أيها المسلمون:يغفل كثير من الناس عن حقيقة مهمة مفادها؛ أنَّ هذا الزمن هو زمن الفتن التي بينها النبيr في السنة الصحيحة، وحذر منها، وبيّن سبل الوقاية منها، وكيفية التعامل معها، وهذه الغفلة صيّرت أكثر الناس مفتونين؛ لجهلهم بأحاديث الفتن الصحيحة التي فيها البصيرة والنجاة للمؤمن أولاً، ولكثرة المضلين من أدعياء العلم الذين يزينون الباطلَ، كمن يجعلون من الفتن بطولات وانتصارات،أو يسمون الإفساد في الأرض جهاداً، أو يعدون الوقيعة في أصحاب رسول اللهr ومذهب الرفض والتشيع اختلافاً سائغاً،وهذا سبب ثانٍ.
ومن الأسباب الأخرى: أنَّ الفتن ذات مظهر خدّاع، تقبل بغموض وخفاء أوَّل أمرها، كانما مغطاة أو مجللة، وسرعان ما تتضح عندما يقع في شباكها فرائسُها ممن استشرف لها، فتُذهبُ عقولَهم، وتتخطفهم كالأنعام.
وعلامة المفتون تغير حاله، حتى يرى حراماً ما كان يراه حلالاً، أو يرى حلالاً ما كان يراه حراماً.
أخرج أبو نعيم في" الحلية" (1/272ـ273) نقلاً عن "العراق" (2/671) عن حذيفة قال:
" . . . فمن أحب منكم أن يعلم أصابته الفتنة ام لا؟ فلينظر! فإن كان يرى حراماً ما كان يراه حلالاً، أو يرى حلالاً ما كان يراه حراماً؛ فقد أصابته الفتنة ".
وعلامة المفتون التغيّر والتلوّن وفق هواه ومصلحته الشخصية؛ قالr " بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا " أخرجه مسلم(118)، والترمذي(2195) من حديث أبي هريرة.
ومن أواخر تلك الفتن وليس آخرَها، فتنة قلبت عقول الرجال، وأزاغت قلوب ربات الحجال، ما تركت بيت وبر ولا مدر إلا دخلته، فأحدثت فساداً عقائدياً ما عرفه إلا العلماء، وأنست المفتونين ماضياً أسود مرباداً لأعداء السنة الروافض، وما حال العراق اليوم إلا شاهداً حياً على خبث طوية أولئك القوم وعداوتهم لأهل السنة.
وقبلها فتنة أخرى، ولا زالت آثارها بادية للعيان، فتنة التكفير، والخروج على ولاة أمر المسلمين، وما جرّ ذلك على الأمة من ويلات التفجير والتخريب والتدمير، وإزهاق الأنفس البريئة، وترويع الآمنين، وقتل المستأمنين، وتخريب المنشآت، وكل ذلك باسم الجهاد (زعموا) وما هو إلا إفساد في الأرض، والله لا يحب الفساد، والله لا يحب المفسدين.
عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه: أن المقداد بن الأسود جاءنا لحاجة لنا، فقلنا: اجلس عافاك الله حتى نطلب حاجتك، فجلس فقال: العجب من قوم مررت بهم أنفاً يتمنون الفتنة، يزعمون ليبتلينهم الله فيها مما ابتلى به رسولَ اللهr وأصحابَه، وأَيْم الله لقد سمعت رسول اللهr يقول: " إن السعيد لمن جنب الفتن، يرددها ثلاثاً، وإن ابتلي فصبر"، وأيم الله لا أشهد لأحد أنه من أهل الجنة حتى أعلمَ بما يموت عليه بعد حديث سمعته من رسول اللهr، سمعت رسول اللهr يقول: "لقلبُ ابنِ آدمَ أسرعُ انقلاباً من القِدْرِ إذا استجمعت غلياً". أخرجه بطوله الطبراني في" الكبير"، وأبو نعيم في "الحلية"، وابن بطة في "الإبانة الكبرى"، وأخرجه مختصراً أبو داود في "سننه" وهو في الصحيحة(975).
أيها المسلمون:لابد من التنبيه على بعض المنكرات والمخالفات الشرعية التي يقع بها كثير من الناس في العيد ـ إلا من رحم الله ـ، فلعلَّ الغافل يتنبه، والناسي يتذكر، والمقصِّرَ يرعوي ويتعظ ويتوب.
