عرض مشاركة واحدة
قديم 24-Mar-2007, 07:55 PM   رقم المشاركة : ( 7 )
عضو مبدع

الصورة الرمزية القعقاع

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 12360
تـاريخ التسجيـل : Feb 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 282 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : القعقاع is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

القعقاع غير متواجد حالياً

إلى صراط مستقيم }(37).

إن التنافي بين دافعين فطريين لا يضر إذا كان فوقها ثالث يحكم بينهما، ويحقق العدل بين تأثيرهما ؛ فسلوك فطرة الإنسان نحو الاجتماع المدني ثم سلوكه الذي يطبعه الاختلاف يؤديان إلى التناقض، ولكن الله يبعث الأنبياء والرسل ليرفعوا ذلك التناقض بالشريعة التي تضمن التوازن والعدل. فمحصل معنى الآية الآنفة الذكر أن الناس أمة واحدة من حيث حاجتهم إلى الاجتماع المدني، وهو يوجب الاختلاف، فلذلك بعث الله الأنبياء وأنزل الكتاب.

ثم انتهى العلامة الطباطبائي من تحليل هذا المعنى إلى النتيجة التالية : وهي أن الدين هو سلوك في الحياة يتضمن صلاح الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي. ولابد في الشريعة من قوانين تنظم أحوال المعاش على قدر الاحتياج، وأيضاً فإن الدين الإلهي لم يزل يستكمل حلقاته ليستوعب بقوانينه وأحكامه جهات الاحتياج في الحياة، فإذا استوعبها ختم ختماً فلا دين بعده(38).

والنموذج الثاني للعلامة التونسي محمد الطاهر بن عاشور الذي يرى أن الدين الإلهي منذ ظهوره الأول إلى ختم الرسالة يتضمن قصداً واحداً، هو حفظ نظام العـالم الإنـساني، وصـلاح أحـواله، فالـصلاح مـراد للـه تـعالى. قـال تعـالى : { وإذا تـولى سعـى فـي الأرض ليفـسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد }(39)، وقال على لسان بعض رسله : { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت }(40).

من أجل ذلك لم تزل الشرائع تضبط تصرفات الناس في هذا العالم بقوانين مانعة من مغالبة الميول النفسانية في حالي الغضب والشهوة ومن مواثبتها، بحسب ما تدعو إليه الحكمة والرشد. وتلك المغالبة والمواثبة تحصل عند التزاحم والتسابق لتحصيل الملائم ودفع المنافر، فوظيفة الدين تعليم أتباعه، وهدايتهم إلى ما فيه صلاحهم عاجلاً أو آجلاً. ولما كان المجتمع الإنساني مكوناً من أفراد يقتربون ويبتعدون من درجة التطبع بالأخلاق الدينية، كان إصلاح هذا المجتمع غير حاصل إلا بإصلاح أجزائه التي هي نفوس أفراده، فيلزم ذلك أن يكون إصلاح تلك النفوس مبنياً على مراعاة أحوالها وفطرتها. والمقصود بالفطرة ما خلق الإنسان عليه في ظاهره وباطنه، وما طبع عليه تكوينه، جسداً وعقلاً ؛ فإذا كان الإنسان قد فطر على أن يمشي على قدميه، فإن مشيه على يديه مخالف للفطرة، وكذلك فطر الإنسان أن يعمل بيديه، فالعمل بغيرهما مناف للفطرة، وكذلك استنباط الأسباب والعلل من المسببات والمعلولات هو من طبيعة العقل، ومحاولة استنتاج الشيء من غير سببه أو بناء العلم على غير دلائله ليس من فطرة الإنسان(41).

وأما النموذج الثالث فهو للإمام الشيخ محمد عبده، وهو يسلك في الاستدلال على حاجة البشر إلى "الدين" الإلهي مسلكين :

أولهما استحضار الإجماع العام من لدن جميع المفكرين في كل ملة وفلسفة على أن للإنسان حياة بعد موته، وأن لروحه بقاء بعد مفارقتها للجسد. وهذا الاعتقاد راسخ لدى معظم الناس في مختلف العصور والبلدان، بدليل وجود ذلك في التراث الشفوي والكتابي بكل اللغات. ولذلك كان من حكمة الله أن يدل الإنسان على حقيقة هذا البقاء، فاختص طائفة من البشر لتبليغ هذه الهداية، وإخراج الإنسان من الحيرة في مسألة المعاد، وأن الغاية منه هو الجزاء العادل على ما قدم الإنسان في دنياه من أعمال. وهذا الاستدلال يؤكد ما للدين معنى الجزاء.

