ولو رجعنا إلى الوراء في تاريخنا الطويل لوجدنا أن هذه البدعة التي تسمى بالتصوف اليوم قد أطلت برأسها في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلا أنها قمعت عند أول ظهورها أو التفكير فيها وذلك عندما جنح بعض الناس إلى نوع من الرهبانية فذهب ثلاثة أشخاص من الصحابة إلى بيت من بيوت النبي صلى الله عليه وسلم فسألوا ن عبادته عليه الصلاة والسلام فلما أخبروا كأنهم تقالوها أي رأوا أن ما يفعله الرسول من العبادة قليل فهم يريدون أكثر من ذلك فقال أحدهم : أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر وقال الثاني : وأما أنا فأقوم الليل ولا أنام ، وقال الثالث : وأما أنا فلا أتزوج النساء فلما بلغ ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام طلبهم فأتي بهم فقال :" أنتم الذين قلتم كذا وكذا " فلم يسعهم إلا أن يقولوا نعم فقال الرسول عليه الصلاة والسلام :" أما والله إني لأعبدكم وأخشاكم لله ولكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني "
هذه الواقعة رويناها بالمعنى تقريباً وهي عند الشيخين وبعض أهل السنن
ومما يلاحظ أن الرسول عليه الصلاة والسلام استخدم في إنكار هذه البدعة أسلوباً لا نعم أنه كان يستخدمه عندما يبلغه أن إنساناً ما ارتكب مخالفة أو أتى معصية بل كانت عادته الكريمة المعروفة أنه في مثل هذه الحالة يجمع الناس فيوجه إليهم كلمة عامة واستنكاراً وتوبيخاً لا مجابهة فيه كأن يقول :" ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا " وقد كان هذا الأسلوب كافياً للردع والإنكار مع ما يتضمنه من الستر على مقترف تلك المعصية
ولكننا رأينا الرسول عليه الصلاة والسلام هذه المرة يطلب حضور الثلاثة الذين جنحوا إلى ما يسمى ( التصوف ) اليوم ثم يسألهم أنتم الذين قلتم كذا وكذا ثم يعلن لهم أنه أعبدهم وأخشاهم لله مؤكداً ذلك بالقسم كأنهم لا يعلمون ذلك تقريعاً لهم وتوبيخاً فأشعرهم أن الأساس في العبادة الاتباع دون الابتداع وأن الكيفية مقدمة على الكم المخالف للسنة ثم يختم التوبيخ بالبراءة أي الإخبار أن من رغب عن سنته وهديه ليس منه ولا هو على دينه الذي جاء به من عند الله .
ومما ينبغي التنويه به هنا أن حسن النية وسلامة القصد والرغبة في الإكثار من التعبد كل هذه المعاني لا تشفع لصاحب البدعة لتقبل بدعته أو لتصبح حسنة وعملاً صالحاً لأن هؤلاء الثلاثة لم يحملهم على ما عزموا عليه إلا الرغبة في الخير بالإكثار من عبادة الله رغبة فيما عند الله فنيتهم صالحة وقصدهم حسن إلا أن الذي فاتهم هو التقيد بالسنة التي موافقتها هو الأساس في قبول الأعمال مع الإخلاص لله تعالى وحده .
