تابع :
26-لا حقَّ لحاكم في هذا الوجود على شعبه إلا السمع والطاعة ما أقامَ فيهم الدينَ والعدل والإنصاف وكفهم عن المعاصي والمحرمات .أما إذا لم يحكمْهم بالدين وبالشريعة فإن هذا الواجبَ يسقط عنهم له ,بل يصبح مباحا لأفراد الشعب أن يخرجوا عليه (قال بهذا جمهرةٌ كبيرة من العلماء قديما وحديثا).أما "كيف يخرجون ؟ "فهذا سؤال مُهمٌّ مطروحُ أو يجبُ أن يُطرحَ .
27- الكفرُ البواح (الواضح والصريح ) قد يتحقق بكفر الشخص الحاكم أو بكفر النظام والدساتير والقوانين ومناقضتها لأحكام الإسلام وتشريعاته,بأن يتبنى النظامُ الحاكمُ الاشتراكيةَ كنظام"لا رجعة فيه " ,أو يتبنى الرأسمالية أو الليبرالية كنظام مُفضَّل . أما كفر شخص الحاكم فلا أحد من حكام العرب والمسلمين اليوم أو بالأمس القريب أعلن صراحة بالقول أو بالفعل ما يفيد أو يقتضي أو يؤدي إلى كفره .إذن حكام العرب والمسلمين اليوم في عمومهم كلهم مسلمون لكن عُصاة لأنهم لم يطبقوا شريعة الله ,ومؤمنون لكن فساق وفجار لأنهم أبعدوا الحكم الإسلامي عن التطبيق .ولا يعتبرون كفارا-عند كثير من العلماء المسلمين-ماداموا غير جاحدين ولا منكرين لوجوب تطبيق شريعة الله .وحكامنا لم يعلنْ واحدٌ منهم صراحة أنه جاحد ومنكر لوجوب تطبيق شرع الله ما عدا "حكام تركيا" العلمانيون واللائكيون هدانا الله وإياهم.
الفاسق أو الفاجر من الحكام هو الذي يعترف بأنه لا يطبق الإسلام تكاسلا فقط أو تهاونا أو تحت ضغط هذا الطرف أو ذاك أو..لكنه لا يعلن بأنه يرفض تطبيق الإسلام,ولا يعلن أن هذا التطبيق غير واجب عليه,ولا يصرح بأن شرائع أخرى أرضية هي خيرٌ من شريعة الله السماوية .
28-كل المجتمعات العربية والإسلامية لا تطبق شريعة الله كما يحب الله . إن كلَّ هذه المجتمعات تستبعد في الواقع تطبيقَ شريعة الله بطريقة أو بأخرى ,سواء اعترفت بذلك أم لا .صحيح أن هناك دولةً تقترب ولو قليلا من الحكم الإسلامي وهناك دولةً أخرى هي بعيدة جدا عن ذلك,لكن الكلَّ مُعرضٌ بشكل عام عن تطبيقِ شريعةِ الله التي جاء بها سيدنا محمد-ص- ويطبق شرائع أرضية بشرية .
29-في بلادنا : الحكم الإسلامي مستبعد (ونحن نعمل منذ الاستقلال بالقوانين والأنظمة الأجنبية والمستوردة من هنا وهناك) في كل مجالات الحياة إلا في الأحوال الشخصية (التي لا تمثل إلا جزءا بسيطا من حياة المسلمين الطويلة والعريضة ) حيث الأحكام فيه مازالت مستمدة من الشريعة الإسلامية ومن أقوال فقهاء الإسلام.ومما يندى له الجبينُ هو أن هذا الجزء البسيط والمتواضع والوحيد من حياتنا والمحكوم بشريعة الإسلام عمِلَ وما زال يعمَلُ ناسٌ في بلادنا من سنوات وسنوات من أجل محو الصبغة الإسلامية عنه , ومن أجل التخلص من قوانين الإسلام التي تحكمه , طبعا بدعوى العصرنة والحداثة.