قال الشيخ علي بن حسن الحلبي ـ زاده الله توفيقاً ـ في كتابه النافع"أحكام العيدين في السنة المطهرة" مع تصرف يسير: "فمن هذه المنكرات:
أولاً: التزين بحلق اللحية، وهو الأمر الذي عليه كثير من الناس، وحلق اللحية محرم في دين الله ـ سبحانه ـ دلَّ على ذلك الأحاديث الصحيحة، التي فيها الأمر بإعفائها، إما مقروناً بعلة التشبه بالمشركين، ومن ثمَّ مخالفتَهم، أو ليس مقروناً بذلك، وهي أيضاً من الفطرة التي لا يجوز لنا تغييرها، والتنصيص على حرمة حلقها موجود في كتب المذاهب الأربعة.
ثانياً: مصافحة النساء غير المحرّمات، وهو محرَّم؛ لقولهr " لأَن يُطعنَ في رأس رجل بمخيط من حديد خير له من أن يمسَّ امرأةً لا تحل له "
ثالثاً: التشبه بالكفار والغربيين في الملابس واستماع المعازف وغيرهما من المنكرات، فإنَّ النبيr يقول: " من تشبه بقوم فهو منهم "، ولقوله r : " ليكوننَّ من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ (إي: الزنا)،والحرير، والخمر، والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم(أي: جبل)، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم ـ أي: الفقير ـ لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غداً، فيبيِّتهم الله (أي: يهلكهم)، ويضعُ العلمَ (أي: يهدمه عليهم)، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة "
والمعازف: قال ابن الأثير في " النهاية" (3/230): "العزف: اللعب بالمعازف، وهي الدفوفُ وغيرُها مما يُضْرَبُ". وقال الذهبي في " التذكرة" (4/1337): "المعازف: اسم لكل ما يُعزف به كالطنبور والزمر والشبابة، وغيرِ ذلك من آلات الملاهي".
رابعاً:الدخول على النساء غير المحرَّمات والاختلاط بهن؛ لقولهr " إياكم والدخول على النساء " فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: "الحمو الموت". والحمو: كل قريب للزوج كالأب، والأخ، والعم، وغيرهم، واستثنى الشرع الأب فهو من جملة محارم زوجة الابن.
خامساً: تبرج النساء، وخروجهن إلى الأسواق وغيرها، قال ـ تعالى ـ: "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " (الأحزاب: 33).
ولقولهr :" صنفان من أهل النار لم أرهما ..." وذكر فيه: " ونساء كاسيات عاريات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإنَّ ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا".
سادساً: تخصيص زيارة القبور يوم العيد، وتوزيع الحلويات والمأكولات فيها، والجلوس على القبور، والاختلاط، والسفور الماجن، والنياحة على الأموات، وغيرُ ذلك من المنكرات الظاهرة.
سابعاً: الإسراف والتبذير فيما لا طائل تحته، ولا مصلحة فيه، ولا فائدة منه، يقول تعالى: "وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ" (الأنعام: 141 )، ويقول ـ تعالى ـ: "إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً" (الإسراء: 27 ).
ويقولr " لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ؛ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ "
ثامناً: ترك كثير من الناس الصلاة في المساجد من غير عذر شرعي، واقتصارُ البعض على صلاة العيد دون سائر الصلوات!.
تاسعاً: ترك صلاة العيد والتوافد على المقابر، ووضع سعفِ النخل وفروعِ الأشجار على القبور، وكل ذلك مما لا أصل له في الشرع.
عاشراً:عدم التعاطف مع الفقراء والمساكين، فيظهر أبناء الأغنياء السرور والفرح، ويأكلون المأكولات الشهية، ويفعلون هذا كله أمام الفقراء وأبنائِهم، دون شعور بالعطف أو التعاون أو المسؤولية، مع أنَّ رسول اللهr يقول: " لا يؤمن أحدكم حتى يحبَ لأخيه ما يحبُ لنفسه"
· ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
· ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير.
· ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
· اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
· اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.
· اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميعِ سخطك.
· ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر بنا، واهدنا ويسر الهدى إلينا.
· اللهم اجعلنا لك ذكَّارين، لك شكَّارين، لك رهَّابين، لك طيِّعين، إليك مخبتين، أواهين منيبين.
· ربنا تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخيمة قلوبنا.
· اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
· اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين، الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وجازهم بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً.
أيها المسلمون: أهنؤكم بالعيد كما كان أصحاب رسول اللهr يهنؤون بعضهم، فأقول: تقبل الله منا ومنكم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
|