غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿2﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُو
[align=center]غُلِبَتِ الرُّومُ ﴿2﴾ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ﴿3﴾
فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ﴿4﴾[/align]
د. زغـلول النجـار
هذه الآيات القرآنية الكريمة جاءت في مطلع سورة الروم, وهي سورة مكية يدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة, شأنها في ذلك شأن كل القرآن المكي. ومن قضايا العقيدة الأساسية الإيمان بوحدانية الخالق( سبحانه وتعالي), وبوحدة الرسالة, ووحدة الخلق, والإيمان بالآخرة وأهوالها, ومنها هول البعث, وهول الحساب, وهول الميزان, وهول الصراط, وحتمية الجزاء, وحتمية الخلود في الحياة القادمة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا...!!
وقد ابتدأت السورة الكريمة بالتنبؤ بحدث غيبي قبل وقوعه بعدة سنوات ألا وهو انتصار الروم علي الفرس بعد هزيمتهم أمامهم قبل نزول هذه السورة المباركة بعدة سنوات. وتزخر السورة بالأمر بتسبيح الله, وتنزيهه وحمده, وبالاستشهاد بعدد كبير من الآيات الكونية الدالة علي طلاقة قدرته وشمول علمه, وعدل قضائه...!! وتنصح السورة النبي والرسول الخاتم( صلي الله عليه وسلم) بأن يقيم وجهه لدين الإسلام الحنيف, الذي لا يرتضي ربنا( تبارك وتعالي) من عباده دينا سواه, لأنه دين الفطرة التي فطر الله( تعالي) الناس عليها, والتي لا تبديل لها, وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك, وتأمر المسلمين بالإنابة إلي الله وتقواه, كما تأمرهم بإقام الصلاة, وبالحذر من الوقوع في دنس الشرك بالله, لأن الذين أشركوا قد فرقوا دينهم, وكانوا شيعا عديدة حسب أهوائهم, وكل حزب منهم فرح بما لديه...!!!
وتحدثت السورة الكريمة عن شيء من التقلب في طبائع النفس البشرية, والذي لا تستقيم معه الحياة السوية, مثل اللجوء إلي الله تعالي في الشدة, والإعراض عنه في الرخاء, والإيمان به( تعالي) في لحظات الضيق, والشرك أو الكفر به( تعالي) وبما أنزل في لحظات السعة والرحمة, وتضرب السورة مثلا للناس من حياتهم علي سخافة فكرة الشرك بالله إذا ناقشها العقل بشيء من الموضوعية والحيدة. ومن مكارم الأخلاق التي تدعو إليها السورة الكريمة: الأمر بإخراج الزكاة وإيتاء ذي القربى, والمساكين وأبناء السبيل, والنهي عن أكل الربا, علي أن ينطلق ذلك كله من الإيمان بأن الله( تعالي) هو الخالق, الرزاق, المحيي, المميت, وتربط السورة بين ظهور الفساد في البر والبحر وبين أعمال الناس وما كسبت أيديهم, وتأمر بالسير في الأرض لاستخلاص العبر من سير الأولين,ومصائر الظالمين.
وتؤكد السورة مرة ثانية لخاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) ضرورة الاستقامة علي الدين القيم من قبل أن تأتي الآخرة فيصدع بها كل الخلائق ثم يجزي كل بعمله. ومن الآيات الكونية التي استشهدت بها سورة الروم علي طلاقة القدرة الإلهية: خلق السماوات والأرض, وخلق الأحياء, وخلق الإنسان, كل ذلك في زوجية تشهد للخالق وحده( سبحانه) بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه, ومنها اختلاف ألسنة الناس وألوانهم, وإعطاء الإنسان الاستطاعة علي النوم بالليل أو في النهار, وعلي ابتغاء فضل الله, ومن آياته الرعد والبرق, وإنزال المطر, وإحياء الأرض بعد موتها, وقيام السماوات والأرض بأمره, وخضوع كل من فيها أو عليها بأمره, وبعث الموتى بأمره, وأنه هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده, وله المثل الأعلى في السماوات والأرض.
