|
عضو ذهبي
|
قوله: (الثالث: يعني من الأمور التي أساء فيها الشيخ ‑رحمه الله‑: قال في ديباجة الكتاب: قد يذكر الحافظ الذهبي بعض المحدثين الصوفية, ويثني عليهم, ويصفهم بأوصاف ضخمة, فأنقل كلامه غير مقتنعٍ به).
فالحافظ الذهبي ‑رحمه الله‑ يُطْلِقُ العبارات الضخمةَ على المبتدعة, وإليك مثالاً على ذلك: في »السير« يثني على الجاحظ, وهو عمرو بن بحر, فيقول: العلامة المتبحر ذو الفنون..« انتهى
فأين ‑يرحمك الله‑ هذا الثناء المزعوم, والتبجيل المنتقد؟! وفي اعتقاد ذلك إساءة ظنِّ بالإمام الذهبي ‑رحمه الله‑, إذ ليس في وصف الرجل أنه علامة أو متبحر, أو صاحب فنون تزكية له, ولذلك نلحظ في تراجم الذهبي للمبتدعةِ, عبارات بديعة, مثل قوله: كان ذكياً ولم يكن زكياً, ولو نزَّلَ الشيخ الوادعي كلام الذهبي منْزلَهُ الحقيقي, وعرف مدلولات ألفاظه, لما اتـهمه بمدح المتصوفة والمبتدعة, والعجيب أنَّ طائفةً أخرى تكلمت في الذهبي لغلظته على الصوفية, وجعلوا من قاعدتِهم في الجرح والتعديل ألاَّ يقبل قوله فيهم, فقد ضاع الشيخ بين هاتين الطائفتين, ووقف بين الباب والدار, وهو معتمده ومعتمد كل من جاء بعده في الجرح والتعديل, والله المستعان على ما يصفون« انتهى كلام أحمد السلوم!!.
وكلامه هذا عليه عدة ملاحظ:
الْمَلْحَظُ الأول: قوله: »وفي اعتقاد ذلك إساءة ظن بالإمام الذهبي ‑رحمه الله‑« انتهى.
اعلم إن شيخنا ‑رحمه الله تعالى‑ من أكثر المثنين على الحافظ أبي عبدالله الذهبي ‑رحمه الله تعالى‑, ومن المُسْتجِيدين لتحقيقاتِهِ, المنتصرين لأقواله في جملة من المسائل, وكان كثيراً ما يصفه بـ»مؤرخ الإسلام« وغيره ذلك..
فقولك: »إساءة ظن بالإمام الذهبي« كلمة كبيرة, ولازم باطل, وقد حقق المحققون أن لازم القول ليس بقول!, كيف وقد جعلته »اعتقاداً«؟!!.
الْمَلْحَظُ الثاني: قولك: »إساءة ظن« هو عند المحاققة »إساءة ظن«!!.
الْمَلْحَظُ الثالث: لا يعدو كلام شيخنا ‑رحمه الله تعالى‑ أن يكون نقداً صاحبه معتقدٌ فضلَ من ينقده, مدرك لسعة ذكاءه وفهمه, مغترف من بحر علمه!.
وليس النقد –بذاته‑ عيباً, إلا إذا قارنته أمورٌ أخرى!.
وكثيراً ما يقرر الحافظ أبو عبد الله الذهبي ‑رحمه الله تعالى‑ أن كلاًّ يؤخذ من قوله ويترك, إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, مع التأدب في الخطاب ‑في موضعه‑، وحسن الاعتذار لأهله, وترك الغلو الإجحاف!.
فنقد شيخنا ‑رحمه الله تعالى‑ موضع مباحثة علمية, تقبل التخطئة والتصويب؛ ولذا فإني ناقل كلامه بحروفه؛ لأنَّ في اختصار »أحمد السلوم« له نوع إخلال بفائدته!.
قال في مقدمة »رجال الحاكم« (ج1ص14-15):
»تنبيه«: قد يذكر الحافظ الذهبي ‑رحمه الله‑ بعض المحدثين الصوفية, ويثني عليهم, ويصفهم بأوصاف ضخمة, فأنقل كلامه كما هو غير مقتنع به, فإن التصوف مبتدع, ولقد أحسن الإمام الشافعي إذ يقول: لو أن رجلاً تصوف في أول النهار لما جاء آخره إلا وهو أبله, أو بِهذا المعنى, ذكره ابن الجوزي في مقدمة »صفة الصفوة».
