العودة   دار الرقية الشرعية > المنتدى الإجتماعي > قسم حل المشكلات الأسرية والإجتماعية والإرشاد النفسي

 
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع طريقة عرض الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 12-Jul-2008, 11:11 PM
الصورة الرمزية مصداقية الحرف
 
عضو جديد

 الأوسمة و جوائز
 بينات الاتصال بالعضو
 اخر مواضيع العضو
  مصداقية الحرف غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 11982
تـاريخ التسجيـل : Feb 2007
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 34 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 10
قوة التـرشيــــح : مصداقية الحرف is on a distinguished road
ظاهرة التفكك الأسري

بسم الله الرحمن الرحيم

إن القاعدة الكبرى في تحقيق سعادة المجتمع وضمان استقراره، والركيزة العظمى في إشادة حضارة الأمة وبناء أمجادها، تكمن بعد عقيدتها وإيمانها بربها في نسيجها الاجتماعي المترابط، ومنظومتها القيمية المتألقة، التي تنظم عواطف الود المشترك، والحب المتبادل والتصافي المشاع، والصلة المستديمة، في بُعدٍ عن الضغائن والبغضاء، وغوائل التقاطع والجفاء، وإثارة الأحقاد والشحناء.

إن المستقرئ للأوضاع الاجتماعية في كثير من المجتمعات الإسلامية ليدرك أنه في خضم المتغيرات الاجتماعية وفي ظل تداعيات النقلة الحضارية، وفي دوامة الحياة المادية، ومعترك المشاغل الدنيوية حدثت أنواعٌ من السلوكيات والأنماط الخطيرة التي يُخشى أن تؤثر في إختلال نظام الأمة الاجتماعي، ويأتي الانفتاح العالمي، والأخطبوط العولمي ليذكي غوار هذه السلوكيات، ويشعل هذه السلبيات؛ مما يؤكد أهمية تمسك الأمة بعقيدتها وقيمها الحضارية وأخلاقها الاجتماعية الأصيلة....

ولعل من أخطر الظواهر والمشكلات التي أذكتها المتغيرات في الأمة ما يتعلق بالأوضاع الاجتماعية، وما جد عليها من مظاهر سلبية، يوشك أن تعصف بالكيان الأسري، وتهدد التماسك الاجتماعي، فكثرت ظواهر عقوق الأبناء، وتساهل الآباء، وتقلصت وظائف الأسرة، وكثر جنوح الأحداث، وارتفعت نسب الطلاق والمشكلات الاجتماعية، وتعددت أسباب الجريمة ومظاهر الانحراف والانتحار والعنف العائلي، والمشكلات الزوجية، ووهت كثيرٌ من الأواصر، وضعف التواصل بين الأقارب والأرحام، وسادت القطيعة والجفاء، وحلت محل الصلة والصفاء، وضعفت وشائج الأخوة، وروابط المودة، وشاعت قيم الأنانية والآحادية، بدل القيم الإيثارية والجماعية، مما ينذر بإشعال فتيل أزمة اجتماعية خطيرة، يجب المبادرة إلى إطفائها والقضاء عليها بإيلاء قضايانا الاجتماعية حقها من العناية والرعاية والاهتمام....

وهذه وقفة مع قضية من أخطر القضايا الأسرية، تشخص ظاهرة من أخطر الظواهر الاجتماعية التي لها آثارها السلبية على الأفراد والأسر والمجتمع والأمة، تلكم هي ظاهرة التفكك الأسري والخلل الاجتماعي الذي يوجد في كثير من المجتمعات اليوم مما ينذر بشؤمٌ خطير، وشر مستطير، يهدد كيانها، ويزعزع أركانها، ويصدع بنيانها، ويحدث شروخاً خطيرة في بنائها الحضاري، ونظامها الاجتماعي مما يهدد البنى التحتية لها، ويستأصل شأفتها، وينذر بهلاكها وفنائها.

إن الترابط الأسري والتماسك الاجتماعي ميزة كبرى من مزايا شريعتنا الغراء، وخصيصة عظمى من خصائص مجتمعنا المسلم المحافظ الذي لحمته التواصل، وسداه التعاون والتكافل، ويوم أن زبعت زوابع العصرنة والتحديث على كثير من المجتمعات الإسلامية عاشت مرحلة انتقالية افتقدت من خلالها ما كان يرفرف على جنباتها من سلامٍ أسري ووئام اجتماعي، مما أفرز جيلاً يعيش على أنماطٍ اجتماعية وافدة، وينحدر إلى مستنقعٍ موبوء، ووحلٍ محموم، من أمراض حضارة العصر التي سرت عدواها إلى بعض المجتمعات الإسلامية فاجتاحت المثل الأخلاقية العليا، والقيم الاجتماعية المثلى، وكأنها الإعصار المدمر لقيم الأمة ومثلها.

