![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
العرب قبل الاسلام
معلوم ان عجز الانسان وضعفه امام ظواهر الطبيعة المتقلبة وقواها، مع قصور تجربته ومعرفته، كان هو الدافع لتصور قوى مفارقة ميتافيزيقية، هي التي تقف وراء متغيرات الطبيعة وثوراتها وغضبها وسكونها، لان تلك الظواهر لم تكن مفهومة، فقد جاءت تلك القوى ايضا غيبية و لذلك ارتبطت عقائد الناس في اربابها بوسطها البيئي ، حيث عبرت عن ذلك الوسط واظهر مظاهرة واكثرها تكرارا وديمومة، ومن هنا قدس العربي اجرام السماء التي تظهر بكل وضح في ليله الصحراوي المنبسط، دون حواجز حتى الافق بدائرته الكاملة، كما قدس الاحجار خاصة ذات السمات المتفردة منها، فبيئته رمال وصخور واحجار، وقد غلب انتشار الصخور البركانية في جزيرة العرب لانتشار البراكين فيها، واطلقوا عليها سم الحرات من الحرارة والانصهار.
لكن اتساع رقعة الجزيرة على خطوط عرض واسعة، ادى الى تبيان ظروف البيئة والمناخ، مما ادى الى تعدد مماثل في الظواهر، وبالتالي تعددية مفرطة في العبادات، هذا ناهيك عن وعورة المسالك في الجزيرة ، والتي ادت الى ما يشبه العزلة لمواطن دون مواطن، خاصة تلك التي في الباطن، مما ادى الى احتفاظها بالوان من العقائد الموغلة في قدمها وبدائيتها، نتيجة عدم الاحتكاك بالثقافات الاخرى التي تساعد على تطور الراسب المعرفية من ثم العقائدي. التعدد في العبادة وهكذا يمكنك ان تجد اضافة لعبادة اجرام السماء وعبادة الاحجار والصخور، بقايا من ديانات بدائية كالفيتشية والطوطمية ، وعبادة الأوثان وعبادة الأسلاف . والفيتشية أكثر ديانات الجزيرة انتشارا بين أهلها، وهي تقدس الأشياء المادية كالاحجار، للاعتقاد بوجود قوى سحرية خفية بداخلها، أو لأنها قادمة من عالم الآلهة في السماء أو من باطن الارض حيث عالم الموتى، وقد ظلت تلك العقائد قائمة حتى ظهور الإسلام . اما الطوطمية ، التي تعتقد بوجود صلة لأفراد القبيلة بحيوان ما مقدس ، فتظهر في سميات قبائل العرب ، مثل (أسد، فهد، يربوع ، ضبة ، كلب ، ظبيان ... الخ ). لذلك كانوا يحرمون لمس الطوطم أو حتى التلفظ باسمه ، لذلك كانوا يكنون عنه ، فالملدوغ يقولون عنه السليم ، والنعامة يكني عنها المحلى ، والأسد أبي حارث ، والثعلب ابن آوى، والضبع أم عامر، وهكذا. هذا اضافة الى تقديس الأشجار، مثل ذات انواط التي كانوا يعظمونها، ويأتونها كل سنة فيذبحون عندها ويعلقون عليها اسلحتهم وارديتهم . كذلك عبد العرب كائنات أسموها (الجن ) خوفا ورهبة ، ودفعا لأذاها، وظنوها تقطن الاماكن الموحشة والمواضع المقفرة والمقابر، وكان العربي إذا دخل إلى موطن قفر حيا سكانه من الجن بقوله : عموا اطلاها، ويقف قائد الجماعة ينادي : إنا عائذون بسيد هذا الوادي، وتصوروا الجن كحال العرب ، فهم قبائل وعشائر تربط بينهم صلات الرحم ، يتقاتلون ويفزر بعضهم بعضا، ولهم سادة وشيوخ وعصبيات ، ولهم من صفات احر بان كثير، فهم يرعون حرمة الجوار ويحفظون الذمم ويعقدون الاحلاف .. وقد يتقاتلون فيثيرون العواصف ، ويصيبون البشر بالأوبئة والجنون . وقد نسبوا الى الجن الهتف قبل الدعوة مباشرة ، حيث كثر الهواتف اي الاصوات التي تنادي بأمور وتنبىء بأخرى بصوت مسموع وجسم غير مرئي.. وقد اعتمد الكهان على تلك الاعتقادت فزعموا انهم يتلقون وحيهم عن الجن ، وان الجن بامكانها الصعود الى السماء والتنصت على فصائر البشر في حكايات الملأ الأعلى مع بعضهم عمن