ثالثاً: مما تقدم يتبين أن أصل الديانات التي شرعها لله لعباده واحد لا يحتاج إلى تقريب، كما يتبين أن اليهود والنصارى قد حرفوا وبدلوا ما نزل إليهم من ربهم حتى صارت دياناتهم زوراً وبهتاناً وكفراً وضلالاً، ومن أجل ذلك أرسل إليهم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ولغيرهم من الأمم عامة؛ ليبين ما كانوا يخفون من الحق، ويكشف لهم عما كتموه، ويصحح لهم ما أفسدوا من العقائد والأحكام ويهديهم وغيرهم إلى سواء السبيل، قال الله تعالى: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [المائدة:15، 16] وقال: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [المائدة:195]. لكنهم صدوا وأعرضوا عنه؛ بغياً وعدواناً وحسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين الحق، قال الله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } [البقرة:109]،وقال: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ } الآيات [البقرة:89]، وقال: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } الآيات [البقرة:101]، وقال: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ، رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً } الآيات [البينة:1، 2].
فكيف يرجو عاقل يعرف إصرارهم على الباطل وتماديهم في غيهم عن بينة وعلم؛ حسداً من عند أنفسهم، واتباعاً للهوى التقارب بينهم وبين المسلمين الصادقين، قال الله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } الآيات [البقرة:57]، وقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ * وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } [البقرة:119، 120]، وقال سبحانه: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } الآيات [آل عمران:86]، بل هم إن لم يكونوا أشد من إخوانهم المشركين كفراً وعداوةً لله ورسوله والمؤمنين فهم مثلهم، وقد قال الله تعالى لرسوله في المشركين: {فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } الآيات [القلم:8، 9]، وقال الله: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَاْ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } [الكافرون:1-6].
إن من يحدث نفسه بالجمع أو التقريب بين الإسلام واليهودية والنصرانية كمن يجهد نفسه في الجمع بين النقيضين، بين الحق والباطل بين الكفر والإيمان، وما مثله إلا كما قيل:
يها المنكح الثريا سهيلاً *** عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت *** وسهيل إذا استقل يمان
رابعاً: لو قال قائل: هل تمكن الهدنة بين هؤلاء أو يكون بينهم عقد صلح حقناً للدماء واتقاء لويلات الحروب وتمكيناً للناس من الضرب في الأرض والكد في الحياة لكسب الرزق وعمارة الدنيا والدعوة إلى الحق وهداية الخلق؛ إقامة للعدل بين العالمين. فلو قيل ذلك قولاً متجهاً وكان السعي في تحقيقه سعياً ناجحاً. والقصد إليه قصداً نبيلاً له مكانه، وعظيم أثره، لكن مع المحافظة على إحقاق الحق ونصره فلا يكون ذلك على سبيل مداهنة المسلمين للمشركين وتنازلهم عن شيء من حكم الله، أو شيء من كرامتهم وهوانهم على أنفسهم، بل مع الإبقاء على عزتهم، والاعتصام بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم؛ عملاً بهدي القرآن، واقتداء بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} الآيات [الأنفال:61]، وقال تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } [محمد:35]، وقد فسر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم عملياً، وحققه بصلحه مع قريش عام الحديبية، ومع اليهود في المدينة قبل الخندق وفي غزوة خيبر، ومع نصارى الروم في غزوة تبوك، فكان لذلك الأثر العظيم والنتائج الباهرة من الأمن وسلامة النفوس ونصرة الحق والتمكين له في الأرض ودخول الناس في دين الله أفواجاً، واتجاه الجميع للعمل في الحياة لدينهم ودنياهم، فكان الرخاء والازدهار وقوة السلطان وانتشار الإسلام والسلام، وفي التاريخ وواقع الحياة أقوى دليل وأصدق شهيد على ذلك لمن أنصف نفسه أو ألقى سمعه واعتدل مزاجه وتفكيره، وبرئ من العصبية والمراء، إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
خامساً: إن الدروز والنصيرية والإسماعيلية، ومن حذا حذوهم من البابية والبهائية قد تلاعبوا بنصوص الدين، وشرعوا لأنفسهم ما لم يأذن به الله، وسلكوا مسلك اليهود والنصارى في التحريف والتبديل؛ اتباعاً للهوى، وتقليداً لزعيم الفتنة الأول: عبد الله بن سبأ الحميري رأس الابتداع والإضلال والإيقاع بين جماعة المسلمين، وقد عم شره وبلاؤه وافتتن به جماعات كثيرة فكفروا بعد إسلام، وتمكنت بسببه الفرقة بين المسلمين، فكان الدعوة إلى التقارب بين هذه الطوائف وجماعة المسلمين الصادقين دعوة غير مفيدة، وكان السعي في تحقيق اللقاء بينهم وبين الصادقين من المسلمين سعياً فاشلاً؛ لأنهم واليهود والنصارى تشابهت قلوبهم في الزيغ والإلحاد والكفر والضلال والحقد على المسلمين والكيد لهم، وإن تنوعت منازعهم ومشاربهم واختلفت مقاصدهم وأهواؤهم، فكان مثلهم في ذلك مثل اليهود والنصارى مع المسلمين. ولأمرٍ ما سعى جماعة من علماء الأزهر المصريين مع القُمِّي الإيراني الرافضي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وجدّوا في التقارب المزعوم، وانخدع بذلك قلة من كبار العلماء الصادقين ممن طهرت قلوبهم ولم تعركهم الحياة، وأصدروا مجلة سموها: "مجلة التقريب" وسرعان ما انكشف أمرهم لمن خُدع بهم فباء أمر جماعة التقريب بالفشل، ولا عجب فالقلوب متباينة والأفكار متضاربة والعقائد متناقضة، وهيهات هيهات أن يجتمع النقيضان أو يتفق الضدان.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجموع فتاوى اللجنة الدائمة بالسعودية - المجلد الثامن عشر (العقيدة). [/color]
|