إن النظرة الفاحصة لما تعيشه المجتمعات الغربية لتأكد أن أقسى ما تعانيه هذه المجتمعات اليوم هو التفكك الأسري والفردية المقيتة، التي ضاقت بها بيوتهم بعد أن ضاقت بها قلوبهم، ولا عجب أن يطلب أهل الحي فيهم الجهة الأمنية لأن مسناً قد مات، فأزكمت رائحته الأنوف بعد تعفنه دون أن يعلم بموته أحد.

إنها الماديات حينما تغلب على القيم والأخلاقيات، والأعجب بل الأدهى من ذلك والأمر أن يسري هذا الداء إلى بعض المجتمعات الإسلامية! وهي ترى بأم عينها كيف أوشكت الأسرة الغربية على الانقراض، فكم نصنع من مظاهر التفكك، وصور الخلل والعقوق في بعض المجتمعات.


فهذا أبٌ لما كبرت سنه ووهن عظمه، واحتاج لأولاده، لم يجد ما يكافئه إلا بالتخلص منه في دور الرعاية وكأن لسان حاله يتمثل قول الأول المكلوم:

غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً تعل بما أجني عليك وتنهل


إذا ليلة ضاقتك بالسقم لم أبت لسقمك إلا ساهراً أتململُ


فلما بلغت السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أأملُ


جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل


فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعلُ



ولما سمع صلى الله عليه وسلم ذلك بكى وأخذ بتلابيب الابن وقال: {أنت ومالك لأبيك }.

وهذا آخر، طاعنٌ في السن يدخل المستشفى وهو على فراش المرض ويعاني من مرارة العقوق والحرمان، ويقول: لقد دخلت هنا منذ أكثر من شهر، ووالله ما زارني أحدٌ من أبنائي وأقاربي.

بل تعدى الأمر إلى ما هو أفظع من ذلك، فهذا مأفونٌ لما بلغت أمه من الكبر عتياً، تبرم وضاق بها ذرعاً، فما كان منه إلا أن أمر الخادمة فأخرجتها خارج المنزل، لتبيت المسكينة على عتبة الباب حتى يحسن إليها الجيران من الغد.

وهذا آخر يطلق النار على أبيه فيرديه قتيلاً من أجل مشادة كلامية، أي جريمة ارتكبها هؤلاء العاقون في حق أعز وأقرب الناس إليهم، ويحهم على قبيح فعالهم حتى لكأن قلوبهم قدت من صخر أو هدت من صلب والله المستعان!
ونماذج العقوق والقطيعة في زمن الأعاجيب كثيرة، فأين الرحمة عند هؤلاء والديانة؟!
بل أين المروءة والإنسانية؟!


وإذا كان هذا في حق الوالدين فما بالكم بموقف هؤلاء من الأقارب والأرحام؟!
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ

لقد وصل الحال ببعض الناس أن يمتلئ قلبه غيظاً وحقداً على أقاربه وذوي رحمه فيقاطعهم، بل يعاديهم ويخاصمهم بل يقاضيهم، ويتمنى لهم الموت الزؤام من أجل أمرٍ تافهٍ حقير يتعلق بحفنة من الحطام، أو وشاية غرٍ لئيم، أو زلة لسان، أو شجارٍ بين الأطفال، فتمر الأشهر والسنوات وقلبه يغلي عليهم، ونفسه تموج غلاً ضدهم كما يموج البركان المكتوم، فلا يستريح إلا إذا أرغى وأزبد، وآذى وأفسد، وانبلجت أساريره بنشر المعايب، وإذاعة المثالب، وسرد القبائح، وذكر الفضائح، وتلك لعمر الحق من دلائل الصغار واللؤم وخسة الطبع وقلة المروءة لدى أقوامٍ لا يتلذذون إلا بالإثارة والتشويش، ولا يرتاحون إلا بالتحريش والتهويش.

