رابعا :- تفسير القرطبي :-
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة " وَمَنْ يَعْشُ " بِفَتْحِ الشِّين , وَمَعْنَاهُ يَعْمَى ; يُقَال مِنْهُ عَشِيَ يَعْشَى عَشًا إِذَا عَمِيَ . وَرَجُل أَعْشَى وَامْرَأَة عَشْوَاء إِذَا كَانَ لَا يُبْصِر ; وَمِنْهُ قَوْل الْأَعْشَى : رَأَتْ رَجُلًا غَائِب الْوَافِدَيْ نِ مُخْتَلِف الْخَلْق أَعْشَى ضَرِيرَا وَقَوْله : أَأَنْ رَأَتْ رَجُلًا أَعْشَى أَضَرَّ بِهِ رَيْب الْمَنُون وَدَهْر مُفْنِد خَبِل الْبَاقُونَ بِالضَّمِّ ; مِنْ عَشَا يَعْشُو إِذَا لَحِقَهُ مَا يَلْحَق الْأَعْشَى . وَقَالَ الْخَلِيل : الْعُشُوّ هُوَ النَّظَر بِبَصَرٍ ضَعِيف ; وَأَنْشَدَ : مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْء نَاره تَجِد خَيْر نَار عِنْدهَا خَيْر مُوقِد
وَقَالَ آخَر : لَنِعْمَ الْفَتَى يَعْشُو إِلَى ضَوْء نَاره إِذَا الرِّيح هَبَّتْ وَالْمَكَان جَدِيب
الْجَوْهَرِيّ : وَالْعَشَا ( مَقْصُور ) مَصْدَر الْأَعْشَى وَهُوَ الَّذِي لَا يُبْصِر بِاللَّيْلِ وَيُبْصِر بِالنَّهَارِ . وَالْمَرْأَة عَشْوَاء , وَامْرَأَتَانِ عَشْوَاوَانِ . وَأَعْشَاهُ اللَّه فَعَشِيَ ( بِالْكَسْرِ ) يَعْشَى عَشًى , وَهُمَا يَعْشَيَانِ , وَلَمْ يَقُولُوا يَعْشُوَانِ ; لِأَنَّ الْوَاو لَمَّا صَارَتْ فِي الْوَاحِد يَاء لِكِسْرَةِ مَا قَبْلهَا تُرِكَتْ فِي التَّثْنِيَة عَلَى حَالهَا . وَتَعَاشَى إِذَا أَرَى مِنْ نَفْسه أَنَّهُ أَعْشَى . وَالنِّسْبَة إِلَى أَعْشَى أَعْشَوِيّ . وَإِلَى الْعَشِيَّة عَشَوِىّ . وَالْعَشْوَاء : النَّاقَة الَّتِي لَا تُبْصِر أَمَامهَا فَهِيَ تَخْبِط بِيَدَيْهَا كُلّ شَيْء . وَرَكِبَ فُلَان الْعَشْوَاء إِذَا خَبَطَ أَمْره عَلَى غَيْر بَصِيرَة . وَفُلَان خَابِط خَبْط عَشْوَاء .
وَهَذِهِ الْآيَة تَتَّصِل بِقَوْلِهِ أَوَّل السُّورَة : " أَفَنَضْرِب عَنْكُمْ الذِّكْر صَفْحًا " [ الزُّخْرُف : 5 ] أَيْ نُوَاصِل لَكُمْ الذِّكْر ; فَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذَلِكَ الذِّكْر بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ إِلَى أَقَاوِيل الْمُضِلِّينَ وَأَبَاطِيلهمْ
" نُقَيِّض لَهُ شَيْطَانًا " أَيْ نُسَبِّب لَهُ شَيْطَانًا جَزَاء لَهُ عَلَى كُفْره " فَهُوَ لَهُ قَرِين " قِيلَ فِي الدُّنْيَا , يَمْنَعهُ يَمْنَعهُ مِنْ الْحَلَال , وَيَبْعَثهُ عَلَى الْحَرَام , وَيَنْهَاهُ عَنْ الطَّاعَة , وَيَأْمُرهُ بِالْمَعْصِيَةِ ; وَهُوَ مَعْنَى قَوْل اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ فِي الْآخِرَة إِذَا قَامَ مِنْ قَبْره ; قَالَهُ سَعِيد الْجُرَيْرِيّ . وَفِي الْخَبَر : أَنَّ الْكَافِر إِذَا خَرَجَ مِنْ قَبْره يُشْفَع بِشَيْطَانٍ لَا يَزَال مَعَهُ حَتَّى يَدْخُلَا النَّار . وَأَنَّ الْمُؤْمِن يُشْفَع بِمَلَكٍ حَتَّى يَقْضِي اللَّه بَيْن خَلْقه ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ .
وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : و الصَّحِيح فَهُوَ لَهُ قَرِين فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم وَالْأَزْهَرِيّ : عَشَوْت إِلَى كَذَا أَيْ قَصَدْته . وَعَشَوْت عَنْ كَذَا أَيْ أَعْرَضْت عَنْهُ , فَتُفَرِّق بَيْن " إِلَى " و " عَنْ " ; مِثْل : مِلْت إِلَيْهِ وَمِلْت عَنْهُ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَة : يَعْشُ , يُعْرِض ; وَهُوَ قَوْل الْفَرَّاء . النَّحَّاس : وَهُوَ غَيْر مَعْرُوف فِي اللُّغَة . وَقَالَ الْقُرَظِيّ : يُوَلِّي ظَهْره ; وَالْمَعْنَى وَاحِد . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْأَخْفَش : تُظْلِم عَيْنه . وَأَنْكَرَ الْعُتْبِيّ عَشَوْت بِمَعْنَى أَعْرَضْت ; قَالَ : وَإِنَّمَا الصَّوَاب تَعَاشَيْت . وَالْقَوْل قَوْل أَبِي الْهَيْثَم وَالْأَزْهَرِيّ . وَكَذَلِكَ قَالَ جَمِيع أَهْل الْمَعْرِفَة .
وَقَرَأَ السُّلَمِيّ وَابْن أَبِي إِسْحَاق وَيَعْقُوب وَعِصْمَة عَنْ عَاصِم وَعَنْ الْأَعْمَش " يُقَيِّض " ( بِالْيَاءِ ) لِذِكْرِ " الرَّحْمَن " أَوَّلًا ; أَيْ يُقَيِّض لَهُ الرَّحْمَن شَيْطَانًا . الْبَاقُونَ بِالنُّونِ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس " يُقَيِّض لَهُ شَيْطَان فَهُوَ لَهُ قَرِين " أَيْ مُلَازِم وَمُصَاحِب . قِيلَ : " فَهُوَ " كِنَايَة عَنْ الشَّيْطَان ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَقِيلَ عَنْ الْإِعْرَاض عَنْ الْقُرْآن ; أَيْ هُوَ قَرِين لِلشَّيْطَانِ .
|