وقال مروان بن محمد الطاطري: »ثلاثة لا يؤتمنون: الصوفي, والقصاص, ومبتدع يرد على المبتدعة« ذكره عنه القاضي عياض في »ترتيب المدارك« في ترجمة مروان بن محمد.
فالحافظ الذهبي ‑رحمه الله‑ يطلق العبارات الضخمة على المبتدعة, وإليك مثالاً على ذلك, قال في » السير« (ج11ص526) يثني على الجاحظ, وهو عمرو بن بحر, فيقول: »العلامة المتبحر ذو الفنون«!.
وفي »لسان الميزان« للحافظ ابن حجر ما يدل على كفره, فمثل هذا ما يعظم ولا كرامة, وهكذا الصوفية المبتدعة, لا يستحقون التعظيم, وإن كانوا بين مستقل في البدع ومستكثر« انتهى.
إذا قرأت كلام الشيخ ‑رحمه الله‑ وتأملته, رأيته نقداً نزيهاً ليس فيه طعن, ولا «إساءة ظن«, فضلاً عن »اعتقاد ذلك«!.
وانظر ‑الآن‑ كَلامَ (أحمد السلوم) ‑معترضا‑ بعد كلام الشيخ على الجاحظ, قائلاً: »فأين يرحمك الله هذا الثناء المزعوم, والتبجيل؟ وفي اعتقاد ذلك إساءة ظن بالإمام الذهبي؛ إذ ليس في وصف الرجل أنه علامة, أو متبحر, أو صاحب فنون تزكية له« انتهى!!.
لا زلت متعجباً من هذا الاستفهام الإنكاري (!!), عن وجود الثناء المذكور, ولا يقف عاق منصف على مثل هذا الكلام, إلا ويجزم أنه مكابرة مكشوفة, وعناد فاضح!!.
فقول الذهبي ‑رحمه الله تعالى‑: »العلامة« أليس بثناء وتبجيل؟.
وقوله ‑رحمه الله تعالى‑: »المتبحر« أليس بثناء وتبجيل؟.
وقوله ‑رحمه الله تعالى‑: »ذو الفنون« أليس بثناء وتبجيل؟.
وإن لم تكن هذه الكلمات من التبجيل والثناء, فليُدَرسْ (أحمد السلوم) العلماء وطلاب العلم معنى التبجيل والثناء, ويذكر لهم أمثلةً لذلك عسى أن يفهموها؟.
فإن قلت: إنما أردت أنه ليس بتعديل!.
قيل: بيان المراد لا يدفع الإيراد ‑هذا أولاً‑, ومراد المتكلم يعرف بسياق كلامه, كما حرره ابن القيم في »أعلام الموقعين«, وسياق كلامك في الثناء والتبجيل‑هذا ثانياً‑.
ثم نقول: وهل ادعى الشيخ ‑رحمه الله تعالى‑ أن الذهبي ‑رحمه الله تعالى‑ عَدَّلَهم ﴿فما لكم كيف تحكمون﴾؟.
مِنْ أَيَّةِ الطُّرْقِ يَأَتِي مِثْلَكَ الكَرَمُ؟! أَيْنَ المَحَاجِمُ يَا كَافُورُ والجَلَمُ؟.
وإن الوقت لشحيح أن يضيع في شرح مثل هذا؟ ولكن!.
الْمَلْحَظُ الرابع: ما ذكره شيخنا ‑رحمه الله‑ في نقده البناء, موجود لا يدفعه منصفٌ عن ترجمة الجاحظ الضال المبتدع, والحافظ الذهبي ‑رحمه الله تعالى ‑ نفسه‑ قد ذكره في »ميزان الاعتدال في نقد الرجال«, ‑وهو كاسمه‑ فقال: صاحب التصانيف, روى عنه أبوبكر بن أبي داود فيما قيل, قال ثعلب: ليس بثقة ولا مأمون.
قال الذهبي: قلت: وكان من أئمة البدع« انتهى.
فتأمل كيف أعطاه قدره لما وضعه في كفة »ميزان الاعتدال«, وإذا به لا يساوي ذكره؛ لولا ‑ما قيل‑ من روايته..
واقرأ ما كتبه الحافظ ابن حجر ‑رحمه الله تعالى‑ في »لسان الميزان«, فإن فيه كما قال شيخنا ‑رحمه الله تعالى‑ ما يدل على كفره!.
وما مثله –والله‑ والحال ما وصفتُ أن يذكر في »أعلام النبلاء«!.
نعم, قد يذكره مسامحة لخصلة شهر بها, وإن كان من أهل البدع, لكن الثناء والألقاب الضخمة مما ينبغي تركه.