إن غليان مراجل القطيعة في المجتمع لا سيما بين أبناء الأسرة وذوي الرحم والقربى، وطغيان المآرب الشخصية، والمصالح الذاتية أدواءٌ فتاكة إذا تمكنت من جسد الأمة أثخنتها، فهي مصدر كل بلاء، وسبب كل عداء، ومنبع كل شقاء، بل هي السلاح البتار الذي يشهره الشيطان ضد القلوب فيفرقها والعلاقات فيمزقها، في غلياناتٍ شيطانية، وهيجاناتٍ إبليسية إذ أرخي لها الزمام، وأطلق لها الخطام، قضت على حاضر الأمة ودمرت مستقبلها، وإذا تنافر ود القلوب كسرت زجاجات التواصل، وتمكن الشر في النفوس، وعاد الناس ذئاباً مسعورة، ووحوشاً كاسرة: يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ

ويوم أن ضعف التدين في قلوب الكثيرين، وكثر الجهل بالشريعة، وطغت المادة؛ ضعفت أواصر التواصل، وتعددت مظاهر القطيعة، وإلا فلا تكاد فضائل الصلة وآثارها الخيرة تخفى على العاقل اللبيب، فهي صفة أهل الإيمان قال تعالى: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ [الرعد:21].

وهي ثمرة من ثمار الإيمان بالله واليوم الآخر.

أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه }.

وهي سببٌ للبركة في الرزق والعمر يقول صلى الله عليه وسلم: {من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له أجله فليصل رحمه } مخرجٌ في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم. أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك } وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لا يدخل الجنة قاطع } قال سفيان : يعني قاطع رحم، رواه البخاري و مسلم .

إن حقاً على كل قاطع رحم أن يبادر بالصلة وهذا الوعيد يقرع سمعه قبل فوات الأوان، ولا أظن أن أحداً يعذر بعد خدمة الاتصالات الحديثة، فرحم الله عبداً يصل رحمه وإن قطعوه، يتعهدهم بالزيارة ويتخولهم بالهدية وإن جفوه،

يقول صلى الله عليه وسلم: {ليس الواصل بالمكافئ، وإنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها } خرجه البخاري وعند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: {يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، قال صلى الله عليه وسلم: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمت على ذلك }

فهنيئاً لقريب أعان على صلته بقبول العذر والصفح والعفو والتغاضي عن الهفوات، والتغافل عن الزلات، إن أحسن فلا يمن، وإن أعطى فلا يظن، لا يعرف السباب، ولا يكثر العتاب، فليست تدوم مودة وعتابُ، يتجنب المراء والجدال، ويحسن الأقوال والفعال، يشارك أقاربه آلامهم وآمالهم ويشاطرهم أفراحهم وأتراحهم مفتاحٌ لكل خير، مغلاقٌ لكل شر، ينصح ولا يفضح، ويستر ولا يعير، وفي ذلك ذكرى للذاكرين وعبرة للمعتبرين...

وبعد تشخيص الداء لظاهرة القطيعة والتفكك الاجتماعي يأتي وصف الدواء، وأخذ التدابير الواقية للتصدي لهذه المشكلة الاجتماعية الخطيرة، ولعل أولى خطوات العلاج:

إصلاحٌ النفوس بالخوف من الله ومراقبته، واستشعار معيته وتعظيم أمره ونهيه في ذلك، وتربية النفوس على التكافل والإحسان، وحفظ اللسان، والتثبت عند إطلاق الشائعات، والحذر من الغضب، وكظم الغيظ والسعي في الإصلاح مع الصبر والتحمل، والعفو والتجمل واليقين بأن قوة الأمة إنما تكمن في تماسكها وترابط أبنائها..
والله المسئول أن يصلح الحال، ويسعد المآل إنه جزيل العطاء والنوال


للشيخ الدكتور عبدالرحمن السديس
رد مع اقتباس
 

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر رد
غزة.. قبل الاحتضار بالجدار The history of Islam قسم الصبر على البلاء 0 03-Jan-2010 05:56 PM
ظاهرة طبيَّة تحيّر علماء أمريكا!! أفلا يتدبرون القرآن ..(تم نسخه للمجلة لتميزه) جرحي عميق قسم وجهة نظر 2 30-Mar-2008 12:20 PM
ظاهرة طبية تحير علماء أمريكا!!!! الاوركيدة قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي 11 01-Jun-2007 03:03 AM


الساعة الآن 12:58 PM.


Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
سبحان الله وبحمده :: سبحـان الله العظيم

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42