أما عن أسباب الإنكار الموهومة فهي
- الدواعي الوهمية وراء إنكار ظاهرة المس .
أ- ادعاء ضعف الأدلة المثبتة للمس :
نلحظ من بعض الكتاب المعاصرين مثل صاحب كتاب الأسطورة التي هوت أو كتاب إستحالة دخول الجن بدن الإنسان أن أصحابها عمدوا بعد تأويل الآية الصريحة في المس إلى التشكيك في الأحاديث الدالة على الظاهرة ، وخلصوا إلى نتائج منها : أن جل الأحاديث الواردة في هذا الباب ضعيفة ، وذلك لأدنى شبهة في الرواة أو الروايات .
ويلحظ من أصحاب هذه الكتب أن بضاعتهم في علم الحديث ضعيفة جداً وخالفوا في منهجهم أكابر العلماء في هذا الشأن ، ويتضح بصورة جلية الاضطراب في منهجهم و اختلال الموازين في الحكم على كل حديث على حدة ، فالحديث إن سلم رواته من الجرح ادعوا اضطراب الرواية لتعدد رواياتها ، وإن لم تتعدد الروايات ادعوا عدم دلالة المتن على ظاهرة المس ، و إن كانت هناك أدنى شبهة في راوي ادعوا ضعف الرواية ، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث المنهجي عن روايات أو طرق أخرى للحديث تعززه وتؤيده ، ولم يحترموا استدلال الأكابر واستنباطاتهم من متونها في إثبات المس ، وهذا منهج غريب مستهجن مبتور في علم الحديث ، ولو استخدم علماء الحديث مثل هذا المنهج الغريب المستهجن لما سلم لنا إلا القليل جداً من الحديث النبوي الشريف .
ومن يتتبع هذه الكتب يشعر بأن فكرة الإنكار المسبقة لدى أصحابها سيطرت عليهم فأخرجتهم من موضوعيتهم في التعاطي مع الأدلة ودلالاتها ، وألبستهم ثوب التكلف والتعنت .
وهذا الداعي الوهمي لإنكار الظاهرة ليس له مستند علمي واضح ، ويخالف منهج المحدثين والعلماء المعتبرين في هذا الشأن ، يكفي القول هنا بأن مجموع الأدلة المتنوعة يدل دلالة صريحة قد تقرب من درجة اليقين والقطع على ثبوت أصل الظاهرة ، و لا يتصور تواطؤ كل هذا المجموع من الرواة لأحاديث مختلفة وبطرق متعددة على إثبات ظاهرة وهمية كما يدعي البعض ، ولا يتصور اختلاق هذا الكم الكبير من الأحاديث ، والتي وردت بمتون متعددة وبطرق مختلفة ، وكلها تعزز إثبات ظاهرة . ( )
ب- ادعاء عدم مشاهدة حالات مس حقيقية بينة .
وهذا ادعاء وهمي يدعيه كل المنكرين لظاهرة المس ، وكون البعض لم يعاين حالات مس حقيقية لا يعني عدم وجود الظاهرة ، ولا يعني اتهام مشاهدات الآلاف قديماً وحديثاً للظاهرة ، بل اتهام كل هذه الشهادات والمشاهدات هو بمثابة اتهام للشهادة الإنسانية من أصلها ، وأقول لهؤلاء : إن لم تكونوا شاهدتهم ظاهرة مس حقيقية ، فغيركم الكثير قد شاهدها ، وهذا الكثير منهم جم غفير ممن نثق بدينهم وبشهادتهم وبأحكامهم الموضوعية ، وإن كنتم حريصين على التثبت وحسر وجه الحقيقة عن الظاهرة ، فالأمر ليس صعباً وواقعات المشاهدات الحقيقية تتكرر يومياً لكن ابحثوا عنها في مظانها الحقيقية ، وببساطة بدلاً من الإنكار غير المبرر أمكن الذهاب لبعض الثقات من المعالجين ومطالبتهم بإتاحة الفرصة لمشاهدة ظاهرة مس حقيقية ،وأمكن ملاحقة هذه الطريقة بطريقة علمية بحثية موضوعية .
الخلاصة
ظاهرة المس ظاهرة حقيقية دل عليها الوحي والعقل والحس ، والإنكار لهذه الظاهرة ليس مرده الأدلة ، فالأدلة من الكثرة بحيث لا يمكن إغفالها ولا يستساغ تأويلها أو تعطيلها ، بل هناك أسباب كثيرة ودواعي متعددة وراء إنكارها منها ما ذكرت سابقاً ، ولو وجدت هذه الظاهرة باحثاً علمياً موضوعياً متجرداً لاكتشاف أسرارها وحقيقتها لوصل لنتائج باهرة في هذا المجال أمكن أن تكون أساساً في علم الدراسات النفس روحية ، وأمكن أن تؤسس لمنهج جديد في العلاج النفس روحي تستفيد منه البشرية جمعاء ، لكن المجتمعات الشرقية مازالت لا تملك جرأة البحث بموضوعية ، ولا يوجد فيها إمكانيات لتكوين فريق عمل متخصص يعتني باكتشاف الظاهرة وملاحقتها من جميع جوانبها ، لكن هناك إمكانيات لتفعيل الندوات المتعددة لإنكار الظاهرة ، بقي أن ننتظر فريق عمل غربي ليحل لنا هذه المعضلة
|