
08-Jan-2007, 08:58 AM
|
|
|
أمي للشيخ خالد الراشد
" أمي \"
الشيخ خالد بن محمد الراشد
أمي..
أول كلمة نطقناها ، وأحلى كلمة رددناها ..
لكن اسمحوا لي قبل أن أنطلق أنا وإياكم أن أقدم كلمات شكر وعرفان إلى ..
أمي ..
كلمات عرفان إلى أمي التي أدين لها بالفضل بعد الله تبارك وتعالى ..
فمهما قلت ، ومهما عملت فلن أوفيك أجرك يا أمي ..
لن أنسى صدرك الحنون ..
ولن أنسى سهر الليالي وتعب الأيام ..
لن أنسى حين كنا نجتمع على مائدة الطعام وتقدمينا وتؤثرينا على نفسك بما لذَّ وطاب ..
حتى بعد أن كبرنا كنت تضعين اللقيمات في أفواهنا ..
كم أتعبتك أماه حين كنت أتأخر بالسهر فينام أهل البيت وتبقين أنت ساهرة بالانتظار ..
كنت تخافين علينا من البحر يوم أن كنا نسكن قريباً منه ..
أذكر مرة أنك ضربتيني ضرباً مبرحاً ، لأني اقتربت من البحر ؛ وخضت في شواطيه ..كنت صغيراً ..لم أعرف السبب .. لما كبرت عرفت !!..
لقد كان خوفك علي هو الدافع ..
لم أنسى أني حين كبرت وسافرت للدراسة أنك أنت التي كنت تجمعين من هنا وهناك مصاريف دراستي حتى لا أحتاج إلى أحد في غربتي ..
يالله كم كنت أتعب حين أرجع في الاجازات ويأتي وقت العودة للسفر ..
كم كان قلبي يتقطع حين تقولين لي : لعلك ترجع من هذا السفر ولا تراني ..
كم كان قلبي يتقطع حين تقولين لي مودعة : لعلك ترجع من هذا السفر ولا تراني ..
كم كنت أبكي حين أسمع هذا الكلام ..
عدت من السفر وكبرت أنت يا أمي وضعفت ولقد أعطيتيني وأخوتي أحلى سنين العمر ..
كم دافعت من أجلنا ..
كم ضحيت في سبيلنا ..
لقد تحملت همومنا وسعيت في حاجاتنا حتى بعد أن أصبحنا كباراً ..
بالأمس كنت أسمى خالد ..
واليوم يقال لي الشيخ فلان ..
وما أنا والله إلا حسنة من حسناتك..
وما أنا والله إلا حسنة من حسناتك ..
والفضل لله ثم لك أماه فيما أنا فيه اليوم فجزاك الله عني خير الجزاء ..
فيا صاحبة الثغر الباسم ..
ويا صاحبة العطاء والقلب الرحيم ..
إليك ..
أيتها الزهرة الغالية ..
إليك ..
يا صاحبة النبع الصافي ..
للتي مسحت دمعتي ..
وغسلت قذرتي ..
للتي أطعمتني وسقتني بيدها ..
لمن جعلت صدرها مسكناً لي ..
وعينها حارسة لي ..
أهدي إليك هذا اللقاء ..
وأقول وجزاك الله عني خير الجزاء ..
اللهم احفظ أمي بحفظك ، أطل عمرها ، وأحسن عملها ، واختم بالصالحات ، أعمالها ..
أماه ..
لو كان عمرك بيدي لزدته ولو كان فيه فنائي ..
أماه ..
لو كان أمري بيدي لرفعتك لعنان السماء ..
والله ..
لن يوفيك حقك إلا الله ..
والله ..
لن يوفيك حقك إلا الله جل في علاه ..
أما أخبار وعناصر هذا اللقاء بعد هذه المقدمة فأخبار وعناصر ستة ..
أولها : الأم وما أدراك ما الأم ..
ثانيها : احذر دعوة المظلوم ..
ثالثها : لا أصدق أنهم فعلوا هذا بك ..
رابعها : لماذا يبكي هذا ..
خامسها : حقيقة لا خيال ..
وآخرها : هذا هو ديننا ..
فمع أول العناصر..
الأم وما أدراك ما الأم ..
هي نموذج رحمة يتحرك بين أظهرنا ولا يلتفت إليه أحد بالإجلال والتقدير إلا من رحم الله ..
الأم كتلة من الصبر ..
وصورة حية للعفو والحلم ..
يقول أحدهم ..
الآن عرفت معنى قولهم ليس من سمع كمن رأى ..
ليس من سمع كمن رأى ..
يقول لقد سمعت كلاماً كثيراً وأحاديث متنوعة عن عظيم فضل الأم ..
وكنت كغيري أسمع ما أسمع فلا يكاد يتجاوز ما أسمع سوى أذني ..
قد تهزني عبارة جميلة ..
قد أحرك رأسي إعجاباً بأبيات جميلة ثم لا شيء في دنيا الواقع ..
لكن الله أراد بي خيراً إذ وجدت نفسي أتابع مراحل حمل زوجتي خطوة
خطوة ..
وحين دخلت المسكينة في شهرها التاسع وتجاوزته بقليل تخيلت نفسي أنا ذلك المتكور في هذا البطن للمنتفخ ..
