فهذه التحفظات والاحتياطات والوصايا كلها إذا تكلمنا في أئمة الهدى، نتكلم معهم بأدب وباحترام، وبإخلاص لله -تبارك وتعالى-، ولا يجوز أن نحكي كلامهم بقصد الذمِّ والتشهير والطعن فيهم، فإن هذا لا يجوز أبدًا، لكن أهل الباطل وأهل البدع تبيِّن مخازيهم ولا تكون هذه الاحتياطات وكذلك الجهلة المتشبهين بأهل العلم وليسوا بعلماء لابد من كشف عوارهم وبيان جهلهم وضلالهم ...
ثم قال -أي الحافظ ابن رجب-: (فصل، ومن عرف منه أنه أراد بردِّه على العلماء النصيحة لله ورسوله فإنه يجب أن يعامَل بالإكرام والاحترام والتعظيم كسائر أئمة المسلمين الذين سبق ذكرهم وأمثالهم ومن تبعهم بإحسان.
ومن عرف أنه أراد بردِّه عليهم التنقيص والذم وإظهار العيب فإنه يستحق أن يقابل بالعقوبة ليرتدع هو ونظراؤه عن هذه الرذائل المحرمة).
وهذا الأخير هو الذي يفعله الآن خصوم أهل السنة والجماعة، خاصة أهل التحزبات المضادة فعلاً لمنهج السلف، والمنتصرة لأهل البدع والأهواء.
أما العلماء وأهل الهدى فإنهم -والله- يفرحون بإظهار الحق إذا انتقد أحدهم في خطأ أخطأه، وبُيِّن للناس أن هذا الإمام أخطأ يفرح، ولهذا رأينا تلاميذ هؤلاء الأئمة لا يترددون في بيان خطأ أئمتهم، ولا يتحرجون من مخالفتهم في أقوالهم التي حصل فيها الخطأ، وهم يعتقدون تمام الاعتقاد أن أئمتهم يحبون هذا، ولا يرضون أبداً [أن] يتعبد الناس بأخطائهم، ولا يرضون أبداً أن تنسب أخطاؤهم إلى الله -تبارك وتعالى-، لا يرضون بها أبداً، لأننا عرفنا صدقهم، وإخلاصهم، ونصحهم لله، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم، -رضوان الله عليهم-، أما أهل الأهواء: فسواء كانوا في حياتهم أو بعد مماتهم هم لا يرضون أن يقال: "فلان أخطأ" مهما ضل وأمعن في الضلال، لا يتحمل النقد، لهذا تراهم يعاندون رغم أن أهل السنة وأهل الحق دائماً يبينون لهم أنهم قد أخطأوا وضلوا في قضية كذا وقضية كذا، ويقيمون لهم الأدلة، فيصرون على باطلهم، ويجمعون الناس ويحشدونهم حول هذه الأفكار الضالة المنحرفة، ولا يخافون من العواقب الوخيمة التي تترتب على أعمالهم، ولا يخافون من حساب الله الشديد لهم، حيث يدعون الناس إلى الضلال، وينحرفون بهم عن سبيل الهدى، لأن قلوبهم انتكست -والعياذ بالله- وغلبت عليهم الأهواء، فهم كما وصفهم رسول الله -عليه الصلاة والسلام-: (تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه).
لهذا يسميهم السلف: أهل الأهواء، ويسمون أهل الحق: أهل السنة والجماعة، ويسمونهم: أهل العلم، ويسمونهم: أهل الحديث، ويلقبونهم بالألقاب الشريفة، بينما هؤلاء يسمونهم: أهل الضلال، أهل البدع، أهل الأهواء، من الجهمية، والمعتزلة، والقدرية، والمرجئة، والخوارج، والروافض، وغيرهم، يسمونهم: أهل الأهواء، يجمعهم الهوى كلهم، لأن الذي يقع في الخطأ بجهله وهو عنده هوى لا يتراجع، لكن أهل الحق وأهل العلم الذين يبلغون رسالات الله -سبحانه وتعالى- وما يدفعهم إلى بيان العلم ونشره في الناس إلا رجاء ما عند الله -تبارك وتعالى- من الجزاء العظيم لورثة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في نشرهم للعلم بخلافتهم للأنبياء في بيان الحق والدعوة إليه، وهم يخافون أشد الخوف من الوقوع في الخطأ فإذا انبرى لهم من يبين أخطاءهم فرحوا بهذا وشجعوه) اهـ
أما قوله:
(وينزل على موقع "غَمَام"، واخد بالك ازاي، نعمل موقع اسمه "غمام" من الغم)
فهو تعريض خبيث بشبكة "سحاب" السلفية حاملة لواء الرد على أهل البدع والضلال، والتي زكاها علماء كبار، بل ويشاركون فيها بأسمائهم، وكفى هذا تشريفًا لها، فلا عجب أن ينالها من السب والطعن ما ينال العلماء، وأنا أقول:
(لا يضر "شبكة سحاب" = نبح الكلاب).
