![]() |
![]() |
![]() |
|
رقم المشاركة : ( 1 )
|
|||||||||||
|
|||||||||||
|
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله و على آله وأصحابه،أما بعد:
فإن وقوع أحد أهل العلم في زلل أو خطأ لازم من لوازم البشرية؛ حيث إن العصمة لم تكتب لأحد من البشر إلا الأنبياء عليهم السلام، لذا فإن مجرد صدور الخطأ من العالم أمر لا ينقص من قدره، لكن الذي يشين العالم ويحط من قدره أنه إذا وقع في باطل ثم ظهر له الحق، أن يتمادى في هذا الباطل ويصر عليه ويأبى الرجوع إلى الحق. وثَمَّ مثال رائع لشيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- في هذا الشأن، حيث قال -رحمه الله- كما في المسائل الماردينية (ص103-ط. ابن تيمية-بتحقيقي) في تحقيقه لحكم السمن الذي وقعت فيه فأرة: "فإن قيل: فقد روي في الحديث: "إن كان جامدًا فألقوها وما حولها كُلوا سمنكم، وإن كان مائعًا فلا تقربوه"، رواه أبو داود وغيره. قيل: هذه الزيادة التي اعتمد عليها من فرَّق بين الجامد والمائع، واعتقدوا أنها ثابتة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا في ذلك مجتهدين قائلين بمبلغ علمهم واجتهادهم، وقد ضعَّف محمد بن يحيى الذهلي حديث الزهري وصحَّح هذه الزيادة، لكن قد تبين لغيرهم أن هذه الزيادة وقعت خطأ في الحديث ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الذي تبين لنا ولغيرنا، ونحن جازمون بأن هذه الزيادة ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فلذلك رجعنا عن الإفتاء بها بعد أن كنا نفتي بها أولاً؛ فإن الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل".اهـ وقال السيوطي في الْمُزهر في علوم اللُّغة (2/320): "وإذا اتفق له –أي العالم- خطأ في شيء ثم بان له الصواب فليرجع، ولا يُصر على غلطه".اهـ وقال أبو أحمد الحسن العسكري في مقدَّمة كتابه "شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف" (ص6): "ولا يضع من العالم الذي برع في علمه زلة، إن كانت على سبيل السهو والإغفال، فإنه لم يعرُ من الخطأ إلا من عصم الله جل ذكره، وقالت الحكماء: الفاضل مَنْ عُدَت سقطاته، وليتنا أدركنا بعض صوابهم، أو كنَّا ممن يميز خطأهم". ولقد ضرب سلفنا الصالح أروع الأمثلة في نبذ الباطل والرجوع إلى الحق، وهاك بعض الأمثلة التي تبين هذا النهج السوي: المثال الأول: قال البخاري في صحيحه (6736): حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا أبو قيس سمعت هزيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأخت؟ فقال: للابنة النصف وللأخت النصف وأت ابن مسعود فسيتابعني؛ فسئل ابن مسعود وأُخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي e للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت؛ فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. والشاهد هو رجوع أبي موسى عن فتواه لما تبين له أن الدليل مع ابن مسعود رضي الله عنهما. المثال الثاني: قال أحمد في مسنده (1/217) ثنا مروان بن شجاع حدثني خصيف عن مجاهد عن بن عباس أنه طاف مع معاوية بالبيت فجعل معاوية يستلم الأركان كلها فقال له ابن عباس: لِمَ تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله e يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فقال معاوية: صدقت. وأخرجه أحمد أيضًا في (1/322)، والترمذي (858) من طريق عبد الرزاق عن معمر والثوري عن ابن خثيم عن أبي الطفيل عن ابن عباس بنحوه، وعلّقه البخاري بصيغة الجزم في كتاب الحج (باب: من لا يستلم إلا الركنيين اليمانيين)، وانظر تغليق التعليق (3/72،71). المثال الثالث: قال مسلم في صحيحه (1547) حدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا يزيد بن زريع عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان يُكري مزارعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدرًا من خلافة معاوية(1) حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أنَّ رافع بن خَديج يحدِّث فيها بنهي عن النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه وأنا معه فسأله فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر بعد، وكان إذا سئل عنها بعد قال: زعم رافع بن خَديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها. وقال أيضًا: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا حسين يعني ابن حسن بن يسار حدثنا ابن عون عن نافع: أن ابن عمر كان يَأجُرُ الأرض قال: فنبئ حديثًا عن رافع بن خديج، قال: فانطلق بي معه إليه