( وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة، وإنما يتلقاه من قول فلان ؟ ! وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله. لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ينظر فيها ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان، المنقول إلينا عن الثقات الذي تخيرهم النُّقَّاد ؛ فإنهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده، بل نقلوا نظمه ومعناه، ولا كانوا يتعلمون القرآن كما يتعلم الصبيان، بل يتعلمونه بمعانيه. ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه. ومن يتكلم برأيه ، وبما يظنه دين الله، ولم يتلق ذلك من الكتاب فهو مأثوم ( ! ) وإن أصاب . ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ. لكن إن أصاب يضاعف أجره ) .
ثم قال ( ص 217) :
( فالواجب كمال التسليم للرسول صلى الله عليه وسلم، والانقياد لأمره ، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن نعارضه بخيالٍ باطل نسميه معقولاً، أو نحمله شبهة أو شكاً، أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحده صلى الله عليه وسلم بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحد المُرسِلَ ـ سبحانه وتعالى ـ بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل ). وجملة القول : أن الواجب على المسلمين جميعاً أن لا يُفرِّقوا بين القرآن والسنة، من حيث وجوب الأخذ بهما كليهما، وإقامة التشريع عليهما معاً. فإن هذا هو الضمان لهم أن لا يميلوا يميناً ويساراً، وأن لا يرجعوا القهقرى ضُلالاً،
كما أفصح عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " تركت فيكم أمرين ، لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يرِدا على الحوض " [ رواه مالك بلاغاً، والحاكم موصلاً بإسناد حسن].
________________________________________
(1) لم نقل كما هو شائع لدى كثير من أهل العلم : يفسر القرآن بالقرآن إن لم يكن ثمة سنة ، ثم بالسنة ، لما سيأتي بيانه في آخر هذه الرسالة عند الكلام على حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه .
ــــــــــ
تنبيه هام
ومن البدهي بعد هذا أن نقول :
إن السنة التي لها هذه الأهمية في التشريع ، إنما هي السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالطرق العلمية والأسانيد الصحيحة المعروفة عند أهل العلم بالحديث ورجاله . وليست هي التي في بطون مختلف الكتب من التفسير والفقه ، والترغيب والترهيب ، والرقائق والمواعظ وغيرها ؛ فإن فيها كثيراً من الأحاديث الضعيفة والمنكرة والموضوعة ، وبعضها مما يتبرأ منه الإسلام . مثل حديث هاروت وماروت، وقصة الغرانيق، ولي رسالة خاصة في إبطالها وهي مطبوعة2 ، وقد خرجت طائفة كبيرة منها في كتابي الضخم " سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة " ، وقد بلغ عددها حتى الآن قرابة أربعة آلاف حديث3 ! وهي ما بين ضعيف وموضوع وقد طبع منها خمس مئة فقط!
|