30-إذا غيرنا من بعض الأحكام في قانون الأسرة وذلك بأن خرجنا في مسألة معينة عن حكم فقيه إلى حكم فقيه آخر طلبا للمصلحة , فهذا أمر لا غبار عليه , لكن المرفوض شرعا أمران :
ا- أن ننتقل من حكم فقيه إلى حكم فقيه آخر اتباعا للهوى أو لشهوات بعض المنحرفين والمنحرفات لا للمصلحة المعتبرة شرعا.
ب-أن نلغي أقوال الفقهاء المسلمين ونضع مكانها أو بدلا منها قوانين أرضية بشرية مستوردة من دول كافرة.
31-رئيس حزب (..) العلماني واللائكي بريء من الحكم الإسلامي,والحكم الإسلامي بريء منه كذلك ,لكن كما قال النبي-ص-: (الحكمة ضالة المؤمن ,أنى وجدها فهو أحق بها).ومما يمكنُ أن يُؤخَذ منه من حق وصدق (مهما كانت نيته من وراء ذلك) قولُه عن النظام عندنا :
"يا حكام ! لماذا تتهمونني بتبني اللائكية وأنتم تطبقونها منذ استقلال الجزائر وحتى اليوم ! الفرق البسيط بيني وبينكم يتمثل فقط في أنني أعلن عن لائكيتي , وأنتم لا تعلنون عنها ولكنكم تطبقونها في الواقع ".وهذا –في رأيي- صحيح كل الصحة.
32-أكثرُ الناس متفقون ويظنون أنهم مختلفون.والحقيقة هي أن لكل شيء (ظني غير قطعي) جهتين: جهة مدح وجهة ذم ,فإن تساويا فلا معنى للاختلاف.فإن كبرت إحداهما على الأخرى وجبَ على المختلفَين أن يعترفَ كل منهما لصاحبه ببعضِ الحق .هكذا يجب أن يكون أدب الاختلاف أو لا يكون .
33-صحيحٌ :
*أن النظام عندنا في الجزائر ارتكب خطيئة عظمى عندما ألغى نتائج الانتخابات التشريعية عام 91 م لأنها لم تكن في صالحه .
*أنه ارتكب خطيئة كبرى عندما أدخل في ليلة واحدة (في جانفي 92 م ) ما يزيد عن 5000 شابا ورجلا أغلبيتهم لا ذنب لهم (ومنهم أبناء شهداء ,ومجاهدون ضدَّ فرنسا بالأمس , ودكاترة , وأطباء , ومثقفون ثقافة عالية,و..) إلا أنهم أرادوا أن يُحَكِّموا الإسلامَ في أرض الجزائر , وإلا أن الشعبَ اختارهم ليمثلوه .
* أنه ارتكب–عن طريق البعض من رجاله-مخالفات كثيرة في حق مواطنين أبرياء منتشرين على طول الجزائر وعرضها بمداهمة البيوت وبالتعذيب والتمثيل والسجن غير المبرر ولا و..
لكن صحيحٌ كذلك :
*أن الجبهة الإسلامية أخطأت خطأً فادحا حين رفعتْ السلاحَ وخرجتْ إلى الجبل بدون أن تتأكد 100 % من سلامة موقفها وصحته وصوابه من الناحية الشرعية اعتمادا على فتوى علماء كثيرين (من هنا وهناك) أجمعت الأمة على وضع الثقة فيهم. لقد قال لي أحد الشباب في بداية 92 م بأن الداعية "..."ربما أفتى لهم بجواز رفع السلاح ضد النظام أو بوجوب ذلك ,فقلت له :"إذا حدث هذا بالفعل فإنني أعتبرُ مجرد سماع الفتوى من "... " في مسألة مصيرية مثل هذه يمكن أن يُعتبَر جريمة.لماذا ؟ ببساطة لأن (...) مدرِّس وداعية وله إن شاء الله حسنات وحسنات,لكنه بكل تأكيد ليس عالما فقيها ولا هو قريبٌ من العالِم الفقيه.هذا إن أردنا أن نحكِّم العقل والعاطفة معا ,أما إذا أراد إخواني أن يُحكِّموا عاطفةً مناقِضة للعقل فأنا لست مستعدا لأن أسايرهم في ذلك.
