معالجة الدماغ للمعلومات
لقد قلت سابقاً، وحسب المعطيات الحديثة لفيزيولوجيا الأعصاب بأنه يجب اعتبار الدماغ عضواً استثنائياً يقوم بمعالجة المعلومات وليس فقط كياناً مفكراً بحد ذاته. بالرغم من أن الاعتقاد السائد حتى في الأعوام 1970-1960 هو أن الدماغ هو مركز الفكر. إلا أن الملاحظات التي قام بها الدكتور مودي (Moody) من الولايات المتحدة الأمريكية، على مرضى يعيشون ما يسمى تجارب قريبة من الموت (Near Death Experiences) N.D.E، قد أثبت أنه بالإمكان القيام باختبارات الإدراك بالرغم من كون التخطيط الكهربائي للدماغ مسطحاً بشكل كامل. النتيجة: دماغنا عبارة عن حاسب خارق، وعضو معالجة خارق ولكنه مجرّد من كل تمييز أو إدراك متبصّر.
وهكذا، مهما كانت طبيعة المعلومات التي تعطيها لدماغك. فإنه يقوم بمعالجتها بنفس الطريقة تماماً. وإن وعيك هو الذي يمكّنك من تمييز المعلومات الصحيحة من المعلومات الافتراضية أو المتخيلة أو الرمزية. والدماغ يقوم بمعالجة المعلومات من هذه الفئات الأربع، بنفس الطريقة. لنأخذ مثالاً كي نقتنع. إذا كنت في الحقيقة، جالساً في قطار صغير في الجبال الروسية، وكنت في قمة أعلى طريق منحدر، مسبّب للدوار، فإن دماغك سيقوم بمعالجة هذه المعلومة الحقيقية، آنياً، ويحدث جميع ردود الأفعال الفيزيولوجية للخوف (تسريع دقات القلب، زيادة إفراز الأدرينالين، شحوب الجلد، زيادة التعرق، الخ). وستجد هذا الأمر طبيعياً. والآن، إذا كنت جالساً أمام شاشة حاسبك، وأثناء لعبة تفاعلية، وجدت نفسك في قمة منحدر افتراضي في الجبال الروسية، وإذا كانت الشاشة والمؤثرات الصوتية والمرئية معدّة جيداً، وكنت مندمجاً باللعب، فإن دماغك سيحدث نفس ردود الفعل الفيزيولوجية السابقة، تماماً، رغم أن هذه المعلومات افتراضية. والآن، يطلب منك أحدهم أن تغلق عينيك وأن تتخيل أنك تصعد شيئاً فشيئاً جبلاً روسياً، مستقلاً القطار، وأنك وصلت قمة أعلى طريق منحدر مسبب للدوار، وبرغم أن هذه الصورة متخيلة تماماً، إلا أن دماغك سيحدث نفس ردود الفعل الفيزيولوجية التي يحدثها في الحالة الحقيقية. وأخيراً، إذا وضعتك الحياة أمام انهيار مهني حيث أن صاحب العمل قد خفض مرتبتك في العمل، فجأة. أي أنه ألقى بك، رمزيا، نحو الأسفل، في تقدير زملائك ونظر أصدقائك، وهنا سيُحدث دماغك، مجدداً، نفس ردود الأفعال السابقة.
يظهر المثال السابق أن دماغنا لا يميز ما بين المعلومات الحقيقية أو الافتراضية أو المتخيلة أو الرمزية. وبمعرفتنا لهذا الأمر، يمكننا أن نفهم لماذا يموت الإنسان بسبب السرطان في بعض الظروف، ولماذا لا يرضخ البعض لهذا المرض، ولماذا يندر وجود حيوانات تموت بسببه.
هروب طفل
لنأخذ مثالاً من السلوك الإنساني، هذه المرة. لنتخيل أن نزاعاً عائلياً عنيفاً قد دفع فتى في الرابعة عشر من عمره إلى مغادرة بيت العائلة، دون سابق إنذار. فاستقل أول قطار ورحل إلى مكان مجهول، دون أن يُعلم العائلة شيئاً عنه طيلة شهور. فيعيش الوالدان، هذا الوضع، كصراع نفسي شديد. وفي الساعات الأولى والأيام الأولى لوقوع هذا الحدث، يشغل هذا الموضوع %100 من تفكير الوالدين، ولكن، في لحظة محددة تتراجع هذه النسبة، إذ يجب أن تستمر الحياة، وأن يتابع الوالدان جميع مسؤولياتهما الأخرى، ويبقى التفكير بالطفل الغائب يشغل الحيز الأكبر من تفكيرهما. ولتحرير الأبوين من هذا الصراع الذي يحتل نفسيتهما %100، يقرر الدماغ ترجمة هذا الصراع النفسي إلى صراع بيولوجي لا يطال أكثر من عضو واحد. وبهذه الطريقة يحرر الدماغ الوعي من هذا الصراع النفسي، كي يتمكن الأبوان من متابعة مشاغلهما الأخرى. هذه إذاً أول خطوة للإنقاذ يقوم الدماغ بها، ولكن نحو أي عضو سيتوجه الصراع البيولوجي؟
لنأخذ، حالياً، حالة الأم. فإذا أصابها القلق جرّاء رحيل ابنها، وقالت لنفسها: "إن طفلي غير قادر على تأمين احتياجاته، لا بد أنه سيموت من الجوع!" ستصل المعلومة التالية إلى الدماغ "خطر: طفلي بحاجة إلى الغذاء". فماذا سيفعل الدماغ؟ سيطلق برنامجاً خارقاً لتغذية الطفل، فيعطي أوامره مباشرة إلى البدن كي يبدأ بإنتاج خلايا مغذية خارقة، وهي خلايا مولدة للحليب، خارقة الأداء. فإذا عرفنا أن هذه الخلايا ليست سوى خلايا سرطانية، ندرك أن الدماغ قد تسبب في ظهور سرطان الثدي، عند قيامه بإنقاذ الطفل رمزياً. يمكننا القول إذاً، أن الأم تمر في هذه الفترة بطور صراع فعّال أو بطور غلَبة الودي (Vagotonia).
