تابع :
إنشاء : عبد الحميد رميته, من الجزائر:
ج- وأما قضية المس : فحدث ولا حرج فقد خاض فيها المعالجون في هذا الزمان وتوسعوا في ذلك توسعا شديدا لدرجة أن بعضهم من جهلهم بالرقية الشرعية يعتبر كل أمر يلم بالإنسان إنما بسبب الجن,وهذا يعد عبثا بالمفاهيم وغلطا كبيرا يرتكبه هؤلاء ,وهو اتهام باطل موجه لخلق الله من الجن وحكم عليهم وهم براء منه بهذه الصورة ..والبعض الآخر من الذين أقحموا أنفسهم في الرقية الشرعية يعتبر كل مريض يزور شيخا أو معالجا بالقرآن أو راقيا به مس من الشيطان ,وهذا أيضا خلل في المفهوم والعلم . إن مس الجن للإنسان حق كما أن السحر حق وكما أن العين حق كذلك ,لكن هذا شيء وإلقاء التهم على الجن بلا دليل ولا برهان شيء آخر يختلف تماما .
1- إن الذي لا يُصرع أثناء الرقية أو قبلها ليس لدينا –غالبا-يقين نعتمد عليه من أجل الحكم على أنه مُصاب بجن بالفعل, والأعراض التي يُعتمد عليها غالبا للحكم على أن الإصابةَ سحرٌ متشابهة إلى حد كبير مع أعراض المس ,لذا فإن ما قلته عن السحر قبل قليل يبقى صالحا بالنسبة للمس من الجن .هذا من جهة ومن جهة أخرى فإذا تشابهت الأعراض فمن أين للراقي أن يقول للمريض " أنت مسحور " أو" أنت ممسوس" ؟! ما دليله القطعي أمام الله وأمام الناس ؟! . اللهم اهدنا واهد إخواننا –آمين-.
2- أما إذا أغمي على المريض أو صُرع ولم يتكلم الجني على لسانه فيمكن-والله أعلم , وبتحفظ كبير- أن نقول للمريض بأنه يمكن أن يكون به مس من الجن , لكن بعد التأكد من أنه عُرض على أطباء اختصاصيين (لا عامين) وأكدوا له بأنه ليس مصابا بالصرع الطبي الذي لا يعالجه إلا طبيب .
3-وأما إذا أُغمي على المريض وبدا بأن جنيا يتكلم على لسانه فلينتبه الراقي إلى أن المريض قد يكون هو الذي يتكلم لا الجني ,إما بسبب أنه يخاف كثيرا من الجن أن يصيبوه , وإما بسبب أنه أكثر من التفكير في الجن والشياطين , وإما بسبب أن راقيا جاهلا أو طامعا أوهمه من قبل بأنه مصاب بجن وهو ليس مصابا في حقيقة الأمر بأي جن , وإما بسبب أنه يقوم بمسرحية لينال خيرا أو ليُبعد عن نفسه شرا أو ليستر على نفسه جريمة من الجرائم أو .. وقد رأيت من كل ذلك الكثير من خلال ممارستي للرقية الشرعية خلال ال 16 سنة الماضية .فإذا وضع الراقي هذه الاعتبارات أمام عينيه , ومع ذلك بدا له بأن الجني هو الذي يتكلم بالفعل على لسان المريض ,فيمكن له في هذه الحالة –وبتحفظ كبير لأننا نتعامل مع جسم أخبرنا الله بأنه يرانا ولا نراه – أن نقول للمريض: " أنت ربما مصاب بمس من الجن ". ومع ذلك ففي كل الأحوال الأفضل والأحوط والأنفع للمريض وللراقي عند الله أولا حاضرا ومستقبلا ثم عند الناس ولو مستقبلا فقط , قلت: الأفضل أن يرقي الراقي المريضَ بدون أن يقول له : " بك كذا " وعليه أن يطلبَ منه أن يقوي صلته بالله عن طريق الصلاة والقرآن والذكر والدعاء وصيام التطوع وقيام الليل والمطالعة الدينية و.. فإذا كان المرضُ سحرا أو عينا أو جنا ووُجِد الصوابُ والإخلاصُ عند الراقي وعند المريض وقع الشفاء بإذن الله .
والمضحك المبكي أن الإنسان المريض في بعض الأحيان إذا لم يتأثر عند قراءة القرآن عليه , فإن بعض الرقاة الجاهلين يقولون له :" أنت عندك مس أو أنت متلبس فيك جني " , فيقول المريضُ :" لكن أيها الشيخ لم أشعر بشي أثناء القراءة ولم يتحدث على لساني شيء ؟!" فيقول ( الشيخ ) الراقي المعالج :" أنت متلبس فيك جني ولكنه أبكم ..! " وشر البلية ما يُضحك كما يقولون !
ولعل مما يقوي ما أقول من أن تشخيص أمراض السحر والعين والجن صعب جدا(على خلاف الأمراض العضوية) ما ذهب إليه العلامة الشيخ مبارك الميلي رحمه الله من أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الرقية إلا بعد التأكد من حصول الشفاء واستدل بما حصل من أحد الصحابة حين رقى شخصا ولم يعطه القومُ أجرا إلا بعد حصول الشفاء ,وحين سمع رسول الله-ص- أقره على ما فعل . وذهب العلامة إلى أنه لا يجوز أخذ الأجرة قبل ذلك , أي بمجرد تشخيص المرض , لأن التشخيص نسبي جدا وظني جدا , بل قد يكون في أغلب الأحيان مبنيا على الشك أو على الوهم .إنني أكاد أجزم بأن حوالي 50 % (أو أقل قليلا أو أكثر قليلا) من المرضى الذين يبحثون عن رقية شرعية ويقول لهم هؤلاء الرقاة الجاهلون بأن بكم سحر أو عين أو جن , هم في حقيقة الأمر ليسوا كذلك بل هم مصابون بأمراض عضوية أو نفسية -حتى وإن عجز الطبيب في بعض الأحيان عن علاج هذه الأمراض-,أو هم ليسوا مرضى بشيء إلا الوهم ,أي أنه يبدو لهم أنهم مرضى وهم في تمام الصحة والعافية . إنه لا يجوز لك –في نظر الشيخ مبارك رحمه الله –أخذ الأجرة بعد أن قلتَ للمريض : " أنت مسحور" وأنت لست على يقين من ذلك ,أو بعد أن قلت للمريض : " أنت بك عين أو مس " وليس لك أي دليل شرعي أو واقعي على ذلك إلا بعد حصول الشفاء . إذن الأجر المادي في نظر الشيخ هو في مقابل الشفاء الذي جاء من الله وكان الراقي فلان سببا فيه سواء شخَّص الراقي الإصابةَ أم لا . أما إذا قال الراقي بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير :" بك كذا أو كذا أو كذا " ثم لم يحصل الشفاء فبأي حق يستحق الراقي الأجر من المريض ,بل ما فائدة المريض من تشخيص لا دليل على صحته ثم لم يأت شفاء بعده ؟! [ هذا ومع ذلك فإن عدم أخذ الأجرة مهما كان هو دوما أفضل مليون مرة من أخذها بلا خلاف بين العلماء حتى ولو حدث الشفاء , والله أعلم ] .
واله ورسوله أعلم .
جازاكم الله خيرا أهل المنتدى, ورزقني الله وإياكم الصدق والإخلاص-آمين-.
|