ِهذا النص اقتبسته من كتاب العلامة الدكتور محمد المبيض ، وفيه يبين عوامل إنكار ظاهر المس عند البعض :
تعقيب وإضافات
حول ثبوت ظاهرة المس
بالرغم من صرِاحة الأدلة السابقة ووضوحها في إثبات ظاهرة المس ، إلا أنني وجدت أنه ما زال هناك نصيب للإنكار والشك في مصداقية هذه الظاهرة ، وهذا الأمر كنت ألحظه بعد الندوات المتعلقة بهذا الشأن ، وأعزو السبب إلى عدم اختيار منهاج موضوعي في طرحها ، وعدم استخدام أمثلة مقنعة عليها ، إضافة إلى أن أكثر وسائل الإعلام تتبنى منهجية الإنكار للظاهرة كرد فعل للاستغلال السيئ لها والمستشري في المجتمعات العربية ؛ لذا تتعاطى مع من يحقق هذه النتيجة ، فتعقد الندوات بطريقة غير موضوعية تعمق من حيرة الناس في تصور الظاهرة ، أذكر أنني شاركت في إحدى هذه الندوات مع قناة اقرأ ، وعند نهايتها يفاجئني المخرج بقوله : لقد ازددت حيرة ، ولم يشف غليلي ما سمعت ، ثم عقب قائلاً : هل هناك حقاً مس شيطاني ؟؟
طبعاً هذا موقف من مواقف عديدة لاحظتها ، بل شعرت في ندوات تمت فيها معالجة الموضوع بطريقة خاطئة أن المستمع يخرج منها بحالة من الشك والحيرة أكثر من ذي قبل ، فالظاهرة غريبة وأغلب أعراضها تتشابه مع المرض النفسي والمشاركون فيها ما بين مهول للظاهرة أو منكر لها من أصلها ، وجانب النقاش يتركز على إنكار الظاهرة إضافة إلى جهل كثير من المشاركين فيها لجوانب هامة معينة لفهم الظاهرة ؛ لذا يسير النقاش بطريقة غير موضوعية بين الفعل وردة الفعل .
لعل هذه العوامل عززت عندي ضرورة هذه الإضافة التي أبين فيها تصوراتي لعوامل الإنكار وأصوله الفلسفية ليتم حسم القول في هذه المسألة .
أولاً : المس ومصادر القول بثبوت وقوعه .
فالمعلوم أن إثبات مسألة أو إنكارها لا بد أن يستند إلى أدلة أو مصادر للمعرفة حقيقية ، ومصادر المعرفة عند غير المسلمين تستند إلى أمرين : العقل والحواس وما يتبعهما من مشاهدة وتجربة ، أما عند المسلمين فمصادر المعرفة ثلاثة ، وهي الوحي والعقل والحواس .
ولو حكمنا هذه المصادر الثلاثة في مسألة المس الشيطاني ماذا نرى ؟
المصدر الأول : الوحي .
لاحظنا خلال أدلة الوحي بشقيه الكتاب والسنة أنهما يثبتان ظاهرة المس الشيطاني ؛ حيث أن هناك آية صريحة في إثباته إضافة إلى مجموعة من أدلة السنة المؤكدة لحدوثه ، وبالمقابل لم نجد دليلاً واحداً صريحاً في الكتاب والسنة ينفيان هذه الظاهرة مع توفر دواعي النفي القوية ، وهذه الأدلة ترتقي بالقول بثبوت المس ، ولكن لا تصل لدرجة قطعية للدلالة عليها . ( )
المصدر الثاني : العقل .
العقل في حكمه على شيء بأنه جائز أو مستحيل إنما يبني أحكامه من خلال قياس الغائب على المشاهد ، وهذه السمة في العقل هي أهم ما يميزه لأن العقل في اللغة بمعنى الربط ومنه العقال أي رباط البعير ، والعقل يصدر أحكامه من خلال الربط بين المشاهد وما يشبهه من الأمور الغائبة فيقيس الغائب على المشاهد .
وبالنظر إلى العقل بخصوص مسألتنا نجد أنه لا يرى دخول الجني بدن الإنسي من باب المحال أو المستبعد بسبب اختلاف المادتين بل يراه يدخل في باب الممكن والجائز قياساً على المشاهد ، فدخول مادة رقيقة لطيفة في مادة كثيفة أمر ممكن مشاهد يقره العقل وتؤيده المشاهدة والتجربة كدخول الأشعة أو سلوك الكهرباء في جسم الإنسان ، وما دامت هذه المواد الرقيقة تدخل جسد الإنسان ، وهو أمر مشاهد تؤيده التجربة ، فلا يمتنع عقلاً دخول مواد تشبهها في الرقة ، والمعلوم أن الجن خلق من مادة رقيقة ، ولرقة مادته لا نشاهده ؛ لذا ما المانع عقلاً من دخول الجن بدن الإنسان قياساً على دخول الأشعة أو الكهرباء والجامع بينهما هو الرقة في كلٍ .
إذا نخلص بنتيجة أن العقل يؤيد حصول المس ، ويدخله في باب الممكن عقلاً،و من يدعي غير ذلك فعليه بالدليل .
المصدر الثالث : الحس . المراد بالحس هنا المعلومات التي نستقيها من خلال الحواس سواء بالمشاهدة أو التجربة ، وكلاهما يثبتان وقوع المس من الناحية الواقعية ، وكون البعض لم يشاهد هذه الظاهرة على حقيقتها لا يعني عدم وجودها ، بل تضافرت الأقوال المثبتة للمس والمعاينة له قديماً وحديثاً ، وشارك في هذه المعاينة بعض ذوي الخبرة مما يجزم بمصداقية وقوعها ، ورفض صحة هذه الحوادث على كثرتها يعادل رفض كل شهادة إنسانية مهما كانت صفتها ، يقول البوطي : « ما من عاقل فهم معنى العلم إلا وعلم أن القاعدة العلمية تقول : عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود ؛ أي عدم رؤيتك للشيء الذي تبحث عنه لا يستلزم أن يكون بحد ذاته مفقوداً إذ إن الموجودات أعم من المشاهدات » ( ) .
إذا نلحظ أن مصادر المعرفة الثلاثة مثبتة لظاهرة المس ، ومعززة للقول بحصولها والاصطدام مع دليل جزئي هنا أو هناك أو اتهامه لا يلغي من ثبوتها ، والقول بإنكار هذه الظاهرة ليس له مسكة من دليل لا من الوحي ولا من العقل ولا من واقع التجربة والمشاهدة ، بل هو مجرد إنكار خارج عن دائرة الأدلة إلى دوافع أخرى دعت إليه كما سأبين .
|