لما رأى السحرة من الإنس أن الله أبطل سحر شياطين الجن، إذا بهم يسجدون لله، ويخرون سجداً لله جل وعلا، كل هذا -يا عبد الله- حتى تعلم وتتيقن أن الإيمان الصادق والإيمان بالله لا يقف أمامه شيء، وأن كلام الله جل وعلا يبطل كل السحر، وأن كلام الله جل وعلا يهدم سحر شياطين الجن والإنس، فتيقن وتوكل على الله جل وعلا، ولتكن عقيدتك: إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69]^.
كلما دخلت بيتاً، وكلما ركبت سيارة، رددها في قلبك، وفي عقلك وفي ذهنك: إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69]^.
عبد الله: تظن أن الله عز وجل لمَ خلقنا وأوجدنا؟ وهذا لا بد أن يعرفه الإنس والجن وهو أن الله ما خلقنا إلا لغاية واحدة أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ [المؤمنون:115-117]^ من ساحر أو شيطان أو طاغوت أو مشعوذ أو كاهن، فهؤلاء كلهم طواغيت من دون الله جل وعلا: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [المؤمنون:117]^ انتظر يوم الحساب وتمهل، فإن كنت تراه بعيداً فإنه قريب: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً [المعارج:6-7]^ .. فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون:117-118]^.
سورة الصافات وأثرها على الشياطين
ثم اسمع إلى هذه السورة، وهي سورة عظيمة، وقد جُرِبَت، ولعل بعضكم قد شاهد أثرها على شياطين الجن، فهي تحرقهم وتدمرهم وتهلكهم بإذن الله جل وعلا: هذه السورة يبدؤها الله جل وعلا بوصف ملائكته، من هم الملائكة؟ إنهم جنود الرحمن: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]^ يقفون لله جل وعلا ويستجيبون له. والملائكة تزجر الناس زجراً، بل ملك واحد صاح صيحة، فأهلك قرية كاملة.
ثم -في هذه السورة- يخبر الله عن الكواكب التي في السماء والنجوم، أتعرف ما وظيفتها وما غايتها يا عبد الله؟ هذه النجوم التي في السماء شهب ترمي شياطين الجن ممن يسترق السمع من السماء.
واسمع -يا عبد الله- إلى ربنا جل وعلا كيف يعذبهم ويهلكهم ثم قال الله: دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ [الصافات:9]^ أي: ما هو اليوم ولا الغد فقط، بل هو مستمر، في الدنيا بكلامه جل وعلا، وإذا لم يتب شياطين الإنس والجن إلى الله جل وعلا فالعذاب الواصب المستمر المتصل عنده جل وعلا في نار جهنم.
اسمع إلى هذه السورة التي طالما أحرقت شياطين الجن والإنس وبدأها الله بالتسمية لأنها بداية السورة، وباسم الله كما ذكرنا بركة، بل: (مر رجل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دابته فتعثرت الدابة فقال الرجل: تعس الشيطان. قال: لا تقل تعس الشيطان، فإن الشيطان يتعاظم حتى يصير كالبيت، ولكن قل: باسم الله فإنه لا يزال يتصاغر في نفسه حتى يكون كالذباب )
قل باسم الله إن دخلت بيتك .. إن دخلت غرفتك .. إن أتيت إلى فراشك .. إن دخلت خلاءً .. إن أكلت أو شربت .. إن رميت حجراً .. إن سكبت ماءً، دائماً قل باسم الله فإنها بركة يا عبد الله، بسم الله الرحمن الرحيم .. اسمع وصف الملائكة: وَالصَّافَّاتِ صَفّاً [الصافات:1]^. فهي تحضر مثل هذه المجالس؛ مجالس الذكر، والمجالس التي يقرأ فيها القرآن تحضرها الملائكة وهي جنود للرحمن، والشيطان عندما كان مع المشركين في غزوة بدر ليؤججهم ويثيرهم على المسلمين، فلما اقترب ورأى ملائكة الرحمن تنزل، ورأى الملائكة العظام قال: إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:48]^.
وَالصَّافَّاتِ صَفّاً * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات:1-4]^ من هو؟ إنه الله إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ [الصافات:4]^ قل لمن يعبدون النار، وقل لمن يثلثون، ويعبدون المسيح، قل لمن يكفرون بالله جل وعلا وأخبر اليهود والنصارى، وعُباد الشمس وعُباد القمر وعُباد النار: إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ [الصافات:4-5]^. رب المشارق جل وعلا، مشارق النجوم ومشارق الكواكب ومشارق الشمس، ومشرقها في الصيف والشتاء: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ * إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ [الصافات:5-6]^ اسمع: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ [الصافات:7]^. والله لو كان مارداً، ولو كان أعتى الشياطين، فإنهم لا يستطيعون للرحمن، فالكواكب ترجمه: وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات:7-10]^.وليسأل شياطين الجن، وليسألوا أجدادهم وعلماءهم: ما الذي جرى بولادة محمد صلى الله عليه وسلم؟ أتعرف ما الذي جرى؟ كان الشياطين يسترقون السمع، فلما ولد خير الخلق عليه الصلاة والسلام تعجب الجن ورأوا أمراً عجباً، فالسماء بدأت ترجمهم، والكواكب بدأت تحرس السماء وبدأت الشهب تحرقهم حرقاً ببركته عليه الصلاة والسلام، وبركة رسالته وبعثته عليه الصلاة والسلام.