ومن آياته إرسال الرياح برحمة منه وفضل, وجري الفلك بأمره, وإثارة السحاب, وما يستتبعه من أحداث بأمره, ومرور كل حي بمراحل من الضعف, ثم القوة, ثم الضعف والوفاة, ومن آياته أنه يحيي الموتى وأنه علي كل شيء قدير...!! وتذكر السورة خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) بشيء من قصص من سبقه من الأنبياء والمرسلين, وما أصاب أقوامهم من انتقام من الظالمين, ونصر للمؤمنين, كما تذكره( صلوات الله وسلامه عليه) بأن ما عليه إلا البلاغ.
وتختتم السورة الكريمة مرة أخري بالحديث عن البعث وأهواله, وعن مصير أهل الكفر والشرك والضلال في هذا اليوم العصيب, ومصير أهل الإيمان والتقوى, وتكرر الإشارة إلي شيء من طبائع النفس البشرية, وقد ضربت لها آيات القرآن الكريم من كل مثل, ولكن الذين كفروا لا يؤمنون, فالله( تعالي) قد طبع علي قلوب الذين لا يعلمون. وتنتهي السورة بتثبيت خاتم الأنبياء والمرسلين( صلي الله عليه وسلم) بوصية من الله( تعالي) له بالصبر علي استخفاف الكفار والمشركين بدعوته, والاطمئنان بأن وعد الله حق, وهو واقع لا محالة...!!
والآيات الكونية الواردة في سورة الروم تحتاج إلي مجلدات لتفصيل دلالاتها, ولإظهار جوانب الإعجاز العلمي فيها, ولكني سأقتصر في هذا المقال علي الإشارة القرآنية إلي الموقع الذي هزمت فيه جيوش الروم علي أيدي جيوش الفرس بالتعبير: أدني الأرض, وقبل الدخول في ذلك لابد من عرض الدلالة اللغوية لهذا التعبير ولأقوال المفسرين فيه.
أدني الأرض في اللغة العربية:
يقال في اللغة دنا)( يدنو)( دنوا) بمعني قرب بالذات أو بالحكم, ويستعمل في المكان, والزمان, والمنزلة, كما يعدي فيقال( أدني)( يدني)( أدناءة), ويقال دانيت) أو( أدنيت) بين الأمرين أي قاربت بينهما, حتي صارت بينهما( دناوة) أي: قرب أو قرابة.. و(الدني) القريب, و(الدنئ) بمعني الدون, الخسيس, وقد( دنأ)( يدنأ), وفيهما( دناءة), ويقال دنؤ) بمعني انحط, و(الدنيئة) هي النقيصة. قال( تعالي):.... ومن النخل من طلعها قنوان دانية...[ الأنعام:99].
وقال( سبحانه): ثم دنا فتدلي. فكان قاب قوسين أو أدني.[ النجم:9,8]. وفي الحديث الشريف: إذا أكلتم فادنوا أي كلوا مما يليكم. ويعبر بـ( الأدني) تارة عن الأقرب فيقابل بالأبعد( أو الأقصي) من مثل قوله( تعالي): إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوي....[ الأنفال:42].
وتارة ثانية يعبر بها عن الأخفض( أو الأحقر) فيقابل بالأعلي( أو الأعز) وذلك من مثل قوله( تعالي): ..... يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدني أن يعرفن فلا يؤذين....( الأحزاب:59).
وتارة ثالثة تأتي بمعني الأقل في مقابل الأكثر, من مثل قوله( تعالي):.... ولا أدني من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم...[ المجادلة:7] وتارة رابعة يعبر بها عن الأرذل فيقابل بالذي هو خير, وذلك من مثل قوله( تعالي): .... قال أتستبدلون الذي هو أدني بالذي هو خير...( البقرة:61)
وتارة خامسة يعبر بها عن الأولي( الدنيا) في مقابلة الآخرة وذلك من مثل قوله( تعالي): .... منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة.... (آل عمران:152)
وسميت( الدنيا) بهذا الاسم لدنوها, والجمع( الدنا), وأصله الدنو فحذفت الواو لاجتماع الساكنين, والنسبة إليها( دنياي), وقيل( دنيوي) ودني, ويقال تدني) فلان أي( دنا) قليلا قليلا, و(تدني) المستوي بمعني هبط, و(تدانوا) أي( دنا) بعضهم من بعض.