ومن هذا: أن شيخ الإسلام ابن تيمية ‑رحمه الله تعالى‑, ذكر الجاحظ مرة, فقال: »وابن قتيبة خطيب أهل السُّنَّة كما أن الجاحظ خطيب المعتزلة«.
فذكره بـ»خطيب« ثم بين أنه في الباطل, وليس في ذلك حرج, بخلاف تتويجه بالألقاب الضخمة.
ولذا تجد في كلام السلف من التنفير عن المبتدعة, وت****هم, حتى لا يغتر جاهل –بِهم‑ بكلامهم؛ فيضل, شيئاً كثيراً.
فهذا إمام أهل السُّنَّة أحمد بن حنبل, يقول عن الكرابيسي, الحسين بن علي: »مبتدع«, ويسئل عنه, فيقول: »لا أعرفه بحديث ولا غيره«!!, مع أنه معروف بشيء من العلم!!.
وهذا تلميذه أبو داود تكلَّم في رجل, فقيل له: يقال: إنه فاضل, فقال: »ما أعرفه بفضل!!«.
وإنَّمَا قَصَدَ هؤلاءِ الأئمَّةُ الذَّبَّ عَن السُّنَّةِ, والنُّصحَ للأُمَّةِ.
قال العلامةُ المحقِّقُ النَّقَّادُ المحدِّثُ ‑ذهبيُّ العصر‑ عبدُ الرَّحمنِ بنُ يحيَى المعلِّمِي ‑رحمه الله تعالى‑: »وبالجملةِ، فأسلافُنَا على ثلاثِ طَبَقَاتٍ:
الأولى: مَنْ وَضَحَ لنا اعتصامُه بالكتابِ، والسُّنَّة, فهؤلاءِ الذين نَتَوَلاَّهُم.
الثَّانِيَةُ: مَنْ وَضَحَ لنا تَهَاوُنُهُ بالكتابِ والسُّنَّةِ, فعلينا أنْ نتَبَرَّأَ مِنْهُم!.
الثَّالِثَةُ: قَومٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً، وآخَرَ سيِّئاً, عَسَى الله أن يعفوَ عنهم, ويعذُرَهُم, وعلينا أن نَحْمَدَهُم فيما أصَابُوا فيه, ونَبْرَأَ مِمَّا أخطئوا فيه, والله المستعان«. انتهى من »التنكيل« (ج2ص329), و »بلوغ الأماني من كلام المعلمي اليماني« (ص175).
قلت: وهذا نَهْجُ شَيْخِنَا ‑رحمه الله تعالى‑ الذي دَعَا إليه, فالجَاحظُ ‑مَثَلاً‑ عنده مِن الطَّبَقةِ الثَّانيةِ, معروفٌ بعدائهِ للسُّنَّةِ وأهلِهَا, فالموقفُ مِن مثلِهِ البَرَاءُ, لا الثَّنَاءُ! بـ»العلامة المتبحر ذُو الفُنُونِ«, هذا وجْهُ النَّقْدِ؟!.
واقرأ بعضَ أوابِدِ !! الجاحظ الشَّنِيْعَةِ المُفْضِيَة بِهِ إلَى الْمُرُوقِ؛ حكاها الإمامُ ابنُ قُتَيبَةَ‑رحمه الله تعالى‑ في كتابِهِ النافِع » تأويلِ مُختلفِ الحديث« (ص56-57).
نعم, قالَ الحافظُ الذَّهبيُّ ‑رحمه الله تعالى‑ بعد ذلك »قلتُ: كانَ ماجناً قليلَ الدين, له نوادر«, ثم قال ‑مُخْتَتِماً‑: »وتلطُّخُهُ بغير بدعةٍ أمر واضح, ولكنَّه أخباريٌّ علاَّمَةٌ, صاحبُ فنونٍ, وأدبٍٍ بَاهِرٍ, وذَكَاءٍٍ بيِّنٍٍ, عفا الله عنه« انتهى.
قلتُ: هذا الخَلْطُ بينَ الْمَدْحِ والقَدْحِ في رَجُلٍ مثلِ الجاحظِ مِمَّا لا ينبغي سُلُوكُهُ ‑عندَ التَّحقيقِ‑, فإنَّه يُضْعِفُ جَرْحَهُ أوَّلاً, وقد يُغَرِّرُ الجاهلَ بِحالِهِ ثَانياً, والله يعفو ويغفر للحافظِ الكبيرِ, والنَّاقدِ البَصيرِ, أبِي عبدِالله الذَّهبيِّ ‑رحمه الله تعالى‑.
