قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُو﴾ ما معنى ﴿يَلْبِسُو﴾؟ أي: يخلطوا، واللبس الخلط، آمن دون أن يخلط إيمانه، واللبس هو ما يغطي الشيء ويحيط به، وليس من الذنوب ما من شأنه أن يغطي الإيمان ويمسح أثره إلا الشرك؛ ولهذا فإن المراد بالظلم في الآية هو الشرك لا سائر الذنوب، فقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يخلطوا إيمانهم بشرك، وقد جاء في السنة الصحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تفسير الظلم بذلك؛ لأن الصحابة كما في المسند وغيره لما نزلت هذه الآية شق عليهم أمرها، لما نزل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾﴾ شق أمر الآية على الصحابة، وأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ ظنوا أن المراد بالظلم ماذا؟ ظنوا أن المراد بالظلم ظلم النفس بفعل المعاصي، وهنا ينبغي أن نعلم -معاشر الإخوة- أن الظلم ثلاثة أنواع، ودواوين الظلم يوم القيامة في ثلاثة، وهذا ثبت به حديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (دواوين الظلم ثلاثة: ديوان لا يغفره الله، وديوان لا يتركه الله، وديوان لا يعبأ الله به؛ أما الديوان الذي لا يغفره الله فهو الشرك، وأما الديوان الذي لا يتركه الله فهو ظلم العباد بعضهم لبعض حتى يقتص للمظلوم من ظالمه، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به فهو ظلم العبد لنفسه فيما دون الشرك) .
الآن عرفنا دواوين الظلم الثلاثة، الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ ما المراد بالظلم هنا؟ النوع الأول، نأخذ هذا التفسير من السنة؛ لأن الصحابة سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الآية ففسر لهم ذلك قال: (ليس هذا أما قرأتم قول العبد الصالح: ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾) [لقمان: 13] والمراد بالظلم هنا في الآية تحديدا الشرك بالله، ويأتيكم هنا سؤال لماذا سمي الشرك في الآية وفي آيات عديدة بالظلم؟ لماذا سمي ظلما؟ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فهل هناك أعظم من أن يضع الإنسان العبادة في غير موضعها، العبادة حق لله فإذا صرفت لغير الله وضعت في غير موضعها وهذا أظلم الظلم؛ ولهذا الشرك ظلم بل هو أظلم الظلم، وقد قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254] ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] فالشرك ظلم؛ بل هو أظلم الظلم، وقوله ﴿لَمْ يَلْبِسُو﴾ أيضًا كما استنبط بعض أهل العلم من قوله: ﴿لَمْ يَلْبِسُو﴾ استنبط أن المراد بالظم هنا الشرك؛ لأن الذي يلبس الشيء هو ما يغطيه، وليس شيء يغطي الإيمان ويعفي أثره مثل الكفر والشرك بالله.
|