شروح المفسرين:
في تفسير قوله تعالي: ألم. غلبت الروم. في أدني الأرض. وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين. لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم( الروم:1 ـ5). ذكر بن كثير( يرحمه الله) قول بن عباس( رضي الله عنهما) حيث قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس علي الروم لأنهم أصحاب أوثان, وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم علي فارس, لأنهم كانوا من أهل الكتاب, فذكر ذلك لأبي بكر( رضي الله عنه), فذكره أبو بكر لرسول الله( صلي الله عليه وسلم), فقال رسول الله( صلي الله عليه وسلم):[ أما إنهم سيغلبون], فذكره أبو بكر للمشركين, فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا, فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا, وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا, فجعل أجل خمس سنين, فلم يظهروا, فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله( صلي الله عليه وسلم) فقال:[ ألا جعلتها إلي دون العشر؟], ثم ظهرت الروم بعد, قال فذلك قوله تعالي:[ ألم. غلبت الروم. في أدني الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون].
وأضاف بن كثير عدة روايات أخري للحديث عن كل من مسروق, وابن مسعود, وعكرمة( رضي الله عنهم أجمعين) في المعني نفسه, وزاد قوله:... وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم, ويقال لهم بنو الأصفر, وكانوا علي دين اليونان; واليونان من سلالة يافث بن نوح أبناء عم الترك, وكانوا يعبدون الكواكب السيارة, وهم الذين أسسوا دمشق وبنوا معبدها, فكان الروم علي دينهم إلي بعد مبعث المسيح( عليه السلام) بنحو من ثلاثمائة سنة, وكان من ملك منهم الشام مع الجزيرة يقال له( قيصر); فكان أول من دخل في دين النصاري من الروم( قسطنطين); وأمه مريم الهيلانية من أرض حران وكانت قد تنصرت قبله فدعته إلي دينها... واستمروا علي النصرانية, كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده حتي كان آخرهم( هرقل)... فناوأه كسري ملك الفرس, وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر, وكانوا مجوسا يعبدون النار, فتقدم عن عكرمة( رضي الله عنه) أنه قال: بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه, والمشهور أن كسري غزاه بنفسه في بلاده فقهره, وكسره وقصره حتي لم يبق معه سوي مدينة قسطنطينية فحاصره بها مدة طويلة حتي ضاقت عليه, ولم يقدر كسري علي فتح البلدة, ولا أمكنه ذلك لحصانتها, لأن نصفها من ناحية البر, ونصفها الآخر من ناحية البحر, فكانت تأتيهم الميرة والمدد من هناك, ثم كان غلب الروم لفارس بعد بضع سنين وهي تسع, فإن البضع في كلام العرب ما بين الثلاث إلي التسع.
وذكر صاحبا تفسير الجلالين( يرحمهما الله) كلاما موجزا في المعني نفسه, وأضافا تعليقا علي التعبير القرآني( في أدني الأرض) أن المقصود به:[ أقرب أرض الروم إلي فارس بالجزيرة, التقي فيها الجيشان, والبادي بالغزو( هم) الفرس...]. وجاء في الظلال( رحم الله كاتبها رحمة واسعة) ما نصه:
ثم جاءت النبوءة الصادقة الخاصة بغلبة الروم في بضع سنين.... وأضاف رواية عبدالله بن مسعود( رضي الله عنه) مؤكدا أن هذا الحادث قد وردت فيه روايات كثيرة, تتفق كلها في المعني والدلالة, وتختلف في الألفاظ وطرائق التعبير. وجمع الكاتب( رحمه الله) من هذه الآيات القرآنية الكريمة عددا من الإيحاءات منها: الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان; ومنها الثقة المطلقة في وعد الله كما تبدو في قولة أبي بكر( رضي الله عنه) في غير تلعثم ولا تردد,
|