![]() |
![]() |
![]() |
|
|
رقم المشاركة : ( 5 ) | ||||
|
عضو مبدع
|
بقية المقال
الانبهار أمام إشاراتها الدقيقة، لاسيما في التعبير عن تلك الحقائق أو التلميح إليها.
ولذلك نعتـقد أن الباحث جوان سالومو سيمليو Salomou Somilis (1791) الأستاذ بجامعة هال قد استخلص النتيجة المنطقية من معطيات أبحاثه في التوراة والإنجيل، حين قال : إن الدين اليهودي والدين المسيحي اللذين كانا واقعة انتقالية عبر التطور الديني لدى الإنسان تحولا على يد رجال الدين الدوغمائيين إلى اعتبارهما "الدين المطلق"، وأنهما الدين العام للإنسانية في كل زمان ومكان. وتلك كانت كبوتهم، لأنهم صنعوا من صورة محلية للدين الدين الثابت، كما لو كانوا يفرضون على جميع الأبدان أن تلبس إلى الأبد لباساً واحداً، وبذلك أخمدوا جوهر العقيدة تحت كومة من الطقوس الثابتة. فالتوراة في تصوره، تتعلق بتراث قومي يهودي، ولا شيء أكثر من ذلك، وبأنها لم تكتب لتفرض ديناً واحداً ما دام أنها تشتمل على تأكيدات متعارضة مع حقائق الوحي الأزلي(16). وإذا كان الإسلام قد صدر من نفس منبع الأديان السماوية السابقة، حاملاً نفس عقائدها، مصححاً لما وقع فيه أتباعها على تفارط القرون من تحريفات وعقائد منافية للتوحيد الخالص، فلنا أن نعتبره حينئذ الدين الإلهي المهيمن على جميع ما سبق من الأديان السماوية بحيث يعتبر التصديق به تصديقاً لها جميعاً. ومما يؤيد ذلك أن القرآن لم يعترض على جوهر الديانتين السابقتين، وهما اليهودية والمسيحية في شىء، وإنما كان اعتراضه على تحريف العقيدة الواحدة فيهما على يد الأحبار، فمن ذلك قوله تعالى : { وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يوفكون، اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم. وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون }(17)، فمن المنطقي أن يعتبر الإسلام ديناً جامعاً لكل الأديان السماوية السابقة، وموجهاً للناس كافة، لا إلى شعب معين، وذلك بناء على المعطيات التالية : أولــها : أن الإسلام حمل إلى الإنسانية خطاباً إلهياً هو القرآن الذي لا يتطرق إليه الشك، والمحفوظ في الصدور، وعبر التلقي المباشر من النبي "ص"، ثم من كل جيل إلى الجيل الذي يليه، ابتداء من جيل الصحابة الذين حفظوه، ثم وجمعوه في مصحف إمام، فإلى من أعقبهم من القراء الحفاظ إلى اليوم، ولذلك لم يطرأ عليه تحريف أو تبديل. وليس هنالك كتاب منزل أوحي به للرسل السابقين يرقى إلى هذا المستوى من حيث الصحة والثبوت والتوثيق. ثانيها : أن الإسلام خاطب العقل الإنساني، وطالبه بالتفكير والتدبر واستقراء الظواهر الكونية، باعتبارها دليلاً على وجود الخالق المدبر، والتأكيد على اطراد السنن الكونية ؛ أي القوانين الطبيعية في المادة والنفس والتاريخ، التي يمكن اكتشافها. والمتأمل للقرآن يجد نفسه أمام خطاب عقلاني يستنكر الأوهام والتقليد، واتباع ما ليس لنا به علم، ويقيم الأحكام الشرعية على أساس علل ومقاصد مبينة لمراعاة الصلاح، ومنع الفساد، وتزكية النفس وإعلاء غرائزها، ورفع الحرج عنها، وتحريم الضرر بالنفس، والإضرار بالغير، وإعلان المساواة بين الرجل والمرأة في التكاليف والواجبات وفي الحقوق والجزاءات(18). ثالثهــا : أن خطابه للناس خطاب للأمم والأديان السابقة كلها وللمعتقدات جميعها التي كانت في عصر مجىء الدعوة الإسلامية والتي كانت قد التقت في صراع بينها كاليهودية والمسيحية والمجوسية والصابئة والوثنية، فجاء خطاب القرآن موجهاً إلى جميع هذه المعتقدات مخالفاً أو مصححاً أو مبطلاً، محاوراً أهلها حواراً عقلياً، مدعوماً بالحجة والبرهان. ولم يكتف بالجانب العقدي، وإنما أكمل العقيدة بالشريعة، وقرن الإيمان بالعمل، ووضع أصول النظام الاجتماعي المتوازن. رابعهـــا : كونه جاء ملائماً للفطرة الإنسانية في أحكامه وقيمه الخلقية، لأنه بحكم عمومه وشموليته ودوامه، لا يمكن أن يتقيد بأي قيد يجعله خاصاً بعصر من العصور، أو بيئة من البيئات، أو أمة من الأمم. ويوضح أحد العلماء المسلمين هذا الأساس من أسس الإسلام، فيبين أن الحكمة في أن الله تعالى جعل "الإسـلام" دين الفطرة كما نفهم من قوله تعالى : { فأقم وجهك للدين حنيفاً، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين القيم }(19)، أنه لما أراد تعالى جعله ديناً عاماً لسائر البشر، ودائماً إلى انقضاء العالم، جعله مساوقاً للفطرة المتجذرة في النفوس، لتكون الجامعة العامة بين البشر مشتقة من الوصف المشترك بينهم، وهو وصف الفطرة، لأن شعوب العالم يختلفون، ولا يمكن جمعهم جمعاً عملياً في جامعة واحدة أو شريعة واحدة، ما لم يعتمد في ذلك على تحكيم الفطرة(20). |
||||
|
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طريقة عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر رد |
| الدفائن والكنوز العثمانية | أبو مثنى | قسم فك رموز الدفائن بالاشارات والاجهزة | 666 | 20-Mar-2016 01:50 AM |
| الإختراع عربى | مصطفى11 | قسم فك رموز الدفائن بالاشارات والاجهزة | 19 | 20-Apr-2008 04:41 AM |
| الأمراض النفسية وعلاجها الروحي في الإسلام | شمس الإسلام | قسم حل المشكلات الأسرية والإجتماعية والإرشاد النفسي | 0 | 28-Dec-2007 10:31 PM |