إسلام الجن وتوبتهم
اسمع -يا عبد الله- إلى بعض الجن الذين تابوا، وإلى بعض الجن الذين أسلموا وصدقوا مع ربهم جل وعلا، كانوا كفاراً ولكنهم لما سمعوا القرآن وأحسوا بلذته، وبحلاوته آمنوا بالله جل وعلا، ليس فقط آمنوا بل ذهبوا إلى قومهم يدعونهم إلى الله، وأخبروا قومهم أنه من آمن فله الثواب والمغفرة ومن كفر فله العذاب العظيم، فما جلسوا جلسات بل مرة واحدة، سمعوا كلام الله فإذا بهم مؤمنون ودعاة إلى الله: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ [الأحقاف:29]^ وهذا الآيات دعوة مني صادقة إلى كل كافر من شياطين الجن -إي والله- أن يؤمن بالله جل وعلا ويسلم لله جل وعلا.
فوالله لو كان كفره قد ملأ السماء والأرض وتاب، لبدله الله عز وجل له حسنات، بل والله لو فتن الناس عن دينهم وصدهم عن سبيل الله، وكان هو الذي أضل خلقاً كثيراً عن الله جل وعلا وأوردهم جهنم، لو تاب؛ تاب الله عليه: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الأحقاف:29]^ الله أكبر! ليس فقط آمنوا بل صاروا دعاة إلى الله، وكم وكم سمعنا أن من الجن من آمن، وليس فقط آمن بل ذهب إلى قومه يدعوهم إلى الله جل وعلا: (ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ).
قالوا: قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:30-31]^.
والله لو كانت التوبة صادقة، ودمعت العين وانكسر القلب: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ [الأحقاف:31-32]^. لا تظن يا من تصر على الظلم والكفر والمعاصي أنك معجز الله، لا والله، بل الله عز وجل يملي للظالمين حتى إذا أخذهم لم يفلتهم جل وعلا: قال الله جل وعلا: وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الأحقاف:32]^. بل اسمع إلى الرب جل وعلا كيف يتحدى معاشر الجن والإنس، بل طواغيتهم، بل أقوى خلق الله من الجن والإنس يتحداهم الرب جل وعلا، انظر إلى التحدي وإذا استطعت أن تقبله فافعل، فهذا ما يعرضه الله جل وعلا عليك من تحد: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الرحمن:33]^ هذا هو التحدي، يطلب الله منك أن تنفذ من أقطار السماوات، فانفذ وتعد السماء الدنيا إذا كنت تستطيع: إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:33-34]^.
الجن لما سمعوا هذه الآية آمنوا وقالوا: لا نكذب بآيات ربنا، آمنوا لأنهم كانوا صادقين مخلصين، عرفوا أن الدنيا أيام قلائل وسنوات قليلة، ثم حساب بين يدي العزيز الجبار.
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:34-36]^ أتعرف ما الذي أقرؤه عليك الآن؟ إنه كلام الله حقاً، بصوت وحرف، كلام لا يشابهه كلام المخلوقين، وهو صفة من صفاته جل وعلا، أتعرف هذا الكلام لو أنزل على جبل لتصدع الجبل ولتكسر، بل إن من الحجارة لما تهبط من خشية الله!! أتظن أنك -يا مخلوق! يا ضعيف!- تقوى على هذا القرآن، أتعرف من الذي تكلم بهذا القرآن، إنه الله الملك العزيز الجبار، أتعرف من هو الجبار؟ مسكين يا من تعاند الله! مسكين يا من تواجه الجبار! والله لا تقوى على الجبار المهيمن.
عبد الله: أتعرف من هو؟ الذي لا إله غيره، عالم الغيب، عالم الشهادة، عبد الله! هو الخالق الذي خلقك، وبرأك، وصورك. اسمع إلى وصف تأثير القرآن واسمع إلى أوصاف الله جل وعلا: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحشر:21-24]^.
سور عظيمة تبطل السحر
عبد الله: يسرني ويسعدني ويفرحني أن أختم هذه القراءات بسور عظيمات تفك أكبر سحر، وتبطل أكبر سحر يا عبد الله! إنها سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، وليس فيها إلا وصف الله، وليس فيها إلا صفة الله العظيمة.
عبد الله: سأل الله بها رجل فقال: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أن تغفر لي. فقال عليه الصلاة والسلام: قد استجيب له ).
اسأل الله بها يا عبد الله ! سورة من عظمها تعدل ثلث القرآن، والله ما يقوى عليها شياطين الإنس ولا شياطين الجن، أتعرف ما هي؟ بسم الله الرحمن الرحيم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]^.
أتعرف ما معنى الصمد؟ الذي تلجأ إليه المخلوقات كلها في السماوات والأرض: مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [هود:56]^ النملة في جحرها تلتجئ إليه، والسمكة في البحر تلجأ إليه جل وعلا، والطير في السماء يلجأ إليه جل وعلا، بل حتى الكافر وقت الضيق والمصيبة يلجأ إليه جل وعلا.
|