7 - غياب القدرة على الإقناع والربط بين الحقائق العلمية والإشارات النبوية:
تتطلب الأبحاث العلمية التسليم بعدد من المبادئ والمسلمات، مثل الأخذ بمبدأ السببية أي أن كل شيء يحدث لا بد له من سبب أحدثه، ومبدأ الحتمية ومعناه أنه عندما تتوفر شروط معينة فإنه تحدث حتما نفس الظاهرة، ومن المستحيل ألا تحدث ظاهرة إذا لم تتوافر شروطها، فالعلم ينكر المصادفة، ووراء كل ما نعتقد أنه مصادفة ظواهر معقدة وعدد من الاحتمالات التي تنتظر الكشف عنها، ويجهل –أو يتجاهل- كثير من الباحثين تلك المبادئ، فيقفز الباحث إلى استنتاجات مغلوطة وتفسيرات مقحمة ليخلص إلى رابط بين الحقيقة العلمية والحديث الذي يحاول دراسته.
ويرى د. محمد زيان عمر أن من الجوانب الرئيسية التي تؤخذ في الاعتبار عند تقويم أهمية البحث العلمية: التمحيص النقدي للبراهين والأدلة المفضية إلى النتائج التي توصل إليها الباحث(9)، وهو ما تفتقر إليه معظم أبحاث الطب النبوي، وإذا توجب هذا الشرط في حق الأبحاث العلمية بصفة عامة، فإنه يتوجب بشكل حتمي وبضرورة بالغة في حق الأبحاث التي تتناول نصا نبويا شريفا، فلا بد من "وجود الدلالة الظاهرة على تلك الحقيقة العلمية في ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ثم يتم "الربط بين هذه الحقيقة ودلالة النص بأسلوب ميسر وسهل".
فغياب التفسير النقدي القائم على الاستنتاج المنطقي من الوقائع والمقدمات، والافتقار إلى برهان واقعي واضح وموضوعي، ينبئ بأن البحث يعتمد -إلى حد كبير- على الحكم الشخصي، فمجرد الكشف عن حقيقة دون مراعاة لمدى اتساقها مع الحقائق المعروفة، ومدى وضوح هذه الحقائق وكفايتها لدعم وتأييد الاستنتاج النهائي، لا يثبت بالضرورة أي برهان أو دليل على الإعجاز، بل إنه يشكك في صحة النتائج المستنبطة كحقيقة علمية فضلا عن كونها إعجازا نبويا!.
وعلى العموم يجب أن يتعدى البحث الكامل –ببون شاسع– عملية الكشف عن الحقيقة، إلى استغلال البراهين الواقعية بقدر يفوق استغلال التفسير النقدي لها(9).
ومن الأجدر أن يتجنب الباحث الربط التعسفي بين النص الذي يحاول إثباته وبين الحقائق العلمية، وحسبه أن يعلن الحقائق التي حصل عليها بالبحث والدراسة، وهو ما يعرف بالعلم المبني على الدليل، وليس عليه أن يتحذلق، ويتكلف محاولا التفسير لتلك النتائج وربطها بما يحاول إثباته عنوة، وقد حذر رسول الله العلماء وأنذرهم وبين لهم ذلك الأدب الرفيع من آداب العلم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم. فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. قال الله تعالى لنبيه: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} (ص: 86)". متفق عليه.
وقد أشارت الدكتورة "آني أكاسو" عالمة الآثار التي حضرت مؤتمر الإعجاز العلمي السابع بالنيابة عن معهد الحفريات البشرية human paleontology في باريس، إلى هذه الملاحظة قائلة: "لا أرى العلاقة بين الدليل العلمي المقدم في الأبحاث وبين النص القرآني المشار إليه"(1).
8 - الخلط وعدم التمييز بين أنواع النشاطات البحثية:
--------------------------------------------------------------------------------
الإشارات الواردة في أحاديث الطب ومجموع الدراسات التي تدور حولها ليست علما مستقلا بذاته.
--------------------------------------------------------------------------------
من المعتاد في أبحاث الطب النبوي ألا تزيد عن تقديم ملخص لمعلومات سبق اكتشافها أو بحث قام به آخرون. ومن الخلط الذي يدل على عدم الفهم أن توصف أية نشاطات فكرية بأنها أبحاث، ففي هذا التعبير كثير من التجاوز، إذ إن مجرد دراسة أو تلخيص موضوع معين سبق بحثه من قبل علماء آخرين لا يضيف جديدا للمعرفة الإنسانية، ولا يعتبر إضافة إنسانية جديدة، بل وحتى في حال تحليل تلك الآراء والإضافة إليها فإن ذلك كله لا يعد إضافة علمية جديدة، أو اكتشافًا لحقيقة غائبة. وهو نشاط علمي يتطلب مستوى رفيعًا من الإمكانات العقلية، لذلك فهو أرقى درجة من مجرد كتابة مقال أو تلخيص عمل علمي معين(9).
بل إن هناك تجاوزًا كبيرًا في استخدام مصطلح "الطب النبوي"؛ فالإشارات الواردة في الهدي النبوي ومجموع الدراسات التي تدور حولها ليست علما مستقلا بذاته، ولا تزيد تلك الأبحاث الضعيفة عن تكريس الفهم الضيق والمضلل لتلك الإشارات النبوية، فمجرد تجميع الوقائع والملاحظات والقوانين والنظريات، لا يجعل من كل ذلك علمًا، ولكننا إذا فهمنا العلم على أنه التفكير العلمي المعتمد على الوقائع والظواهر الطبيعية وصياغة ذلك في صورة مبادئ وقوانين عامة، عندها فقط يمكن اعتبار تلك المجموعة من المعلومات علما.
فما ورد في الهدي النبوي بخصوص الصحة والطب لا يمثل طبا متكاملا يقوم على أساس بعينه أو فلسفة تميزه، أو رؤية خاصة لجسد الإنسان وطبيعة الأمراض، ومن قبل عنون المحدثون في تصانيفهم مجموعة الأحاديث النبوية المتعلقة بالطب بـ "كتاب الطب". وذلك تمييزا لها، ولم يقصدوا أن الطب النبوي طب متكامل يضم كل فروعه، وأنه يقابل الطب اليوناني أو الهندي أو الفارسي، وإن كانت المفاهيم الصحية أو الطب الوقائي في الإسلام يتميز فعلا عما سبقه أو أتى بعده(5).
|