اللهُ بينهم، ونُعادي رسلَه، ونكون معادين لهم فبايَنوا بهذا الإيمانِ جَميعَ طوائفَ الكُفَّار المكذِّبينَ لجنس الرسل، والمصدقين لبعضهم المكذّبين لبعضهم.
وتضمن إيمانُهم بالله إيمانَ هم بربوبيَّتِه، وصفاتِ كمالِه، ونُعوتِ جلالِه، وأسمائه الحُسنى، وعُمومِ قُدرتِه ومشيئَتِه، وكمالِ علمه وحِكمتِه، فبايَنوا بذلك جميعَ طوائف أهل البدع والمنكرين لذلك أو لشيءٍ منه؛ فإنَّ كمال الإيمان باللهِ يتضمَّن إثباتَ ما أثبَتَه لنفسه،وتنزيهَه عمَّا نَزَّهَ نفسَه عنه، فبايَنوا بِهذَيْنِ الأمرين جميعَ طوائفِ الكفر،وفرقِ أخل الضلال الملحدين في أسماء الله وصفاته.
ثم قالوا: (سَمِعْناوَأَطَعْنا )فهذا إقرارٌ منهم رُكْنَي الإيمان الذي لا يقوم إلاَّ بِهما، وهماالسمعُ المتضمّن للقَبولِ؛ لا مجرّد سمع الإدراك المشترك بين المؤمنين والكافرين؛بل سمعُ الفَهْمِ والقَبول، و الثاني: الطاعة المتضمّنة لكمال الانقياد والأمتثال وهذا عَكْسُ قول الأمَّة الغضبية (سَمِعْنا وَعَصَيْنا ).
فتضمّنت هذه الكلماتُ كمالَ إيمانهم، وكمالَ قبولهم، وكمال انقيادهم، ثم قالوا: (غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصيرُ ) لِما علموا أنهم لم يوفوا مَقامَ الإيمانِ حقَّه مع الطاعة والانقياد الذي يقتضيه منهم، وأنهم لا بدَّ أن تميلَ بهم غلباتُ الطِباع ودواعي البشرية إلى بعض التقصير في واجبات الإيمان، وأنه لا يَلُمُّ شَعْثَ ذلك إلاَّ مغفرةُ الله تعالى لهم، سألوه غُفْرانَه الذي هو غايةُ سعادتهم، ونهايةُ كمالهم؛ فإن غايةَ كلِّ مؤمن المغفرةُ من الله تعالى، فقالوا: (غُفْرانَكَ رَبَّنا)ثم اعترفوا أنَّ مصيرهم ومردَّهم إلى مولاهم الحقّ لا بدَّ لهم من الرُّجوع إليه فقالوا: (وَإلَيكَ المَصيرُ).
فتضمّنت هذه الكلمات إيمانَهم به،ودخولَهم تحت طاعته وعبوديته، واعترافَهم بربوبيته، واضطرارَهم إلى مغفرته،واعترافَهم بالتقصير في حقِّه، وإقرارَهم برجوعهم إليه.
ثم قال تعالى: (لايُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاَّ وِسعَهَا )فنفى بذلك ما توهّموه من أنه يعذّبهم بالخَطَرات التي لا يملكون دفعَها، وأنها داخلة تحت تكليفه، فأخبرهم أنه لا يكلّفهم إلا وسعهم، فهذا هو البيان الذي قال فيه ابن عبّاس وغيره فنسخها الله عنهم بقوله: (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلاَّ وِسْعَها ) قد تضمَّن ذلك أنَّ جميعَ ما كلَّفهم به أمراً ونهْياً فهم مطيقون له قادرون عليه، وأنه لم يكلّفهم ما لا يطيقون، وفيذلك ردٌّ صريح على من زعمَ خلاف ذلك.
والله تعالى أمرهم بعبادته، وضَمِنَ أرزاقَهم، فكلَّفهم من الأعمال ما يسعونه، وأعطاهم من الرزق ما يسعهم، فتكليفهم يسعونه، وأرزاقهم تسعهم، فهم في الوسع في رزقه وأمره: وسِعوا أمره، ووسعَهم رزقُه،ففرَّقَ بين ما يسع العبدَ وما يسعه العبدُ، وهذا هو اللائق برحمته وبِرّه وإحسانهوحكمته وغِناه؛ لا قولَ من قال إنه كلَّفهم ما لا قُدرةَ لهم عليه البتَّةَ ولايطيقونه ثم يعذّبهم على ما لا يعملونه.
وتأمَّل قوله عزوجل: (إلاَّوِسْعَها ) يف تجد تحته أنهم في سِعَة ومنحة من تكاليفه؛ لا في ضيق وحرج ومشقَّة؛فإنَّ الوسع يقتضي ذلك، فاقتضت الآية أنما كلَّفهم به مقدور لهم من غير عُسر لهم ولا ضيق ولا حرج؛ بخلاف ما يقدر عليه الشخصُ فإنه قد يكون مقدوراً له ولكن فيه ضيق وحرج، وأما وسعه الذي هو منه في سِعة فهو دون مدى الطاقة والمجهود؛ بل لنفسه فيهمجال ومُتَّسَع، وذلك مُنافٍ للضيق والحرج { وما جَعَلَ عَلَيْكُم في الدِّينِ من حَرَجٍ } بل { يُريدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُريدُ بِكُمُ العُسْرَ } قالسفيان بن عيينة: في قوله: {إلاَّ وسعَها} إلاَّ يُسْرها لا عسرها، ولم يكلفهاطاقتها، ولو كلّفها طاقتها لبلغ المجهود.
