هل نحن مجتمع «خرافي».. حقاً.. ؟!
أ. أحمد عائل فقيهي
(1)
تحمل الصحف والمجلات السعودية وبشكل يكاد أن يكون يومياً، أخباراً عن السِحر، والمسحّرين والشعوذة والمشعوذين، ونقرأ بين ثنايا القصص والحكايات التي تكتب، والتي تروى ونسمعها أيضاً، ما يجعل أي إنسان يرى بضرورة استخدام العقل وجعله مقياساً لمدى تفكير هذا عن ذاك وآليات التفكير التي تدلّل على المدى الذي وصل إليه عقل هذا الإنسان وهل هذا «العقل» مجبول على صناعة الخير أم صناعة الشر؟ هل عنده ولديه «الرغبة» في التعمير أم «الرغبة» في التدمير؟!
.. هذه المقدمة تقودني إلى الحديث عن ظاهرة أعدّها من أهم وأبرز الظواهر الاجتماعية السعودية التي تلفت النظر وتثير المتابعة والاهتمام وهي ظاهرة السحر والسحرة، والشعوذة والمشعوذين.. وبرامج تفسير «الأحلام» التي تبثها إحدى القنوات السعودية «المهاجرة» تستضيف في هذه البرامج بعض العلماء والشيوخ الذين يقومون بقراءة الأحلام التي يراها شريحة كبيرة من المجتمع أثناء نوم الليل أو نوم الظهيرة وتقدم بعد قراءتها، من قبل هؤلاء العلماء والشيوخ والمفسرين بصورة أخرى تنتقل وتسجل بلغة سينمائية، ويتم فك شفرتها السينمائية (الغامضة) فإذا بنا أمام رؤية سينمائية أخرى مختلفة عن تلك المشاهد التي رآها المُشاهد والتي تتحول إلى ثقافة الخرافة تغلب العاطفة على العقل
وتستبدل عالم الواقع بعالم الغيب حقيقة ثابتة في ذاكرته ووجدانه، ويصدِّق كل ما يقال -سواء رجل أو امرأة- ويعيش هذا المشاهد والمتصل التعيس والباحث عن أمل صغير، وعن نقطة ضوء تضيء تجربته أو تجربتها مشكلته أو مشكلتها وتتحول بعد ذلك إلى حل «أخير» ونتيجة غير قابلة للنقاش.
(2)
إن الذين يبحثون عن حل لمشاكلهم الأسرية والعاطفية، والذين يعتقدون بالتفريق بين زوج وزوجته، وأخ وأخيه، وأم وابنها، من أطراف هي من مصلحتها إحداث حالة التفريق والفراق داخل العائلة الواحدة، مثلاً- ومثالاً، هم يمثلون شرائح اجتماعية في مجتمعنا السعودي خارجين عن الواقع وذاهبين إلى عالم الخرافة، وتمثل هذه الثقافة المغيِّبة، ذهنية الخرافة التي تقودهم إلى ممارسة هذه الأعمال والذين يمارسون السحر والشعوذة والذين يبحثون عن حل من خلالها، وعبر صانعيها ومروجيها لعقدهم النفسية وتخلفهم العقلي ومآزقهم الداخلية والخارجية.
إنها ثقافة الخرافة التي بدأت تنتشر ليس بين البسطاء والدهماء والأميين في المجتمع ولكنها بدأت تنتشربين أكثر المتعلمين بل إن هناك طبقة اجتماعية في المجتمع السعودي ترى في هذا التفكير الخرافي تعبيراً عن حالة ذهنية أيضاً، و«الصوفية» والدروشة، تدخل في شيوع ثقافة الخرافة والتي تقوم بتغليب العاطفة، على العقل، وتستبدل عالم الواقع بعالم الغيب أو العالم الآخر.
(3)
إن شيوع وانتشار ووجود ظاهرة السحر والسحرة والشعوذة والمشعوذين وتفسير الأحلام الهاربة من الواقع، ومجالس الصوفية والدروشة، يدل على أن ثقافة الخرافة وذهنية النص المكتوب -السحر- وتفسير الحلم، كلغة شفوية، هو تعبير عن ذهنية اجتماعية لديها «إيمان» بكل ما هو «خرافي» وصنع «واقع» يقوم على تصديق تفسير الحلم.. وانتقاله من مرحلة الحلم إلى مرحلة «الواقع».. وتهديم ما هو حقيقي وحق، لجعله باطلاً، وعلى غير هوى «الساحر» وصاحب السحر، والهروب والإقلاع من الواقع باتجاه واقع آخر، غير موجود كما هو في حالة جلسات الصوفية والدروشة.
وكل هؤلاء ليس لديهم القدرة على مواجهة الأخطاء ولا المقدرة على معالجة الخطايا، وهو ما يؤكد أن ثقافة «الخرافة» تشكل جزءاً من سلطة الماضي والعادات والتقاليد البليدة والبالية، وتغييب العقل عن حل أبسط الأمور والقضايا وأعقدها.
.. هل نحن مجتمع خرافي في هذا العصر الذي لا يؤمن إلا بسلطة المعرفة وسلطة العقل والذي لا تتعزز قيمة المجتمعات فيه إلا من خلال توظيف هذه المعرفة في البناء والتنمية والتقدم لا في توظيفها في مزيد من صياغة وصناعة مجتمع الأحلام الهاربة والخرافة والجهل.
منقوول من جريدة عكاظ
|