عرض مشاركة واحدة
قديم 07-May-2007, 04:40 PM   رقم المشاركة : ( 8 )
عضو جديد


الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 13657
تـاريخ التسجيـل : Apr 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 27 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : راجي مغفرة ربه is on a distinguished road

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو

راجي مغفرة ربه غير متواجد حالياً

ثانياً : المس وظاهرة الإنكار .
لاحظنا خلال طرح الآراء أن المثبتين لظاهرة المس هم جمهور العلماء قديماً وحديثاً ، وأن دائرة الإنكار تقتصر في الماضي على بعض غلاة المعتزلة ، وفي الحاضر على بعض الأطباء النفسيين ، وبعض أفراد المدرسة العقلية الحديثة ، وهذا يقتضي منا بيان أسباب إنكار هذه الظاهرة عند هؤلاء والخلفية الفلسفية وراء ذلك الإنكار .
1- المعتــزلة .
المعتزلة جماعة من أهل الكلام تميزت بأنها تعطي مجالاً واسعاً للعقل ، وتجعله حاكماً على نصوص الشرع ، فالحسن عندهم هو ما حسنه العقل والقبيح ما قبحه العقل ؛ لذا منشأ ضلال هذه الفرقة أنهم أعطوا للعقل سلطاناً فوق سلطان الشرع ، ووفق هذه القاعدة تعاملوا مع كافة النصوص الشرعية حال التعارض مع منهجهم فما كان قطعي الثبوت كالقرآن والسنة أولوه ليتفق مع مذهبهم ، وما كان ظني الثبوت ضعفوه ، وترتب على ذلك تعطيل أكثر الصفات الربانية وتأويلها ، إضافة إلى إنكارهم تأثير السحر والحسد وعذاب القبر وقولهم بعدم رؤية الله يوم القيامة ، واعتبارهم أن القرآن مخلوق ، بل أنكر بعضهم وجود الجن وتأولوا الآيات الواردة فيه على كثرتها ، وغير ذلك من الأمور التي لا تخضع مباشرة لسلطان العقل بزعمهم ، أو أن الأصول المنطقية التي تبنوها تتنافى مع ظاهر هذه النصوص .
هذه المنطلق الفلسفي والقواعد المنطقية التي سار عليها المعتزلة كان لها الأثر الكبير في كثير من الأفكار الغريبة التي اعتمدوها سواء في العقائد والصفات ، أو في الأمور الأخرى التي لا تخضع مباشرة لسلطان العقل،ومن ضمن غرائبهم إنكارهم حصول المس .
وبخصوص ظاهرة المس كيف أملى عليهم العقل – بزعمهم – بإنكارها ، هذا واضح من تقريراتهم الكلامية بخصوص هذه الظاهرة منها ما ذكره الجبائي بقوله : « الشيطان إما أن يقال كثيف الجسم أو يقال : إنه من الأجسام اللطيفة ! فإن كان الأول وجب أن يرى ويشاهد .. ولأنه لو كان جسماً كثيفاً فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان ، وأما إن كان جسماً لطيفاً كالهواء ؛ فمثل هذا يمتنع أن يكون فيه صلابة ، وقوة ، فيمتنع أن يكون قادراً على أن يصرع الإنسان ويقتله . » ( )
هذا المنطق العقلي الذي ترتب عليه إنكار المعتزلة للمس الشيطاني ، وبسببه أولوا الآيات وضعفوا الأحاديث المثبتة له ، والملاحظ في منهج المعتزلة بتفويضهم المطلق للعقل القاصر أنهم بكل مسألة – أو شطحة - عقلية يقررونها يغرقون في متاهة فكرية وفي اضطراب فكري ، وفي تناقض عقلي أعظم مما توهموا أنهم أزالوه ، ولكي يتضح الأمر بخصوص مسألتنا أقول :
• أثبت الجبائي أن الجن لا بد أن لا يكون كثيف الجسم ، لأنه لو كان كثيفاً لوجب رؤيته ، وهذا الرأي نوافقه عليه ، بل هناك اتفاق بين المنكرين والمثبتين لظاهرة المس على ذلك .
• لزم من القول بعدم كثافة الجن القول بلطافته ورقته كالهواء ، ويترتب على ذلك بزعم الجبائي أن لطافة مادة الجني ورقتـها تمنع من قدرته على صرع الإنسان وقتله .
فالنتيجة العقلية الحاصلة أن رقة مادة الجني يترتب عليها القول بضعفها ، وضعفها مانع من القول بقدرتها على صرع الإنسي وقتله .
