التكملة ومن أهم مجالات العلوم التي اهتم المسلمون بتعليمها: العلوم الأصيلة، والعلوم المقتبسة.
أولاً: العلوم الأصيلة:
هي العلوم التي تتصل بالقرآن الكريم والسنة النبوية وأصول الدين وما يخص الأمة من آداب وتاريخ، وقد أبدعها المسلمون أنفسهم، ولم يقتبسوها من غيرهم، ومن أبرز هذه العلوم:
- علم القراءات القرآنية:
وُجدت القراءات مع وجود القرآن الكريم، فقد كان جبريل -عليه السلام- يُقرئ النبي ( بأكثر من طريقة؛ تيسيرًا على الناس؛ لاختلاف لهجاتهم، واهتم صحابة الرسول ( بحفظ القرآن وتدوينه وتعليمه، واشتهر من بينهم بحفظ القرآن علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وسالم مولى حذيفة، وعبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وغيرهم رضي الله عنهم.
وقد أخذ عنهم عدد كبير من الصحابة -أيضًا- والتابعين في الأمصار، فراح الناس يقرءون على طريقتهم في القراءة إلى أن جاء القرَّاء السبعة المشهورون:
أبو عمرو بن العلاء في البصرة، ونافع في المدينة، وعاصم في البصرة، وحمزة، والكسائي في الكوفة، وعبد الله بن عامر في الشام، وابن كثير في مكة المكرمة، فاعتنوا بضبط القراءة وإسنادها إلى رسول الله (، ووضعوا القواعد من أجل ذلك.
ومن هنا نشأ علم القراءات، والقراءات جمع قراءة، وهي مذهب من مذاهب النطق في القرآن قرأ به إمام من أئمة القراءات، يختلف عن المذهب الذي قرأ به غيره في الأداء والحروف، وقد اهتم المسلمون بتدوين هذه القراءات وضبطها وبيان قواعدها، وبيان أئمتها ورواتها وسندها والفروق بينها، كما اهتموا ببيان أنواعها، ومن الكتب المدونة في هذا الموضوع:
1ـ التيسير في القراءات السبع لابن الصيرفي (ت 444 هـ).
2ـ جامع البيان في القراءات السبع لأبي عمرو الداني.
3 ـ النشر في القراءات العشر لابن الجزري (ت 833 هـ).
4ـ في القراءات العشر لابن مهران الأصبهاني (ت 381 هـ).
وقد أسهم هذا العلم وعلم التجويد في الحفاظ على قراءة القرآن الكريم قراءة صحيحة، والحفاظ عليه من التحريف والتبديل، كما أسهم علم التجويد في نشأة علم أصوات اللغة العربية، والتي وضع لها علماء المسلمين القواعد فيما بعد، واستفاد منها علماء اللغة في العصر الحديث.
- علم التفسير:
هو العلم الذي يبحث في أوجه معاني كلام الله تعالى، ومعرفة المراد منه، ومعرفة أحكامه وحِكَمه، وما اشتمل من عقائد وأسرار. قال ابن عباس: التفسير أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها (الذي يفهم من لغة العرب)، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته (وهو الذي يأتي إلى الذهن من معرفة معناه من النصوص)، وتفسير تعلَّمه العلماء (بالاجتهاد والاستنباط)، وتفسير لا يعلمه إلا الله (وهو ما يتعلق بالأمور الغيبية).
وطرق تفسير القرآن هي:
- تفسير القرآن بالقرآن.
- تفسير القرآن بالسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله ( .
- التفسير بقول الصحابي.
- التفسير بقول التابعي.
- التفسير بمطلق اللغة، فإن القرآن نزل بلسان عربي مبين.
- التأويل.
ويفسر القرآن تبعًا للترتيب السابق، ولا ننتقل من طريقة في التفسير إلى أخرى إلا إذا لم يوجد فيها تفسير للآية المطلوبة، وقد فسر الرسول ( بعض الآيات للصحابة، ولكن ليس لدينا ما يدل على أن رسول الله ( فسر جميع القرآن كله، لذا فنحن نكتفي من تفسير رسول الله ( ومن سنته بما وصلنا صحيحًا ثابتًا عنه.
وفي عهد التابعين ومن بعدهم انفصل علم التفسير عن علم الحديث، واستقل بكتب خاصة به، فظهرت تفاسير عديدة على مر الزمن، ويمكن تقسيمها حسب المنهج العلمي الذي اتبعه العلماء، إلى قسمين:
- التفسير بالمأثور: ويعتمد على النقل والرواية والأخبار، ويشمل تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة، وبأقوال الصحابة أو التابعين، ومن أمثلة كتب التفسير بالمأثور:
1- جامع البيان في تفسير القرآن. لمحمد بن جرير الطبري (ت 310 هـ).
2- تفسير القرآن العظيم لابن كثير (ت 774 هـ).
3- الدر المنثور في التفسير المأثور لجلال الدين السيوطي (ت911 هـ).
- التفسير بالرأي: وهو تفسير القرآن بالاجتهاد والاستنباط، بالاعتماد على اللغة العربية ومعاني الألفاظ، والتفسيرات المأثورة، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وفيه يجتهد العالم بعد أن يحيط بالعلوم اللازمة لتفسير كتاب الله، وهي العلوم السابقة. ومن أهم نماذج كتب التفسير بالرأي:
1- مفاتيح الغيب للفخر الرازي (ت 606هـ) وهو تفسير يغلب عليه ثقافة مؤلفه في علوم الكون والطبيعة وأقوال الحكماء والفلاسفة، وقد ربط فيه مؤلفه بين معظم العلوم التي اشتهرت في عصره، وبين القرآن الكريم.
2- البحر المحيط، لأبي حيان الأندلسي (ت 745هـ).
3- إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود محمد بن محمد العمادي (ت982 هـ).
4- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لشهاب الدين محمد الألوسي البغدادي (ت 1270هـ).
وقد اهتم المسلمون في العصر الحديث بتفسير القرآن الكريم، ومن أمثلة هذه التفسيرات:
1- تفسير المنار لمحمد رشيد رضا.
2- التفسير القرآني للقرآن لعبد الكريم الخطيب.
3- في ظلال القرآن لسيد قطب.
4- تفسير القرآن للشيخ المراغي.
كما اهتم المسلمون في العصر الحديث أيضًا بالتفسير العلمي للقرآن، ومن أمثلة هذا التفسير:
- تفسير الجواهر للشيخ طنطاوي جوهري.
كما اهتم المعاصرون بجمع تفاسير الصحابة والتابعين ومن بعدهم من خلال الرسائل الجامعية وغيرها، وإحياء ما هو مخطوط من ذلك، وقد قدم تفسير القرآن للحضارة الإسلامية خدمات جليلة، منها: أنه ساعد على استنباط الأحكام من كتاب الله، ومعرفة قواعد وأصول الحضارة الإسلامية في كل مجالات الحياة، كما ساعد على فهم مقاصد كتاب الله.
علم الحديث:
لقد حرص صحابة رسول الله ( على سماع أحاديثه، وبلغ حرصهم على تتبع سماع هذه الأحاديث أن كان بعضهم يتبادلون ملازمة مجلسه ( يومًا بعد يوم، فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد -وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على رسول الله (، ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوصى وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.
وكان الرسول ( يحضُّ المسلمين على تبليغ ما يسمعون، فقال: (نضَّر الله امرأً سمع منا شيئًا فبلغه كما سمع، فربَّ مبلَّغ أوعى من سامع) [الترمذي]. وكان أبو هريرة وابن عباس أكثر الصحابة حفظًا لكلام رسول الله ( .
|