قوله:
(احنا بنقول إنه إن دول بردك إخوانا، ولهم من الخير الكثير، وهذا الشيخ مع إنه يتوسع في الطعن، إلا أنه من علماء الإسلام، هو من علماء الإسلام، وخَيْرُهُ كثير، والغالب على هؤلاء الإخوة السَّبَّابَة أنهم يحبون السنة، ولكنهم زَلُّوا في هذا الباب، باب التطاول على جبال الخير)
فهذا خبث ومكر ودهاء، يريد أن يوهم الناس أنه من المنصفين الذين لا يبخسون الناس أشياءهم، وإن تعجب فعجب قوله منذ قليل -وهو ينافح عن أهل الأهواء-: (كن طاويًا للسيئة الصغيرة، وكن ناشرًا للحسنات الكثيرة) ثم ما يلبث أن يخالف كلامه هؤلاء مع السلفيين في قوله أنهم "رافضة سبابة" وقوله: "قاتلكم الله"! أليست تلك قسمة ضيزى؟! فطالما هؤلاء "الإخوة السبابة!" لهم من الخير الكثير، فلماذا إذًا لا تطوي سيئاتهم الصغيرة وتنشر حسناتهم الكثيرة؟! وطالما أنت تقر أن هذا الشيخ -وهو الشيخ ربيع- من علماء الإسلام فلماذا لم تطبق عليه قاعدتك السابقة والتي طبقتها مع أهل الجهل والصغار والانحراف فذكرته بسوء ولم تطو سيئاته ولم تنشر حسناته؟!
وأخيرًا قوله:
(وأخشى أن تكون عاقبتهم الخسارة، خسارة الدنيا والآخرة)
بل نحن من نخشى عليك أن يحشرك الله في زمرة أهل البدع والضلال كما قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: (المرء مع من أحب يوم القيامة)[27].
ونخشى عليك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: (إن الله احتجز التوبة عن صاحب كل بدعة)[28].
ونخشى عليك قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: (أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، وليردنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفوني، ثم يُحال بيني وبينهم ... فأقول: إنهم مني. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غيّر بعدي)[29]
قال الإمام القرطبي رحمه الله: (والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، فمن بَدَّل أو غَيَّر أو ابتدع في دين الله ما لا يرضاه الله ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض، المبتعدين منه، المسودي الوجوه). [الجامع لأحكام القرءان 4/168]
ونخشى عليك قول الله سبحانه: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)).
ونخشى عليك قوله -جل وعلا-: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ))
ونخشى عليك قول الإمام ابن سيرين -رحمه الله-: (أسرع الناس رِدَّة أهل الأهواء) [الإبانة لابن بطة 2/431].
ونخشى عليك قول الإمام أحمد -رحمه الله-: (... قبور أهل البدعة من الزهاد حفرة ... وزهاد أهل البدعة أعداء الله) [طبقات الحنابلة 1/184]
ونخشى عليك قول القاضي أبي الحسن الزرويلي -رحمه الله-: (إن المبتدع الذي يموت على بدعته يبتليه الله بسوء الخاتمة .. وقال أبو حامد: الأسباب التي تورث سوء الخاتمة، فذكر منها البدعة، وذكر أبو الليث ذلك أيضًا).[30]
ونخشى عليك أخيرًا قول الإمام أيوب السختياني -رحمه الله- قال: (ما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا إلا ازداد من الله بعدًا). [كتاب "البدع والنهي عنها" لابن وضاح ص 27]
سبحانك الله وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
16 من ذي القعدة لعام 1427 من الهجرة
--------------------------------------
الحاشية:
[1] وهو أحد رؤوس الحزبيين الخوارج في مدينة "المنصورة" المصرية -نصرها الله عليهم وحماها من كيدهم-، يرتدي البدلة والكرافيت والبنطال متشبهًا بالكفار، ويعمل مدرسًا في إحدى الجامعات المختلطة، ويظهر على قناة المجد القطبية مع رؤوس الحزبيين، وله مجالس سرية لا يحضرها إلا الخواص يشهد على ذلك أحد الإخوة المقربين منه وقد هجره لما علم سوء منهجه، وقد سمعته بأذني يومًا منذ سنوات -وكنت أحضر درسًا له- يطعن في حكومة المملكة -حرسها الله- ويقول بأنها تريد أن تقلص نشاط هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأخزاه الله ولا زالت الهيئة تقوم بواجبها ولله الحمد.
[2] أخرجه البخاري [3224، 3225، 5655]، وأبو داود [4164]، وابن ماجة [4173]، ومالك [339]، وأحمد [16470، 16478، 16485، 21313، 21314، 22344] بألفاظ متقاربة.
[3] عن طريق "الثناء البديع ..." لخالد الظفيري.
[4] كما قال -عامله الله بما يستحق- عن العلامة ربيع بن هادي -حفظه الله-، ونقلها الشيخ خالد بن عبد الرحمن -حفظه الله- في شريط "أسئلة أبي عبد الرحمن المصري المنهجية" السؤال الخامس.
[5] آخر شريط "شروط العمل الصالح".
[6] منتصف شريط "مذهب الشيطان".
قال العلامة صالح الفوزان -حفظه الله-: (والشرك عندهم ما يسمونه بالشرك السياسي أو شرك السلاطين أو شرك الحاكمية، ولذلك لا يهتمون بإنكار هذا الشرك الذي بعثت الرسل لإنكاره، وإنما ينصبّ إنكارهم على الشرك في الحاكمية فقط). [إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد 1/166]
[7] المصدر السابق.
|