وأنا أرى وأراقب بدأت أستشعر بعض من تلك المعاني التي سمعتها طويلاً وكثيراً عن عظيم فضل الأم ..
لقد رأيت ثم رأيت أمراً هائلاً يدير الرأس ، ويرقق القلب ، ويدمع العين ..
ومن ثم أخذت أقتنع تماماً أنَّ هذه المرأة الجليلة الأم لم ينصفها الناس ولن ينصفوها أبداً ..
مهما زخرفوا الأقوال ..
ورققوا العبارات ..
ونسقوا الكلام ..
والله ..
لن يكافأها على الحقيقة إلا الله وحده ..
ولذلك قالوا أجر الوالدين على الله ..
يقول مواصلاً كلامه :
ليت المعاني تسعفني لكي أقرب الحقيقة ..
لقد تشبعتها ليالي وأيام خلال أواخر شهرها التاسع ، بل في ساعات الليل
والنهار ..
فماذا رأيت !!..
رحماك يا الله ثم رحماك ..
أوَ يستطيع الإنسان أن يتحمل كل تلك المعاناة والآلام ..
لقد رأيتها تتحمل كل ذلك بفرح وسعادة وحبور مرات ومرات ..
رأيتها وسمعتها وهي لا تدري وهي تطلق صرخة متوجعة فأحس بحرارة ألمها قد انتقل إلى قلبي مباشرة ، فأجالد نفسي حتى لا تفضحني عيناي ..
ثم أفاجأ بها بعد لحظة وقد أخذت تتبسم متناسية تلك الآلام وهي تشير إلى بطنها وتقول :
كم أحبك يا صغيري ..
وكم أنا مشتاقة لرؤياك ..
سبحان من صبرها على آلامها المتصلة مع الأنفاس ..
تراها ..
إذا تحركت تألمت ..
وإذا جلست أنَّت ..
وإذا اضجعت صرخت ..
وإذا مشت تعبت ..
وإذا حاولت النوم لتهجع قليلاً تعبت ..
فهي لا تستطيع أن تتقلب على فراشها على راحتها كما كانت قبل هذا الحمل الثقيل الحبيب ..
ومع هذا كله فهي لا زالت مطالبة في الغالب بالاهتمام بالبيت ، وشؤونه الداخلية ، ومتابعة الصغار ونظافتهم وإطعامهم وغسلهم ونومهم وما إلى ذلك مما هو وحده كفيل بهدّ جبل من الجبال ، وتفتيت صخرة راسية ، وإحراق البقية الباقية من الأعصاب المشدودة ..
ومع هذا كله تراها تقول للصبر مبتسمة ..
خذ مني دروساً يا صبر ..
خذ مني دروساً يا صبر ..
جرب نفسك لتكن أماً ..
هل يستطيع رجل واحد أن يتحمل البقاء مع طفل في الثانية أو الثالثة من عمره لساعات قبل أن يدعو على نفسه بالويل والثبور وعظائم الأمور ..
إنها والله وحدها الأم التي تتحمل ذلك راضية متبسمة ..
تأمل معي هذا المنظر وقل :
ما أجمل منظرها وهي جالسة وقد التف حولها صغارها أشبه بفراخ الطير تفتح مناقيرها لتلقمها أمها شيئاً من الطعام ..
تشجع هذا ليأكل ..
وتداعب الثاني وهي تطعمه ..
وتسقي الآخر بعد محاولات ..
وتضحك مع أصغرهم ليقبل على وجبته ..
كل ذلك وهي تجلس بينهم جلسة غير طبيعية يكاد كل مفصل منها يأنّ على حدة يشتكي و يتوجع ..
وهي مع ذلك لا تزال تبتسم وتشجع وتسقي وتطعم ..
ثم فجأة تطلق صرخة خافتة فلقد تلقت من جنينها لكمة محكمة تحت الحزام فتسارع لتغير جلستها..
وما إن تستوي عظامها حتى تعاود الابتسام كأنَّ شيئاً ما كان ..
ومن جديد يسدد الجنين لكمة أخرى محكة كأنما يقول لها :
أنا هنا أماه ..
تفرح بلكمه ورفسه وهو لا يدعها تستريح لحظة ..
فإذا هدأ عن الحركة خافت وقلقت ..
وإذا تحرك فرحت واستبشرت ..
يالله ..
ألوان متعددة من العذاب الذي أظن أنه لو صبَّ على رجل مفتول العضلات لصاح حتى يسمعه الجار الأربعون ..
أما هي ..
فصابرة محتسبة ..
بل ضاحكة مبتسمة ..
فرحمة الله لها ..
ورحمة الله عليها ..
ورحمة الله معها ..
يقول مواصلاً كلامه ..
رأيتها مرات تنظر لي نظرات تحمل الكثير من معاني الألم دون أن تحرك شفتاها..
ثم بعدها بلحظات إذا بها تبتسم ضاحكة ويفيض لسانها بأعذب الحديث عن الضيف الجديد ..
عجيب أمرك أيتها الأم ..
هل تظنون أن الآلام والمعاناة بالحمل تنتهي ..
لا ..
|