ولعلَّ المتأمَّلَ في كَلامِهِ يرَى أنَّه جعَلَ الجاحظَ في الطَّبقةِ الثَّالثةِ, وعليه فالخلافُ خِلافُ أفهَامٍ ‑فيما أرجُو‑!,ومجالُ النَّظَرِ واسِعٌ، والله أعلم.
الْمَلْحَظُ الخَامِسُ: قال (أحمد السلوم): »ولو نزَّل الشيخ الوادعي منْزله الحقيقي, وعرف مدلولات ألفاظه, لما اتَهمه بمدح المتصوفة والمبتدعةِ« انتهى.
أقول: هذا كلامٌ هَزيلٌ, وتَهويلٌ باطلٌ, فما المنْزلة الحقيقية عندك؟ وما هي المدلولات اللفظية؟!.
أتظن أن دعواك ما أن ما تقدم ليس من الثناء هو »المنزلة الحقيقة«, و
»المدلولات اللفظية«؟!.
وحكاية هذا الكلام مغنية عن تتبعه بالنقض, والله المستعان!.
الْمَلْحَظُ السَّادِسُ: قوله: »لما اتَهمه بمدح المتصوفة والمبتدعة« انتهى.
هذه دعوى أكبر من كلام الشيخ –رحمه الله-؛ فإنه قال: »قد يذكر الحافظ الذهبي ‑رحمه الله تعالى‑ بعض المحدثين الصوفية ويثني عليهم« انتهى.
فأين دعوى الثناء على بعض المتصوفة من المحدثين, من دعوى أنه يتهم الذهبي بـ»مدح المتصوفة والمبتدعة«؟!! فالله حسيبك!.
وفيما تقدم ما يبين هذه الدعوى, والحمد لله.
الْمَلْحَظُ السَّابِعُ: قوله: »والعجب أن طائفة تكلمت في الذهبي لغلظته على الصوفية, وجعلوا من قواعدهم في الجرح والتعديل ألا يقبل قوله فيهم, فقد ضاع الشيخ (كذا!) بين هاتين الطائفتين, ووقع بين الباب والدار, وهو معتمدهم, ومعتمد كل من جاء بعده في الجرح والتعديل, والله المستعان على ما يصفون« انتهى كلامه!.
هذه الجمل ركيكةُ المبنى, ضعيفةُ القوى, ظامئةُ الرُّوى, بعيدة عن الإنصاف؛ فشيخنا ‑رحمه الله تعالى‑ من أكبر المُجِلِّين للحافظ الذهبي ‑رحمه الله تعالى‑ وكثيرًا ما يصفه بـ»الحافظ« و »مؤرخ الإسلام«, وأنه »ناقد عدل«, وغير ذلك, وكلامه السابق كلام مُجِلٍّ معظمٍ, لا مظلِّلٍ محقِّرٍ!.
فجعْلُك يا (أحمدُ السلوم) شيخَنَا أبا عبد الرحمن مُقْبِلاً ‑رحمه الله تعالى‑ في طرفٍ, والغلاة في المتصوفة كاللكنوي, وأبي غدة في طرفٍ آخر, ظلمٌ كبيرٌ, وجنايةٌ في حقِّ هذا المحدِّثِ الكبيرِ, بَلْ! في حق الحافظ البارع أبي عبدالله الذهبي ‑رحمه الله تعالى‑, لو تعقَّلَّتَ!.
ومثل كلامك هذا لا يضرُّ العلامة المحدث مقبلاً الوادعي شيئاً, فكم تكلم بالباطل في العلماء أُناسٌ, نَالَهُم ‑هم‑ ضررُ كلامهم, ولا زال العلماء هم العلماء!.
كناطحٍ صخرةً يوماً ليوهنها فلم يَضِرْها وأوهى قرنَه الوعلَُ!
ما يضرُّ البحرَ أمسى زاخراً أن رمــى فيه غلام بحجرْ!
وختاماً: فإني أطالبك بالتوبة عن هذا الزلل, والنظر في المسائل بميزان العدل, وأذكرك أنك عن كلامك ستسأل, في يوم ﴿لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾, و»الظلم ظلمات يوم القيامة«.
اللهم اغفر لنا وارحمنا, وجنبنا عِثَار القول والعمل, ووفقنا للعدل والإنصاف, وجنبنا الظلم والاعتساف, وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه : أبو العباس الشحري السلفي الأثري
دار الحديث العامرة ‑بدماج الخير‑
عصر 2|جمادى الأولى|26
|