
18-Oct-2006, 01:48 PM
|
|
|
معنى التردد الوارد في الحديث القدسي : « من عادى لي وليا ... »
معنى التردد الوارد في الحديث القدسي : « من عادى لي وليا ... »
--------------------------------------------------------------------------------
" عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« إن الله – تعالى- قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن ، يكره الموت وأنا أكره مُساءته » .
صحيح. الصحيحة برقم (1640)
* فائدة :
ثم إن لشيخ الإسلام جوابا قيما على سؤال حول التردد المذكور في هذا الحديث ، أنقله هنا بشيء من الاختصار لعزته وأهميته ، قال رحمه الله تعالى في " المجموع " ( 18 / 129 - 131 ) : " هذا حديث شريف ، وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء ، وقد رد هذا الكلام طائفة وقالوا : إن الله لا يوصف بالتردد ، فإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور ، والله أعلم بالعواقب وربما قال بعضهم : إن الله يعامل معاملة التردد !
والتحقيق : أن كلام رسوله حق وليس أحد أعلم بالله من رسوله ، ولا أنصح للأمة ، ولا أفصح ولا أحسن بيانا منه ، فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس ، وأجهلهم وأسوئهم أدبا ، بل يجب تأديبه وتعزيره ويجب أن يصان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظنون الباطلة ، والاعتقادات الفاسدة. ولكن المتردد منا ، وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور [ فإنه ] لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا ، فإن الله ليس كمثله شيء ، ثم هذا باطل [ على إطلاقه ] فإن الواحد يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب ، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد ، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ، ويكرهه لما فيه من المفسدة ، لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يُحَب من وجه و يُكره من وجه ، كما قيل :
الشيب كُره وكُره أن أفارقه*****فاعجب لشيء على البغضاء محبوب
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه. بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التي تكرهها النفس هو من هذا الباب ، وفي « الصحيح » : « حفت النار بالشهوات ، وحفت الجنة بالمكاره » وقال تعالى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } الآية.
ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في الحديث ، فإنه قال : « لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه » فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبا للحق محبا له ، يتقرب إليه أولا بالفرائض وهو يحبها ، ثم اجتهد في النوافل التي يحبها ويحب فاعلها ، فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق. فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة ، بحيث يحب ما يحبه محبوبه ، و يكره ما يكرهه محبوبه، والرب يكره أن يسوء عبده ومحبوبه ، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه . والله – سبحانه- قد قضى بالموت. فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه ، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه ، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده، وهي المساءة التي تحصل له بالموت ، فصار الموت مرادا للحق من وجه مكروها له من وجه ، وهذا حقيقة التردد ، وهو أن يكون الشيء الواحد مرادا من وجه مكروها من وجه وإن كان لا بد من ترجح أحد الجانبين ، كما ترجح إرادة الموت ، لكن مع وجود كراهة مساءة عبده. وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه و يريد مساءته " .
وقال في مكان آخر ( 10 / 58 - 59 ) : " فبين سبحانه أنه يتردد لأن التردد تعارض إرادتين ، فهو – سبحانه- يحب ما يحب عبده ، ويكره ما يكرهه ، وهو يكره الموت ، فهو يكرهه كما قال : « وأنا أكره مساءته » وهو – سبحانه- قد قضى بالموت فهو يريد أن يموت ، فسمى ذلك ترددا. ثم بين أنه لابد من وقوع ذلك " .
من " نظم الفرائد مما في سلسلتي الألباني من فوائد "
|