وبعد :
لعل القارئ يلاحظ أن بدعة التصوف ظهرت أول ما ظهرت مغلفة بغلاف العبادة والزهد وهما أمران مقبولان في الإسلام بل مرغب فيهما ثم ظهرت على حقيقتها التي هي عليها الآن وهذا شأن كل بدعة إذ لا تكاد تظهر وتقبل إلا مغلفة بغلاف يحمل على الواجهة التي تقابل الناس معنى إسلامياً مقبولا بل محبوباً
ومن أمثلة ذلك : بدعة الاحتفال بالمولد التي ابتدعها الفاطميون بالقاهرة بدعوى محبة الرسول وآل البيت حيث كانوا يحتفلون بمولد النبي عليه الصلاة والسلام في كل عام ثم بمولد علي رضي الله عنه ثم بمولد فاطمة رضي الله عنها ثم بمولد الحسن والحسين وأخيراً يحتفل بمولد الخليفة الحاضر وهكذا لو تتبعت نشأة كل بدعة لوجدتها لا تظهر أول ما تظهر إلا في مثل هذا الغلاف المقبول ومما يلاحظ في الآونة الأخيرة ظهور احتفالات باسم أسبوع فلان أو شهر فلان أو مرور كذا سنة على الحركة الفلانية أو بعبارة بهذا المعنى ومثل هذه الاحتفالات التي تعد فيما يبدو للناس إنما هي مجرد ذكرى لأولئك المجددين والمصلحين وإحياء لدعوتهم وحركتهم الإصلاحية ولكنها سوف تتحول على المدى البعيد والله اعلم إلى جنس الاحتفالات التي تسمى اليوم عند العوام وأشباههم الاحتفالات الدينية هكذا أتصور والله اعلم
فلنعد إلى البصرة حيث نشأة الصوفية ثن انتقلت منها إلى المدن الأخرى بالعراق ثم إلى الأقطار المجاورة للعراق وهكذا حتى انتشرت الصوفية في دنيا المسلمين وهي تتظاهر بالعبادة والزهد .
ولم يطل الزمن كما يحدثنا شيخ الإسلام حتى انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة والمرتزقة وهذه المتصوفة المنتشرة في العالم الإسلامي من أولئك المبتدعة والزنادقة كالحلاج الذي قتل أخيراً بسبب زندقته وابن عربي وغيرهم من كبار مشايخ الصوفية وسيأتي نقل بعض نصوصهم الكفرية إن شاء الله
وقد شوهت هذه الطائفة ( الصوفية ) جمال الدين وغيرت مفاهيم كثيرة من تعاليم الإسلام لدى كثير من المخدوعين الذين يحسنون الظن بكل ذي عمامة مكورة وسجادة مزخرفة وسبحة طويلة ويستسمنون كل ذي ورم فأخذوا يحاولون أن يفهموا الإسلام بمفهوم صوفي بعيد عن الإسلام الحق الذي كان عليه المسلمون الأولون قبل بدعة التصوف وبدعة علم الكلام وغيرهما من البدع التي شوشت على السذج وحالت بينهم وبين المفهوم الصحيح للإسلام
وإليكم بعض المفاهيم التي غيرتها الصوفية :
***مفهوم الدين الإسلامي عند الصوفية :
ينقسم الدين الإسلامي عند الصوفية إلى قسمين :
الأول : الشريعة التي تضمنها الكتاب والسنة :
وهي في زعمهم للعوام أو لغير الواصلين ويسمون علماء الشريعة علماء الرسوم استخفافاً بهم بل يسمون الشريعة القشر الظاهري وهو قليل الجدوى وأما اللب الداخلي المقصود بالذات فهي تلك الحقيقة التي اختص بها كبار مشايخ الصوفية وهي التي سوف نتحدث عنها في الفقرة التالية .
ثانياً : الحقيقة :
وهي خاصة بطبقة الواصلين كما تقدم وهي شيء آخر غير الشريعة وأعلى من الشريعة وأخص لأن الشريعة إنما يلتزمها العوام وأشباه العوام من علماء الرسوم كما زعموا وبئس ما زعموا
وهذه الحقيقة المزعومة يرى بعضهم أنها علم التصوف ويسمون تلك البدعة علماً وهي ليست من العلم في شيء بل التصوف في الحقيقة عبارة عن طقوس مجمعة من البوذية والهندوكية واليهودية وهي بعيدة عن الإسلام كل البعد ولا يتردد في ذلك إلا مريض القلب بمرض الوثنية أو إنسان ضعيف المعرفة بالدين فالمتصوفة طائفة مادية تريد أن تعيش تحت ستار العبادة وعبادتهم في الواقع عبارة عن عبث وأنواع من الرقصات فهم من الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وقد سموا تلك الرقصات ذكراً لتقبل وتروج ولكن على السذج وأما طلاب العلم أصحاب البصيرة فلا تنطلي عليهم مثل هذه التسمية .
والله اعلم
|