و للحديث بقية
[align=center]أهل البيت بين الحقوق و الواجبات
إنّ الله -تبارك وتعالى- أكرم آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطهرهم، وذكرهم بخير في كتابه، قال الله -عزَّ وجل-: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )) [الأحزاب:33].
وعلمتم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أذكركم الله في أهل بيتي"(1) ، ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يحسنون القول في آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه -عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهم-، وأنهم لا يذكرونهم إلا بالذكر الجميل، وبالثناء الحسن.
قال أبو جعفرٍ الطحاوي -في عقيدة أهل السنة والجماعة-: "ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من كلِّ دنس، وذرياته المقدسين من كلِّ رجس؛ فقد برأ من النفاق"(2) ، ومفهوم هذا: أنَّ الذي يخالف ما ذكر إنَّ به لنفاقاً، إن لم يكن منافقاً خالصاً، وعكس النفاق الإيمان.
فحبّهم دين وإيمان وإحسان، وإنّ الله -عزَّ وجل- لمّا أنزل قوله -تعالى-: (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )) [الأحزاب:56]، سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليه، فقالوا: هذا السلام قد عرفناه فكيف نصلي عليك يا رسول الله؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: "قولوا: اللهم صلي على محمد، وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد؛ كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد"(3) ، فمن حقّ آل البيت أن نصلي عليهم كما نصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نسلم عليهم كما نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم يشاركونه -عليه الصلاة والسلام- في ذلك، والله
-سبحانه وتعالى- رفع درجتهم، فطهرهم تطهيراً.
إنَّ الصحابة الكرام عرفوا قدر آل البيت، وصرَّحوا بذلك لبيان حقوقهم العظيمة على كلِّ مؤمن، فأقسم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- للعباس بن عبدالمطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من آل بيت رسول الله -عليه الصلاة والسلام- أقسم عمر للعباس أنَّ إسلامه-أي: إسلام العباس- أحبُّ إليه من إسلام أبيه لو أسلم؛ وذلك لأنّ إسلام العباس أحبُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لعلي بن أبي طالب في أمر في مسألةٍ، فأجابه عليٌّ، فقال له عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قومٍ لست فيهم يا أبا الحسن، فمن حقهم علينا أن نقربهم، وأن نقترب منهم، وأن نعيش معهم وبينهم.
من حقوق آل البيت علينا أن نحبّهم، لحبّ الله -عزّ وجلّ- لهم، ولحبّ رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد قال -عليه الصلاة والسلام- للحسن قال له داعياً ربّ العزّة والجلال: "اللهم إني أُحبُّه فأحبَّه، وأحبَّ من يحبه"(4) ، وقال: "هما ريحانتاي(5) من الجنّة" (6) ، حبُّهم دين وإيمانٌ وإحسان.
من حقِّ آل البيت علينا: توليهم، وإكرامهم، واحترامهم، والبرُّ بهم، وتوقيرهم.
ومن الأحكام التي تتعلق بآل البيت التي لا بدَّ من ذكرها: أنهم يحرم عليهم الصدقات والزكوات، فيجب عليهم أن يمتنعوا عن تناول الصدقات؛ فإنّ الصدقة أوساخ الناس، وهم من أطهار الناس وأخيارهم، وثبت في الحديث أنَّ الحسن بن علي لمّا تناول تمرةً من تمر الصدقة قال له جده رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كخ، كخ(7) ، ارم بها أما علمت أنّا لا نأكل الصدقة"(8) ، وفي رواية قال: "إنّا لا تحلُّ لنا الصدقة"؛ فيحرم عليهم الصدقات والزكوات، وقد عوضوا عن ذلك بالأخذ من الغنائم والفيء من بيت مال المسلمين؛ لذلك يجب الاهتمام بكفايتهم.
ثم إنَّ من الأمور والأحكام التي لا بدَّ أن نراعيها أنّه لا يجوز الانتساب إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بحق، فلا يجوز أن يُدَّعى ذلك بالباطل، فإنّ كثيراً من الناس ينسب نفسه إليهم بأدنى قرينة، ويتباهى بنسبه، ويعلن ذلك بين الناس، ومعلوم أنّ الأنساب تحفظ، وتصان، وهذه محفوظة بما يعرف عند أهل الأنساب، ولكن لا يمتنع ثبوت بنسبٍ محفوظ، والطعن في الأنساب من الكفر، لا يجوز أن يطعن -أبداً- في نسب من كان من آل البيت إذا ثبت نسبه؛ فإن ذلك من الكفر.
وإن من جملة الأحكام التي ينبغي أن تذكر: أن الواحد من آل البيت لا بدّ أن يسلك مسلك أجداده، سيما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يتمسك بما كان عليه هذا النبي المطهّر صلى الله عليه وسلم علماً وعملاً ودعوة وعقيدة ومنهجاً وسلوكاً وزهداً وتقوى وهكذا…، ثم عليه أن يذكر قول ربنا -جلَّ شأنه-: (( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )) [الحجرات:13]، فلا يكون الفضل عند الله -سبحانه- بالنسب، ولا تكون المنزلة بالقرب، بل إن الرفعة إنما تكون بالعمل والتقوى، ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من بطَّأ به عمله لم يُسرع به نسبه(9) "(10) .
وآخر ما أذكره من الأحكام -على من ثبت نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم - أن يحرص على أن يزوّج بناته ممن يكافئوهنّ في الصلاح، والتقوى، والديانة، حفاظاً على هذا النسب الشريف، وصوناً له من الضياع والتدنيس.
إنهم آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين أمرنا إن نصلي عليه وعليهم في صلاتنا، والذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم: "كلّ سبب ونسبٍ منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي"(11) ، فهو نسب شريف مبارك.
فنسأل الله -عزَّ وجل- أن يوفقنا لأداء الحقوق التي علينا، وأن يجعلنا من هؤلاء الذين يعلمون ويعملون، والحمد لله ربّ العالمين.
________________
وبهكذا نكون قد انتهينا من المحور الأول لهذه الندوة ألا وهو "آل البيت"، وقد بدأنا به لأنَّ قرب آل البيت الأطهار من النبي صلى الله عليه وسلم، وإيمانهم به يجعل لهم من الحقوق والواجبات أكثر من غيرهم، فهم قرابته الذين آمنوا به.
ثم الساعة نثني بالمحور الثاني وهو الحديث عن: صحب النبي صلى الله عليه وسلم.
فلقد اختار الله -جلّ جلاله- الصحابة الكرام لصحبة خير رسله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ولذلك مدحهم وزكّاهم وعدّلهم، وكفى بذلك فضلاً لهم.
فعن فضائل الصحابة في الكتاب والسنّة
سيكون موضوعنا القادم
سنعـــــــود بإذن الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أي: احفظوهم، فلا تؤذوهم، وكونوا معهم، ولا تخذلوهم، وقد سبق تخريجه (ص10).
(2) "شرح العقيدة الطحاوية" (ص490).
(3) رواه البخاري، وانظر "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم" لشيخنا الإمام الألباني -رحمه الله- (ص130).
(4) رواه البخاري، ومسلم.
(5) يعني: الحسن والحسين.
(6) رواه البخاري.
(7) كلمة زجرٍ للصغير.
(8) رواه البخاري، ومسلم واللفظ له.
(9) قال ابن الأثير في "النهاية" (مادة: بطأ): "أي من أخَّره عمله السيء وتفريطه في العمل الصالح لم ينفعه في الآخرة شرف النسب".
(10) رواه مسلم.
(11) أخرجه شيخنا الألباني -رحمه الله- في "السلسلة" رقم (2036).
يتبع......[/align]
|