في الأرض , وان الكاهن بامكانه معرفة مصائر البشر عبر رفيقا من الجان . عبادة الاسلاف أما أشد العبادات انتشارا واقربها الى الظرف المكاني والمجتمعي، فهي عبادة الاسلاف الراحلين ، ويبدو لنا أن تلك العبادة كانت غاية التطور في العبادة في العصر قبل الجاهلي الاخير، حيث كان ظرف القبيلة لا يسمح بأي تفكك نظرا لانتقالها الدائم وحركتها الواسعة وراء الكلأ ، وهو التنقل الذي كان يلزمه لزوجة جامعة لأفرادها، ثم تمثله في سلف القبيلة وسيدها الراحل الغابر، فأصبح هو الرب المعبود وهو الكافل لها الحماية والتماسك ، بوصفها وحدة عسكرية مقاتلة متحركة دوما، فاستبدلت بمفهوم الوطن مفهوم الحمى، والذي يشرف عليه سيدهم وأبوهم القديم وربهم المعبود، حيث تماهى جميع أفراد القبيلة فيه ، ومن هنا كان الرب هو سيد القبيلة الراحل القديم ، الذي تمثلوه بطلا مقاتلا أو حكيما لا يضارع ، ومن ثم تعددت الأرباب بتعدد القبائل ، ونزعت القبائل مع ذلك نحو التوحيد، وهى المعادلة التي تبدو غير مفهومة للوهلة الأولى ، لكن بساطة الامر تكمن في ان البدوى في قبليته كان لا يعبد في العادة ويبجل سوى ربه الذي هو رمز عزته ورابط قبيلته ، ولا يعترف بأرباب القبائل الأخرى، وهو الامر الذي نشهد له نموذجا واضحا في المدون الاسرائيلي المقدس ، حيث عاش بنو اسرائيل ظروف قبلية شبيهة ، فيقول سفر الخروج : "من مثلك بين الآلهة يارب "، أي ان القبلى كان يعرف أربابا أخرى لقبائل اخري، لكن ربه هو الأعظم من بينها. لذلك لكن البدوي في قبليته يأنف أن يحكمه أحد من خارج نسبه، لأن نسبه هو ربه، هو سلفه، هو ذاته، هو كرامته وعزته، لذلك كانت عبادة الاسلاف أحد أهم العوامل في تفرق العرب القبلي ، وعدم توحدهم في وحدة مركزية تجمعهم . ولم يأت الاعتراف بآلهه أخرى لقبائل أخرى الا فيما بعد، بعد دخول المصالح التجارية للمنطقة، واستعمال النقد، وظهور مصالح لافراد في قبيلة ترتبط بمصالح لافراد في قبيلة اخرى، مما ادى لاعتراف متبادل بالأرباب ، وهو الامر الذي بدأ يظهر خاصة في المدن الكبرى بالجزيرة على خط التجارة ، في العصر الجاهلي الأخير، كما حدث في مكة والطائف ويثرب وغيرها. المستوى المعرفي دأب بعض مفكرينا في شؤون الدين - عافاهم الله - على الحط من شأن عرب الجزيرة قبل الاسلام، وتصويرهم في صورة منكرة ، وسار على دربهم أصحاب الفنون الحديثة في القصة والسيناريو والأعمال الفنية السينمائية ، بحيث قدموا ذلك العربي عاريا من أية ثقافة أو حتى فهم أو حتى انسانية ، حتى باتت صورته في ذهن شبيبتنا، إن لم تكن في أذهان بعض المثقفين بل والكتاب أيضا، اقرب الى الحيوانية منها الى البشرية . وقد بدا لهؤلاء أن القدح في شأن عرب قبل الإسلام ، وابرازهم بتلك الصورة المزرية ، هو فرش أرضية الصورة بالسواد، لابراز نور الدعوة الاسلامية بعد ذلك ، وكلما زادوا في تبشيع عرب الجاهلية ، كلما كان الاسلام اكثر استضاءة وثقافة وعلما وخلقا وتطورا على كل المستويات . وان الامر بهذا الشكل يبعث اولا على الشعور بالفجاجة والسخف ، ثم هويجا في ابسط القواعد المنطقية للايمان ، فالأيمان يستدعي بداية قيمته من دعوته ، ومن نصه القدسي، وسيرة نبيه ، فقيمته في ذاته ، قيمة داخلية ، وليست من قارنته بآخر، اما الأنكي في الأمر، فهو ان تتم مقارنة الالهي بالانساني، لابراز قيمة الالهي ازاء نقص الانساني، في تلك الحال ستكون ظالمة لكليهما: الإلهي والإنساني، فالإلهي لا يقارن