وهذا اللازم العقلي أو المانع العقلي الذي طرحه المعتزلة وبنوا عليه مسألتهم يصطدم مع صريح دلالة الشرع والعقل .
أولاً : اصطدامه مع صريح النقل .
 - قال الله  :  قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ  ( )
 - قال الله  :  يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ  ( )
وجه الدلالة :
الآيات صريحة في إثبات قدرة الجن ، الأولى تشير إلى قدرته على حمل عرش بلقيس العظيم من اليمن إلى الشام في طرفة عين ، والأخرى تثبت قدرتهم على أعمال شاقة ، وهاتان الآيتان صريحتان في دحض النتيجة العقلية التي وصل لها المعتزلة وتنسف استدلالهم من أصله ، فالجني وإن كانت مادته لطيفة رقيقة فهذا لا يمنع من قوته وقدرته على صرع إنسان أو قتله كما أنه لم يمنع من حمل عرش عظيم في طرفة عين أو القيام بصناعات ثقيلة كالمحاريب والتماثيل والجفان .
ثانياً : اصطدامه مع العقل .
ما اعتبره المعتزلة نتيجة أو لازم عقلي هو عبارة عن وهم أو شطحة عقلية أملاه عليهم تعنتهم ليس عليها دليل أو برهان ، فليس كون الشيء خلق من مادة رقيقة لطيفة غير مرئية إشارة إلى ضعف هذا الشيء ، ولئن لم يدرك المعتزلة ذلك بعقولهم ، أو لم تستشعره حواسهم فيما حولهم من ظواهر طبيعة كالصواعق المدمرة مثلاً مع كونها مادة رقيقة عبارة عن طاقة كهربائية ( تفريغ كهربائي ) ، فإن واقع الحس والتجربة في عصرنا أكبر دليل على ذلك وأكبر مثال عليها الكهرباء و أشعة الليزر ، وسيأتي دحض هذا الزعم عند حديثي عن حقيقة المس في المبحث الثالث من هذا الفصل .
فالملاحظ من مدلول العقل والنقل أن النتيجة العقلية التي بنى عليها المعتزلة رأيهم لا تسلم بأي وجه ، بل على العكس عمقت الاضطراب الفكري في فهم الظاهرة ، وألجأت إلى التأويل المذموم ، وخالفت مدلول العقل الذي نزهوه فوق الشرع ؛ و الذي جر المعتزلة لهذا القول هو تفويضهم المطلق للعقل وإعطائه أكثر من منزلته ، مع أن العقل محكوم بالحواس والحواس قاصرة ، وما يعلمه الإنسان من معلومات في إطار المحسوس يسير بين مد وجزر ويختلف من شخص لآخر ومن عصر لغيره ، وذلك وفق ما تمده الحواس من معلومات وثقافات ، والوجود ليس محصوراً في الحس البشري ، بل الحس البشري استوعب بعض الموجودات دون غيرها وما خفي عن الحس أعظم مما ظهر له ، وهذه حقيقة لا يماري فيها أحد ؛ لذا لو كان المعتزلة في عصرنا لغيروا كثيراً من الأحكام العقلية التي بنوها لأن دائرة المعلومات الواردة من الحس والواقع قد تغيرت في عصر العلم بشكل ملحوظ ، ويترتب عليها تغير كثير من النتائج العقلية التي بنوا عليها أحكامهم ، ولغيروا قاعدتهم العقلية من أن رقة الأشياء ولطفها دليل على ضعفها .
طبعاً لا يعني كلامي الإنقاص من قدر العقل ، ففضيلة العقل معلومة لكن الإشكالية في إخراج العقل من دائرة سلطانه ، يقول ابن خلدون : « العقل ميزان صحيح ، فأحكامه يقينية لا كذب فيها ، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره ؛ فإن ذلك طمع في محال ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب ، فطمع أن يزن به الجبال ، وهذا لا يدل على أن الميزان في أحكامه غير صادق ، لكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره . » ( ) وهذا كلام دقيق من ابن خلدون مفاده أن العقل كآلة للفهم معتبرة إلا أن لها مجال لا تتعداه ، خاصة في الغيبيات والمغيبات ؛ لذا اعتباره حاكماً بإطلاق يعتبر ضرباً من الوهم الذي لا مستند له .
2
  رد مع اقتباس
 
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42