وثاني المسلكين يعتمد النظر في أحوال المجتمع الإنساني، وقيامه بالضرورة على التعاون بين جميع أفراده، وهذا الاجتماع يقتضي بالضرورة أيضاً التنازع حول المصالح بدافع الغزيرة. وبحكم ما للإنسان من ضمير حـي أو عقل مستنير، فإنه يدرك معنى العدل ويسعى أحياناً إلى الامتثال لسلطانه، ولاسيما حين يكون مظلوماً. وبما أن فقدان التوازن بين الأفراد والجماعات، فيما يخص التهالك على الملذات والصراع حول المصالح بدون أن تنفع في تحقيقه قوانين أو سلطة نافذة لأنهما لا يقومان إلا على حماية الأقوياء، ولا تكون إلا من صنع طبقة اجتماعية سائدة، فإن الحيرة تنتاب العقلاء عن معنى الحياة التي يجور فيها القوي على الضعيف، ويستغل فيها الإنسان أخاه الإنسان، دون مرجعية يخضع لها الجميع، فاقتضت حكمة الله ورحمته بالإنسان أن يهديه وسط هذا الصراع الدائر إلى ما يحفظ الهيأة الاجتماعية من الاندثار والانحلال، ومن شريعة الغاب، وذلك بإنزال الشريعة التي تتنزه عن مراعاة طائفة من المجتمع على حساب أخرى، أو عن إيثار مصالح فئات على مصالح فئات أخرى، وهذه هي الغاية من "الدين" حينما يعزز العقيدة بالشريعة. وإذا سلمنا بهذه المقدمات وجب الإقرار بما يترتب عليهما من ضرورة الدين للبشرية.

فإذا اعترض معترض : لماذا لم يزل الناس حتى بعد مجيء الأديان السماوية الهادية إلى العدل والتوازن، يعيشون نفس الصراع والتدافع بدل التناصف، ولاسيما بالنسبة للمسلمين ؟. أجيب بأن المسلمين في العهد النبوي كانوا يشعرون بما عليهم من مراقبة روحية ويلتزمون بتوجيه الرسول# وبحكمه في كل شؤونهم، وأنه بعد ذلك تراخى بهم الزمن، وضعفت لديهم المراقبة الذاتية التي هي أخص خصائص "الدين"، لأن منزلة النبوة في العهد الأول بمثابة العقل في الشخص، أو بمثابة البصر عنده. فلما ولّى عهد النبوة تغلبت الأهواء على تلك القـوة المبصرة، كما يغشى العين ما يغشاها من الأمراض التي تحول دون الرؤية السليمة.

وينتهي محمد عبده إلى القول بأن الدين أشبه بالبواعث الفطرية الاجتماعية منه بالدواعي الاختيارية، وقد يعرض له من العلل ما يعرض لغيره من القوى والملكات الإنسانية.

يبقى أمامنا أن نستحضر في هذا السياق أن "الدين" قد واجه خصمين لدودين في الظاهر منذ أكثر من ألفي سنة، أولهما هو "الفلسفة" التي عجزت عن أن تجد في الاستدلال العقلي المحض ما يثبت الحقائق الدينية، ابتداء من فلسفة اليونان، وانتهاء بفلسفات العصور الحديثة. وهذا لا يعني أنهما لم يلتقيا بالمرة تلاقي تكامل لدى بعض الفلاسفة من المسلمين والمسيحيين، إلا أنه كان تلاقياً عجز عن تذويب الحاجز المنيع بينهما، لأن الفلسفة مرجعها "العقل" وحده، والدين مرجعه الوحي الذي يفوق مدارك العقل.

وأما الخصم الثاني اللدود، فهو "العلم الحديث" الذي يعتمد مرجعية أخرى هي التجربة والاستقراء للظواهر، والبحث عن قوانين الترابط فيما بينها، مكتفياً بمنهجه الصارم الذي لا يعترف بغير الطبيعة المادية للكون. وقد استطاع العلم اليوم أن يوجه ضربات موجعة إلى العقائد الدينية، ولاسيما حينما كشف أن الكثير مما اعتقده الناس قبل العصر الحديث أو تصوروه عقلياً هو من قبيل الخرافة.

والواقع أن تصادم "العلم" مع الدين إنما بدأ مع الدين المسيحي أو مع الفكر "الكنسي" المسيحي منذ عصر النهضة الأوروبية، وما تلاها من قرون إلى اليوم ؛ لأن العقيدة المسيحية كما صاغها آباء الكنيسة كانت تتصادم مع العقل ومع العلم تصادماً لم يفلـح في تجـاوزه كبار الفلاسفـة المسيحيـين المحدثـين أنفسهـم. ومن ثم بدأ التمـرد علـى "الدين" المسيحي في عصر الأنوار، وهو القرن الثامن عشر في أوربا، وفي فرنسا على وجه الخصوص. وقد سمي عصر الأنوار كذلك لظهور الأفكار الجرئية خلاله، والتي أخذت تقوض الخرافات والمعتقدات الوهمية بمعول العقل وأنوار العلم.