لنتخيل أن الطفل قد قرر العودة، بعد مرور ثلاثة أشهر. ما أن يتجاوز الطفل باب المنزل، أو بمجرد أن يعلن هاتفياً عن عودته، ستتولد معلومة جديدة عند الأم مفادها أن الطفل لم يعد في خطر، ويتم معالجة هذه المعلومة مباشرة من قبل الدماغ، وتعتبر إشارة لإنهاء برنامج التغذية. وهكذا يتوقف إنتاج الخلايا المولدة للحليب المسرطنة، وتدخل الأم مرحلة إنهاء الصراع أوطور غلبة المبهم (Sympathicotonia)، ونظراً لعدم وجود مخرج طبيعي متصل بالثدي، يتم التخلص من الورم في مكانه عن طريق تفككه، فلا نعود نجد، بعد عدة أسابيع، إلا منطقة تكلس ميكروية، أي بعض الخلايا الكلسية الجافة، وهي بقايا الحليب الذي تم إنتاجه لتغذية الطفل.
ندرك، بفضل هذا المثال، أن الدماغ يقوم بتشغيل نفس برنامج التغذية الخارق الذي يشغله عندما يكون الرضيع جائعاً. وقد كانت الحاجة إلى الغذاء في مثالنا حالة افتراضية أو متخيلة أو رمزية تماماً. وتنهي القصة لأن الصراع النفسي قد تحول إلى صراع بيولوجي تم إيقافه عند عودة الطفل، هناك إذاً، حالة شفاء حقيقة، شاملة ومؤكدة من سرطان الثدي.
بمجرد أن تعرف الأم أن طفلها ليس في خطر، يطلق دماغها، تلقائياً، عملية شفاء من سرطان الثدي.
"الضربة التي لا أستطيع، أبداً، هضمها"
لنأخذ مجدداً القصة السابقة، ولكن من وجهة نظر والد الطفل الهارب، يعيش الأب في الفترة الأولى صراعاً شديداً لكنه مختلف عن صراع زوجته. فبالنسبة له، يشكل هروب الابن عار لا يمكنه قبوله. وبسرعة، وبسبب آلاف الأفكار التي تدور في رأسه، ينتهي الأمر به إلى اعتبار هروب الطفل ضربة لا يستطيع أبداً هضمها. حتى لو عاد طفله يوماً ما. فما الذي يفعله الدماغ، عندئذ، تلقائياً بهذه المعلومة؟ إنه يتصرف مثلما تصرف دماغ الثعلب عندما استقبل المعلومة التالية "خطر: قدم أرنب محصورة في المعدة". هذه المعلومة غير حقيقية لكنها افتراضية أو رمزية. لا يستطيع الأب هضم هذه الضربة التي وجهها إليه ابنه. وهكذا، وبدون تفكير (نتذكر هنا أن الدماغ مجرد من كل تمييز أو إدراك متبصر) يطلب الدماغ برنامج هضم خارق ويعطي أوامره مباشرة بإنتاج الخلايا الهضمية الخارقة، ويصاب هنا إما بقرحة معدية أو بسرطان المعدة (الخيار ما بين الاثنين مرتبط بشدة إحساس الأب). يظل هذا البرنامج نشطاً طيلة ثلاثة شهور. فالأب لا يستطيع، ولا يريد أن يهضم الضربة التي وجهها إليه ابنه. وعند عودة الطفل بعد ثلاثة شهور، وبرغم أن الأم تطلق عملية الشفاء من السرطان مباشرة (فبالنسبة لها، تضع المعلومة "عودة طفلي" نهاية لبرنامج التغذية الخارق)، ولكن غطرسة الأب وقسوته يمنعانه من هضم الضربة التي تلقاها. إنه لا يسامح أبداً، ويظل في مكانه، ولا يعترف بانتهاء الأزمة. ولهذا يظل الصراع العنيف قائماً في داخله، ويستمر تضخم خلايا المعدة المسرطنة. إلى أن يتم تشخيص سرطان المعدة عنده، ولتبدأ عندئذ رحلة العلاج التقليدية: استئصال، أو تعريض للأشعة أو العلاج الكيميائي.
|