فهذا فهم أئمة الإسلام. وأين هذامن قول من قال: إنه كلَّفهم ما لا يطيقونه البتَّةَ ولا قُدرة لهم عليه؟
ثمأخبر تعالى أن ثمرة هذا التكليف عائدة عليهم، وأنه تعالى يتعالى عن انتفاعه بكسبهم وتضرّرِه باكتسابهم؛ بل لهم كسبهم ونفعه، وعليهم اكتسابهم وضرره، فلم يأمرهم بماأمرهم به حاجةً منه إليهم؛ بل رحمة وإحساناً وتكرُّماً. ولم ينهَهُم عما نهاهم عنه بُخلاً منه عليهم بل حِميةً وحفظاً وصيانة وعافية.
وفيه أيضاً أن نفساً لاتُعَذَّب باكتساب غيرها، ولا تُثاب بكَسبِه، ففيه معنى قوله: { وأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعَى } ، { وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى }.
وفيه أيضاً إثبات كسبِ النفس المُنافي للجَبْر.
وفيه أيضاً اجتماعالحكمة فيه، فإما كسب خيراً أو اكتسب شرَّاً، لم يُبْطِل اكْتسابُه كسبَه، كمايقوله أهل الإحباط والتخليد؛ فإنهم يقولون: إنَّ عليه ما اكتسب وليس له ما كسب،فالآية رَدٌّ على جميع هذه الطوائف، فتأمل كيف أتى فيما لها بالكسب الحاصل، ولولأدنى ملابسة، وفيما عليها بالاكتساب الدالّ على الاهتمام والحرص والعمل؛ فإنَّ اكتسب أبلغ من كسب، ففي ذلك تنبيه على غلبة الفضل للعدل، والرحمة للغضب.
ثملما كان ما كلفهم به عهوداً منه ووصايا وأوامر تجب مراعاتها والمحافظة عليها،وأن لايخلّ بشيء منها؛ ولكن غلبات الطباع البشرية تأبى إلاَّ االنسيان والخطأ والضعف والتقصير، أرشدهم الله تعالى إلى أن يسألوه مسامحته إياهم في ذلك كله، ورفعَ موجبِه عنهم بقولهم: {رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا ولاتَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذينَ مِنْ قَبْلِنا } أي لاتكلِّفنا من الآصار التي يثقل حملها ما كلَّفتَه مَن قَبلَنا؛ فإنا أضعف أجساداًوأقلّ احتمالاً.
ثم لما علموا أنهم غير منفكِّين مما يقضيه ويقدِّره عليهم،كما أنهم غير منفكين عما يأمرهم به وينهاهم عنه، سألوه التخفيف في قضائه وقدره، كماسألوه التخفيف في أمره ونهيه فقالوا: { رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنابِهِ } فهذا في القضاء والقدر والمصائب، وقولهم: { رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْناإصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلى الَّذينَ مِنْ قَبْلِنا } في الأمر والنهي والتكليف فسألوه التخفيف في النوعين.
ثم سألوه العفوَ والمغفرةَ والرحمة والنصر علىالأعداء؛ فإن بهذه الأربعة تتم لهم النعمة المطلقة، ولا يصفو عيش في الدنيا والآخرةإلا بها، وعليها مدار السعادة والفلاح، فالعَفْوُ متضمّن لإسقاط حقِّه قِبَلَهُم ومسامحتهم به، والمغفرة متضمنة لوقايتهم شرّ ذنوبهم وإقباله عليهم ورضاه عنهم؛بخلاف العفو المجرّد؛ فإنّ العافي قد يعفو ولا يُقْبِل على من عفا عنه ولا يرضى عنه، فالعفو ترك محض، والمغفرة إحسان وفضل وَجُود، والرحمة متضمنة للأمرين مع زيادةالإحسان والعطف والبر، فالثلاثة تتضمن النجاة من الشَّرِّ والفوز بالخير، والنُّصرةتتضمن التمكين من إعلان عبادته وإظهار دينه وإعلاء كلمته، وقهر أعدائه، وشفاءصدروهم منهم، وإذهاب غيظ قلوبهم، وحزازات نفوسهم. وتوسَّلوا في خلال هذا الدعاءإليه باعترافهم أنه مولاهم الحق الذي لا مولى لهم سواه، فهو ناصرهم، وهاديهم،وكافيهم، ومعينهم، ومجيب دعواتهم، ومعبودهم.
فلمَّا تحقَّقت قلوبهم بهذه المعارف وانقادت وذلَّت لِعِزَّة ربِّها ومولاها وإجابتها جوارحهم أُعْطُوا كلّماسألوا من ذلك، فلم يسألوا شيئاً منه إلا قال الله تعالى: قد فعلتُ، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
فهذه كلمات قصيرة مختصرة في معرفة مقدار هذه الآيات العظيمة الشأن، الجليلة المقدار، التي خصّ اللهُ بها رسولَه محمداً صلى الله عليه وسلم وأمَّته من كنز تحت العرش.
وبعد، ففيها من المعارف وحقائق العلوم ما تعجز عقولُ البشر عن الإحاطة به، والله المرغوب إليه أنلا يحرمنا الفهم في كتابه، إنه رحيم ودود.
والحمد لله وحده وصلى الله وسلمعلى من لا نبيَّ بعدَه وآلِه وصحبه أجمعين.
  رد مع اقتباس
 
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42