والواقع أننا نواجه في تحديد طبيعة الدين وغايته اختلافاً واسعاً بين الناظرين إليه والمعنيين بالبحث فيه، من علماء وفلاسفة ومتكلمين وباحثين، بل إننا نجد الاختلاف كبيراً حتى فى أوساط المتدينـين، وبين أهل الدين الواحد أنفسهم، ولذلك فالوصول إلى رأي مشترك حول طبيعة الدين من أشق الأمور، وبرغم ذلك فإن اتباع المنهجية العلمية يقربنا إلى الحقيقة. وهذه المنهجية ذات توجهين مستقلين :

فإما أن نأخذ توجهاً منهجياً داخلياً يعتمد الاعتقاد بالحقيقة الإلهية، والتدرج منها إلى الاستدلال على ما تقتضيه من حكمة وهداية للخلق، لانتشال العالم من العبثية والضياع، وحينئذ ينظر في حقيقة الدين في ضوء ما يحققه من هذه الغاية القصوى من وجود الإنسان، وإما أن يعتمد التوجه المنهجي الخارجي الذي يتذرع بالموضوعية العلمية بإنكار الحقيقة الإلهية، واعتبار الكون مادة أزلية لا هدف من وجودها، ولا قيم تترتب عليها، وحينئذ ينتهي المطاف إلى اعتبار "الدين" من صناعة البشر حسب ما تقتضيه مصالحهم في كل عصر من العصور. وليس يوجد قاسم مشترك بين الاتجاهين، وبذلك يظل "الدين" محكوماً بإحدى نظرتين ؛ نظرة المؤمنين الذين يستدلون على صدق الرسالات السماوية بمختلف الأدلة العقلية والنقلية، ونظرة الملحدين الذين يتبين من حجاجهم أنهم يفتقدون حاسة الإيمان. ومن المعلوم أن عدم الإحساس بالشيء لا يقوم دليلاً على عدم وجوده(42).

هذا ما يدعونا اليوم على نحو أكثر إلحاحاً إلى تقييم ظاهرة الدين من منظور شمولي يلائم هذه الظاهرة في تعدد أبعادها وتعقيدها، ويتجاوز المنهج الاجتماعي والفلسفي الذي تقيد بتراكمات التجربة الدينية إلى حـد الجمع بين الصحيح والزائف منها.

يجب أن يكون أصل النظر إلى" الدين" هو الإيمان بوجود "المطلق" الذي هو "اللـه"، فإذا آمنا بوجود هذه الحقيقة المطلقة سلمنا بوجود "علاقة" قائمة بين الله خالقاً ورباً للعالمين، وبين الإنسان بوصفه مخلوقاً مربوباً، وكائناً مؤهلاً لاستيعاب هذه الحقيقة، وقادراً على تجسيد إيمانه بما يتناسب وعمق هذا الإيمان ورحابته، ولنا أن نعتبر هذه العلاقة هي العقيدة الدينية في صورتها المثلى.

وهناك افتراضان لا ثالث لهما، أحدهما أن "الحقيقة الإلهية" تعني كمالها المطلق الذي يتضمن الحكمة من خلق الكون، وإبداع الإنسان. وفي هذه الحالة لا يمكن إلا أن يكون خالق الإنسان قد ألهمه الهداية إليه، وفطره ابتداء على الإيمان به ليتحقق القصد من خلق العالم على أساس العبودية لله. والثانية أن يكون الإنسان قد خلق سدى، وجعل هملاً، فيكون خلق الله خالياً من الحكمة، عديم القصد والغاية، بل ويكون وجود هذا الإنسان مجرد حركة دائرية مفرغة من الحياة والموت، والكون والفساد، والتركيب والانحلال. والعقل الإنساني يرفض هذا التصور، بالدلائل الكونية والطبيعية والعقلية. وحينئذ لا يبقى في ميزان العقل الحصيف إلا التصور الأول الذي يؤمن بوجود الحق سبحانه، وبالحكمة من خلقه للكون، وهي حكمة لا تستكمل تجليها إلا في هداية كل الكائنات لحفظ وجودها وبلوغ الغاية من خلقها، إما بالغرائز والدوافع الأولية في عالم الحيوان، وإما بالغرائز والفطرة والعقل والقوى الروحية الأخرى في عالم الإنسان. وأدل دليل على هذا التوجيه الإلهي المسبق للإنسان، أنه خلقه في أحسن تقويم وعلمه البيان وسخر له الأكوان.

فباللغة التي خص بها الكائن الإنساني دون سواه كشف الإنسان عن كل فعالياته ؛ أي قدراته العقلية والوجدانية في احتواء الكون، وصياغة ما هو مستكن في ضميره ووعيه، من معارف وعلوم صياغة تجعل الزمان على امتداده اللانهائي لحظة واحدة بين سوالف الدهور وتعاقب العصور، في وعي مستمر بما حصدته تجارب الإنسان من علوم ومعارف، فكانت جسراً للعبور بالكائن الإنساني من الماضي السحيق إلى الحاضر، فإلى المستقبل، باللغة المكتوبة المورثة لكل علوم ومعارف السابقين واللاحقين. وبفضل هذه اللغة تواصل الإنسان مع الإنسان خارج نطاق الزمان والمكان.

إن اللغة التي لا يماري أحد في قيمتها المطلقة، هي خير شاهد على الهداية المسبقة من خالق الإنسان إلى الإنسان، وتأهيله للقيام بالأمانة الملقاة عليه. ومن ثم اقترن الدين باللغة في كل بيئة وزمان، فهما توأمان منذ فجر تاريخ هذا الإنسان.
  رد مع اقتباس
 
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42