بغيره ، كما ان مقارنة الإنساني به فداحة في التجني على الانساني بما لا يقارن مع الالهي. وقد فطن (الدكتور طه حسين ) الى ذلك الامر وعمد الى ايضاحه في كتابه الادب الجاهلي مبينا مدى تهافت الفكرة الشائعة حول جا«لية العرب قبل الاسلام ، وكيف أن تلك الفكرة أرادت تصوير العرب كالحيوانات المتوحشة ، لإبراز دور الاسلام في نقله الاعجازي هؤلاء الاقوام المتوحشين ، فجأة ودن مقدمات موضوعية ، الى مشارف الحضارة ، فجمعهم في أمة واحدة ، فتحوا الدنيا وكونوا امبراطورية كبرى. هذا بينما القراءة النزيهة لتاريخ عرب الجزيرة في المرحلة قبل الإسلامية تشير بوضوح ، إلى أن العرب لم يكونوا كذلك وفي تطورها الانساني، اما الركون الى عقائدهم لتسفيههم ، فهو الامر الاشد فجاجة في الرؤية ، فيكفينا ان نلقى نظرة حولنا، على الانسان وهو في مشارف قرنه الحادي والعشرين ، لنجده لم يزل بعد يعتقد في أمور هي من أشد الأمور سخفا. معارف العصر والمطالع لاخبار ذلك العصر المنعوت بالجاهلي ، في كتب الاخبار الاسلامية ذاتها، سيجد في الاخلاق مستوى رفيعا هو النبالة ذاتها، وسيجد المستوى المعرفي يتساوق تماما مع المستوى المعرفي للاهم من حولهم، وان معارفهم كانت تجمع الى معارف تلك الامم معارفهم الخاصة، فقط كان تشتتهم القبلى وعدم توحدهم في دولة مركزية ، عائقا حقيقيا دون الوصول الى المستوى الحضاري لما جاورهم من حضارات مركزية مستقرة . وهو الامر الذي اخذ في التطور المتسارع في العصر الجاهلي الاخير نحو التوحد في احلاف . كبرى، تهيئة للامع العظيم الآتي في توحد مركزي ودولة واحدة كبرى. فعلى مستوى المعارف الكونية ، كان لدى العرب تصورات واضحة ، تضاهي التصورات في الحضارات حولهم : فالأرض كرة مدحاة ، والسماء سقف محفوظ ، تزينه مصابيح هي تلك النجوم، وفيه كواكب سيارة ، اطلقوا عليها (الخنس الجواري الكنس )، فهذا (زيد بن عمرو بن نفيل) يحدثنا عن التصور الكوني المعروف في بلاد الحضارات ، في قوله : دحاها فلما رآها استوت على الماء أرسى عليها الجبالا بينما نجد (أمية بن عبد الله الثقفي)، يصور لنا ما درج عليه العالم القديم من تصور لسماء سقفا بلا عمد، وانها طبقات سبع ، وان الشهب فيها حماية ورصدا ومنعا للجن من استراق السمع على الملأ الأعلى ، وذلك في قوله : بناها وابتنى سبعا شدادا بلا عمد يرين ولا حبال سواها وزينها بنور من الشمس المضيئة والهلال ومن شهب تلالأت في دجاها مراميها اشد من النضال المعارف الدينية |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر رد |
| الامام ابن تيمية يجيز الاحتفال يجيز الاحتفال بالمولد فلماذا المكابرة يا من تدعون انك | عاشق المنتدى | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 23 | 03-Feb-2012 10:15 PM |
| ايتها القاديانية انه التاريخ | الخزيمة | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 0 | 06-May-2011 02:45 PM |
| موضووووووووع مفتوح للجميع فهلموا لطرح مشكلاتكم فية | عذراء الثلج | قسم حل المشكلات الأسرية والإجتماعية والإرشاد النفسي | 17 | 13-Mar-2009 09:51 PM |
| الراقي المصري في قفص السؤال ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ | ابو زبيدة | قسم وجهة نظر | 20 | 17-Jun-2008 02:39 PM |
| موسوعة كلمات الأناشيد ( متجدد ) | قلبي الإمارات | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 15 | 24-Jan-2008 10:00 PM |