{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا(1)يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا(2)وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا(3)وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا(4)وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا(5)وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا(6)وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا(7)}
سبب النزول:
نزول الآية (1):
{قل: أوحي ...}: أخرج البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم، ولكنه انطلق في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عُكَاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعوا إلى قومهم، فقالوا: ما هذا إلا لشيء قد حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا هذا الذي حدث، فانطلقوا فانصرف النفر الذين توجهوا نحو تِهَامة، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بنخلة، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء.
فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا، إنا سمعنا قرآناً عجباً، فأنزل الله على نبيّه: {قل: أوحي إلي} وإنما أوحي إليه قول الجن.
نزول الآية (6):
{وأنه كان رجال ..}: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ابن حين في العظمة عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة، وذلك أول مرة ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل، جاء ذئب، فأخذ حَمَلاً من الغنم، فوثب الراعي، فقال: عامر الوادي، جارك، فنادى مناد، لا نراه يا سِرْحان، فأتى الْحَمَل يشتد حتى دخل في الغنم، وأنزل الله على رسوله بمكة: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجنّ} الآية.
وأخرج ابن سعد عن أبي رجاء العطاردي من بني تميم قال: بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رعيت على أهلي، وكفيت مهنتهم، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم خرجنا هرباً، فأتينا على فلاة من الأرض، وكنا إذا أمسينا بمثلها قال شيخنا: إنا نعوذ بعزيز هذا الوادي من الجن الليلة، فقلنا ذاك، فقيل لنا: إنما سبيل هذا الرجل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، من أقرَّ بها، أَمِن على دمه وماله، فرجعنا فدخلنا في الإسلام، قال أبو رجاء: إني لأرى هذه الآية نزلت فيّ وفي أصحابي: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن، فزادوهم رهقاً}.
{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ} أي قل يا محمد لقومك: إن ربي أوحى إلي أن جماعة من الجن استمعوا لتلاوتي للقرآن، فآمنوا به وصدقوه وأسلموا {فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} أي فقالوا لقومهم حين رجعوا إِليهم: إنا سمعنا قرآناً عجيباً، مؤثراً في حسن نظمه، وبلاغة أسلوبه، وما حواه من بديع الحِكَم والعظات و{عَجَبًاً} مصدر وصف به للمبالغة، قال المفسرون: استمعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن في صلاة الفجر، ولم يشعر بهم ولا باستماعهم، وإنما أخبر به الرسول بواسطة الوحي بدليل قوله {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} ويؤيده ما قصه الله على نبيه في سورة الأحقاف من خبرهم {وإِذْ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين} والغرض من الإِخبار عن استماع الجن، توبيخ وتقريع قريش والعرب في كونهم تباطؤوا عن الإِيمان، إذ كانت الجن خيراً منهم وأسرع إلى الإِيمان، فإنهم حين ما سمعوا القرآن استعظموه وآمنوا به ورجعوا إلى قومهم منذرين، بخلاف العرب الذين نزل بلسانهم، فإنهم كذبوا واستهزؤوا وهم يعلمون أنه كلام معجز، وأن محمداً أمي لا يقرأ ولا يكتب، وشتان ما بين موقف الإِنس والجن!! {يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} أي يهدي هذا القرآن إلى الحق والرشاد والصواب فصدقنا به {وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا} أي ولن نعود إلى ما كنا عليه من الشرك، ولن نجعل لله شريكاً بعد اليوم من خلقه، قال الخازن: وفي الآية دليل على أن أولئك النفر كانوا مشركين {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا} أي تعالت عظمة ربنا وجلاله {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا} أي ليس له زوجة ولا ولد، لأن الزوجة تتخذ للحاجة، والولد للاستئناس، والله تعالى منزه عن النقائص {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا} أي وأن الأحمق الجاهل فينا كان ينسب إلى الله ما لا يليق بجلاله وقدسيته ويقول قولاً شططاً بعيداً عن الحق وحدِّ الاعتدال، قال مجاهد: السفيه هو إبليس دعاهم إلى عبادة غير الله {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} أي كنا نظن أن أحداً لن يكذب على الله تعالى لا من الإِنس ولا من الجن في نسبة الصاحبة والولد إليه، فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك، قال الطبري: وإنما أنكر هؤلاء النفر من الجن أن تكون قد علمت أن أحداً يجترئ على الكذب على الله لما سمعت القرآن، لأنهم قبل أن يسمعوه وقبل أن يعلموا تكذيب الله للزاعمين لله الصاحبة والولد كانوا يحسبون أن إبليس صادق، فلما سمعوا القرآن أيقنوا أنه كان كاذباً في ذلك فسموه سفيهاً {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ} أي كان خلائق من الإِنس يستجيرون برجال من الجن {فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} أي فزاد الإِنس الجن باستعاذتهم بهم إِثماً وطغياناً، وعتواً وضلالاً، قال أبو السعود: كان الرجل إِذا أمسى في واد قفر وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه - يريد الجن وكبيرهم - فإذا سمعوا بذلك استكبروا وقالوا: سدنا الإِنس والجن، فزاد الرجال الجن تكبراً وعتواً، فذلك قوله {فزادوهم رهقاً} {وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا} أي وأن كفار الإِنس ظنوا كما ظننتم يا معشر الجن، أن الله لن يبعث أحداً بعد الموت، فقد أنكروا البعث كما أنكرتموه أنتم.
|