ومن مقتضيات الموافقة مع الفطرة العمل بما يهدي إليه العقل وتؤكده التجربة. والأخذ بالوسطية والاعتدال، والإقبال على الطيبات، والنفــــور من الخبائث، واتباع اليسر في الأعمال والتكاليف، وتحقيــق المصالح ودرء المفاسد، ولاسيما في التشريع لأن المجتمعات تتطور، والبيئات تختلف، ولابد من تحكيم المقاصد العليا للشريعة، لا التقيد بأحكام إن كانت صالحة لزمانها فإنه ليس من الضروري أن تصلح لزمن آخر.
وليس بين ظواهر النبوات المتعاقبة في التاريخ المدون ظاهرة موثقة بأقوى وسائل التوثيق التاريخي كالرسالة المحمدية، لاسيما ودليلها هو القرآن الذي يمكن الرجوع إليه، وإثبات كونه وحياً من الله بأكثر من دليل.
ومن المطلـوب منهجياً أن يقف المــرء على مفهـوم الديـن في النص القرآني، وعلى ما لـه من مضامين مختلفة ليتأكـد من خلالها أن القـرآن صـادر عن وحي إلهـي، وأنه حـين يخاطب كل العقائـد والملل التي كانت معروفــة يومئذ فإنه لم يتأثر بأي منهما، ولاسيما باليهودية والنصرانية التي ادعى قساوسة الكنيسة فيما بعد أن الرسول تأثر بها وحرفها. والقرآن نفسه يشير إلى هذه الدعوى الباطلة ويرد عليها في أكثر من موضع في القرآن.
فما هو مفهوم الدين في النّص القرآني ؟. إن تحديد هذا المفهوم يلقي الضوء الكاشف على المفهوم الذي تنطلق منه كل الأديان السماوية، فضلاً عن الدين الإسلامي نفسه ؟.
لقد استعمل القرآن الكريم لفظ الدين زهاء ثمانين مرة وفي سياقات متعددة، يمكن الاستنتاج من أمثلتها أن لفظ الدين دل فى القرآن على عدة معان تجاوزت ما حصره بعض العلماء المتقدمين لهذا اللفظ ؛ وهي الطاعة والجزاء والملة. لقد ورد لفظ الدين بمـعنى الطـاعة في آيـات متعـددة، منـها على سـبيل المـثال قـوله تعالـى : { وله ما في السماوات والأرض، وله الدين واصـبا }(21)، وقوله تعالى : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين }(22).
وورد بمـعنى المـلة والـديانة مهما كان مذهبها وعقيدتها، مثل قوله تعالى : { لكم دينكم ولـي ديـن }(23)، وقوله تعالى : { قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم }(24)، وقوله تعالى : { وذَرِ الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً }(25).
وورد بمعنى التوجه المخلص إلى الله رغبة ورهبة، ومن قوله تعالى : { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين }(26)، وقوله تعالى : { وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين }(27).
وورد لفظ الدين بمعنى الشريعة الإلهية المنزلة الجامعة بين الإيمان والعمل كـالإسـلام، ومـن قـوله تـعالى : { أم لهـم شـركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله }(28)، ومنه قوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت علـيكم نعمتي ورضيـت لكم الإسلام دينا }(29).
ولنا ملاحظتان تنبغى الإشارة إليهما، أولاهما أن تحديد المعنى الدقيق للفظ "الدين"، من بين الدلالات المشار إليها سابقاً يعود إلى سياق اللفظ داخل الآية القرآنية، وأنه في جميع هذه السياقات يتراوح المفهوم بين التخصيص والتعميم، وبين المعنى الاصطلاحي الذي جاء به الاسلام، وبين المعنى اللغوي العام، والملاحظة الثانية أن لفظ الدين اصطلاحاً يطابق الإسلام في مثل قوله تعالى : { إن الدين عند الله الإسلام }(30)، وقوله تعالى : { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض }(31)، وقوله تعالى : { إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون }(32).
فأمامنا إذن مفهوم خاص "للدين" يستعمله القرأن غالباً، وهو الذي يطابق معنى الإسلام. ومفهوم عام يعني الملة أو الطاعة لله تعالى، والانقيـــاد لألوهيتـه، باختيار إرادي من الإنسان، أي عن تصديق واقتناع بما جاء به الدين.
والإسلام بهذا المعنى الشامل يمكن أن يعنى كل الأديان السماوية، باعتبارها سلسلة رسالات متعاقبة تتفق في العقيدة وتختلف في الشريعة(33). وقد أوضح القرآن بكيفية واضحة أن "الدين" بهذا المعنى رافق مسيرات البشرية منذ البداية، ولاسيما بعد تلقي آدم أمر الاستخلاف في الأرض وتحمله للأمانة العظمى من دون سائر الأكوان.
والإسلام باستحضار كل هذه المعاني، دين كوني، يعني إسلام الكون لخالقه اضطراراً، وإسلام الإنسان لخالقه اختياراً، ليستحق الجزاء على موافقته أو مخالفته، قال تعالى : { أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً. وإليه ترجعون }(34).
لذلك انطلق العلماء والمفكرون المسلمون في تحديد الدين وبيان حقيقته من هذه المعطيات القرآنية. وأجمعوا على أن الدين هو وضع إلهى سائق لذوي العقول، باختيارهم إياه، إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل، وهو يشتمل العقائد والأعمال(35).
وقد اخترنا من تحليل العلماء المسلمين لظاهرة "الدين" بمعناه القرآني ثلاثة نماذج متكاملة فيما بينها.
أولها للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي، الذي يرى أن كل شيء في الكون، ولاسيما عالم الأحياء، يسعى نحو كماله عبر مراحل من التطور والتدرج، حتى يبلغ الغاية التي لا مزيد عليها في تكوينه الجسماني، وقـواه الغريزية الحيوية، للحفاظ على ذاته وعلى نوعه وكماله، فكل كائن له مسيره الخاص ومجهز بقوانين ذاتية لاستكمال وجوده. والإنسان غير مستثنى لا من هذا القانون العام، ولا مـن هـذا التـطور السائر نحو الكمال، وهو المعبر عنه قرآنياً بالهداية، قال تعالى : { ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى }(36)، إلا أن الإنسان يتميز عن سائر الكائنات بكونه أكثر احتياجاً إلى أسباب اكتماله وارتقاء نوعه، ووصوله إلى الغايات القصوى من وجوده، فهو لا يقدر على تتميم كل نواقصه، وسد كل حاجاته، إلا بالاجتماع المنزلي والمدني بشكل منتظم ومستقر، يتضامن فيه مع غيره، لتحقيق مآربه والتعاون على تحقيق مصالحه. غير أن هذا الاجتماع الذي تقتضيه الضرورة المعاشية والدوافع الغاذية للإنسان، تقف في وجهه ضرورة أخرى، لا ينفك الطبع الإنساني عنها، وهي الاختلاف في مدارك العقول وتقويم المصالح وتنازع الأهواء وتدافع الرغبات. وهكذا يبدو أن الاختلاف والتنازع فطري في الإنسان بقدر ما هو فطري أيضاً حب الاجتماع والتعاون، وتزاحم فطرتين أو تعارض ضرورتين يقتضي حكماً خارجاً عنهما أو فوقهما، مصدره فوق العقل والغريزة، وهو الدين الذي يمثل الهداية الإلهية لهذا الإنسان، ليتغلب بها على تناقضاته الغريزية، ولذلك قال الله تعالى : { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيئين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم. فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من ي
|