وإنَّ من كفر النعمة الإعراض عن معرفة الحق وفهمه وتعلمه، من فئة من الناس ارتضت لنفسها أن تظهر في ساح العمل الإسلامي بزي المصلح، وهم إلى إصلاح أنفسهم أحوج، مع ما في ذلك الزي من خطورة التوهيم والتلبيس، والخداع، والخلط، الذي انطلى على سذّج المسلمين وبسطائهم،بعبارات معسولة، و شعارات زائفة، فهؤلاء مع ما حباهم الله ـ تعالى ـ به في هذا الزمن من وسائل معرفة الحق، يحيدون عنه إلى الباطل" يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا"(النحل : 83 ) ، بل ويربون مريديهم على الولاء للرجال والحزبيات،فخلفت خلوفٌ، ونشأت أجيال بعد أجيال، لا يقيمون للعلم وأهله وزناً، فإذا دعي إلى التوحيد قالوا: تفرقون الأمة! وإذا نُشرت السنة وحوربت البدعة قالوا: قشر ولباب! وإذا عرِّف الناس بعلمائهم الربانيين قالوا: علماء سوء وسلطان، علماء حيض ونفاس! وإذا قُرّرَ الحقٌّ في مسألة فقهية ودعي إليها ميّعوا وقالوا: في المسألة خلاف! فأي جناية على الإسلام وأهله أعظم من جناية من تحزبوا لأفكارهم المبتدعة، وطرقهم المخترعة،وآرائهم المحدثة، التي البسوها لباس الدين وزي الإصلاح؟
لقد"صارت عندهم الأناشيدُ والتمثيلُ طريقةً تربوية، والانتخاباتُ والمشاركاتُ في المجالس طريقةً وصولية، والانقلاباتُ والاغتيالاتُ طريقةً تغيرية، والتفجيراتُ والمظاهراتُ طريقةً تعبيرية، والكذبُ والافتراءُ على الأبرياء طريقةً دفاعية عن أحزابهم وزعمائهم"(سمير المبحوح: فرَّ من الحزبية) .
إنَّ ما يعانيه المسلمون اليوم من ضعف وفشل، وانتكاسة تلو أخرى، وتسلط الأعداء، وفتن وهرج واقتتال، وإذكاء لنيران العداوة والبغضاء، لمن أسبابه الرئيسة: التفرق والتحزب باسم الدين، والدين يرفضه ويمُجُّه وينبذه، فأين هؤلاء المتحزبون من كتاب الله؟ أفلا يتدبرونه أم على قلوب أقفالها؟ أين هم من قوله ـ تعالىـ:"وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ"
(آل عمران:103).
وأين هم من قوله ـ تعالى ـ:"وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (آل عمران : 105 ).
وقوله ـ تعالى ـ:"مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31)مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ" (الروم:31ـ 32)
قال الإمام الطبري ـ رحمه الله ـ في تفسيره: "ولا تكونوا من المشركين الذين بدلوا دينهم وخالفوه ففارقوه، (وكانوا شيعا) يقول: وكانوا أحزابا فرقا كاليهود والنصارى".
وقوله ـ تعالى ـ:"إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ" (الأنعام : 159 ).
قال الإمام ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسيره: " والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه (وكانوا شيعا) أي: فِرَقًا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن الله تعالى قد برَّأَ رسولهr مما هم فيه ".
وقالr: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي " أخرجه أبو داود وصححه الإمام الألباني. وفي رواية أخرى: "هي الجماعة " أخرجه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه ابن حجر.
ونبينا r يقول جماعة، وهم يقولون جماعات! وربنا يقول "وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (الأنعام: 153) ويأبون إلا أن يكونوا عشرات.
|