34-إن الظروف المحلية (علمانيون حاقدون ,وفرنكوفونيون مسعورون,و..) وكذا ظروف الجِوار(كلُّ الأنظمة المجاورة للجزائر جغرافيا ترفض بشدة قيام أي نظام إسلامي عندنا وتقف بقوة مع النظام عندنا ضد أية محاولة لإقامة شريعة الله على أرض الجزائر) و.. وكذا الظروف الدولية والعالمية (فرنسا والغرب وأمريكا والدنيا كلها مستعدة لأن تبذل الغالي والرخيصَ من أجل أن لا تقوم دولة الله على أرض الله في أية بقعة من العالم ) ,كل هذه الظروف وغيرها بما فيها حالة الشعب الجزائري الواقف بقلبه مع الإسلام والشعب وبسيفه مع القوة والنظام,كلها تؤكد بأن الذين خرجوا على النظام (في 92 م ) –لا هروبا من الموت وإنما طلبا لتطبيق الشريعة الإسلامية-كانوا ساذجين للغاية في مجال الدين والسياسة حين كانوا يظنون أن إقامة الدولة الإسلامية أمر سهل وبسيط , وأن المسألة-كما قال البعض منهم قبل الخروج وبعده مباشرة أي في السنوات 92/93/94 -هي مسألة 6 شهور أو عام على الأكثر .
وأذكرُ بالمناسبة أنني قلت في محاضرة بمدينة القل (ولاية سكيكدة) مع بداية سنة 1991 م أمام جمهرة من الناس بأن الطريق إلى الدولة الإسلامية شاق وصعب وطويل ,(ونُشِرت لي مقالة بهذا العنوان بالذات في جريدة من الجرائد الجزائرية قبل ذلك بسنوات) فردَّ علي الأخ "رابح كبير" قائلا :"يبدو أن أخانا عبد الحميد متشائم.أبشروا ! إن الدولة الإسلامية على الأبواب بإذن الله "!!!.وكنتُ-وما زلتُ-أُشفق على الدعوة الإسلامية من هؤلاء الشباب الطيب والمتحمس للدين ولشريعة الله , أشفق عليه من هؤلاء- أمثال رابح كبير- بسبب سذاجتهم الزائدة والمبالغ فيها والتي لا يحبون غالبا أن يعترفوا بها , ولا أدري إذا كانت صدمة الواقع الآن بعد "الاتفاق" الذي وقع بينهم وبين السلطة قد أخرجتهم من هذه السذاجة أم لا.
35-الحقُّ يزيده محاربوه وضوحا في ضمير الناس .ومن هنا فإن الحكام عندما يحاربون متدينين منحرفين عن الدين هم معذورون في ذلك إلى حد بعيد.أما عندما تكون حربهم على الإسلام والدين فإن الحرب تُقَوي المتدين عادة وتزيد من تعصبه للدين,بل قد تجعل منه-إذا كانت ثقافته الدينية متواضعة وبسيطة-متطرفا للدين بعد أن كان معتدلا .
هذا فضلا عن أن الناس-مسلمون أو كفار-يتعاطفون مع المظلوم حتى ولو كان على باطل في عقيدته وفي فكره وفي مبادئه,ويتعاطفون معه من باب أولى إذا كان مسلما لا ذنب له إلا أنه يريد أن يُقيمُ الدولةَ الإسلامية التي أمر الإسلام (لا عباسي مدني ولا عبد الله جاب الله ولا محفوظ نحناح ولا ..) بتطبيقها ويُطبق شرع الله الذي حكم به سيدنا ورسولنا محمد-ص-.
|