قال فذكر عن بعض عمومته ذكر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن كراء الأرض، قال: فتركه ابن عمر فلم يَأجُرْه. المثال الرابع: قال المزي في تهذيب الكمال في ترجمة نُعَيْم بن حماد: "وروى الحافظ أبو نصر الحسن بن محمد بن إبراهيماليونارتي بإسناده عن عباس بن محمد الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: حضرنا نُعَيْم بن حماد بمصر فجعل يقرأ كتابًا من تصنيفه قال فقرأ ساعة ثم قال: حدثنا ابن المبارك عن ابن عون بأحاديث، قال يحيى: فقلت له: ليس هذا عن ابن المبارك فغضب وقال ترد علي، قال: قلت إي والله أرد عليك أريد زينك، فأبى أن يرجع، فلما رأيته هكذا لا يرجع قلت: لا والله ما سمعت أنت هذا من ابن المبارك قط ولا سمعها ابن المبارك من ابن عون قط، فغضب وغضب من كان عنده من أصحاب الحديث، وقام نُعَيْم فدخل البيت فأخرج صحائف فجعل يقول وهي بيده: أين الذين يزعمون أن يحيى بن معين ليس أمير المؤمنين في الحديث نعم يا أبا زكريا غلطت وكانت صحائف فغلطت فجعلت أكتب من حديث ابن المبارك عن ابن عون وإنما روى هذه الأحاديث عن ابن عون غير ابن المبارك. قال الحافظ أبو نصر: ومما يدل على ديانة نُعَيْم وأمانته رجوعه إلى الحق لما نبه على سهوه وأوقف على غلطه، فلم يستنكف عن قبول الصواب إذ الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل والمتمادي في الباطل لم يزدد من الصواب إلا بعدًا.اهـ المثال الخامس: قال الحافظ في الفتح (12/262): "وذكر أبو عبيد بسند صحيح عن زفر أنه رجع عن قول أصحابه فأسند عن عبد الواحد بن زياد قال: قلت لزفر: إنكم تقولون تدرأ الحدود بالشبهات فجئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليها المسلم يقتل بالكافر، قال: فاشهد على أني رجعت عن هذا". المثال السادس: قال الذهبي في السير (18/474): "وحكى الفقيه أبو عبدالله الحسن بن العباس الرستمي قال حكى لنا أبو الفتح الطبري الفقيه قال دخلت على أبي المعالي في مرضه فقال: اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة تخالف السنة وأني أموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور". المثال السابع: قال الحافظ في التهذيب (4/121) في ترجمة سلمان الفارسي: "وقد قرأت بخط أبي عبد الله الذهبي: رجعت عن القول بأنه –أي سلمان- قارب الثلاثمائة أو زاد عليها وتبين لي أنه ما جاوز الثمانين، ولم يذكر مستنده في ذلك العلم عند الله". المثال الثامن: قال ابن حزم في المحلى (6/74): "ثم استدركنا فرأينا أن حديث جرير ابن حازم مسند صحيح لا يجوز خلافه، وأن الاعتلال فيه بأن عاصم بن ضمرة أو أبا إسحاق أو جريرًا خلط إسناد الحارث بإرسال عاصم هو: الظن الباطل الذي لا يجوز". وعلَّق العلامة أحمد شاكر –رحمه الله- في الحاشية قائلاً: "لله در أبي محمد بن حزم رأى خطأه فسارع إلى تداركه وحكم بأنه الظن الباطل الذي لا يجوز وهذا شأن المنصفين من أتباع السنة الكريمة وأنصار الحق وهم الهداة القادة، وقليل ما هم؛ رحمهم الله جميعًا".اهـ المثال التاسع: قال البغوي في حديث ابن الجعد (357): حدثني ابن زنجويه نا عبد الرزاق عن معمر قال قلت: لحماد كنت رأسًا وكنت إمامًا في أصحابك فخالفتهم فصرت تابعًا، قال: إني أن أكون تابعًا في الحق خير من أن أكون رأسًا في الباطل. وهذا إسناد حسن، وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (10/308) من طريق ابن زنجويه به، وأخرجه بنحوه العقيلي في الضعفاء (1/305، 306). قلت: وحماد هو ابن أبي سليمان: تابَع المرجئة، وظن أن هذا هو الحق، فرضي أن يكون ذنبًا فيه خير من أن يكون رأسًا في غيره. المثال العاشر: تراجع أبي الحسن الأشعري –رحمه الله- عن مذهب المعتزلة. المثال الحادي عشر: تراجعات الحافظ ابن حجر في فتح الباري وهي معروفة مشهورة. المثال الثاني عشر: وهذا العلامة ابن عثيمين –رحمه الله- يضرب لنا مثالاً فريدًا في الرجوع إلى الحق في مسألة من أدق مسائل الاعتقاد، وهي مسألة إثبات معية الله لخلقه مع إثبات علوه سبحانه على العرش، فيقول الشيخ حمود التويجري –رحمه الله- في مقدِّمة كتابه "إثبات علو الله ومباينته لخلقه والرد على من زعم أن معية الله للخلق ذاتية": "فقد رأيت مقالاً لبعض المعاصرين –يشير إلى العلامة ابن عثيمين- زعم في أوله أن معية الله لخلقه معية ذاتية تليق بجلاله وعظمته وأنها لا تقتضي اختلاطًا بالخلق ولا حلولاً في أماكنهم، وقال في آخر مقاله: وهكذا نقول في المعية، نثبت المعية لربنا معية ذاتية تليق بعظمته وجلاله ولا تشبه معية المخلوق للمخلوقين وتثبت مع ذلك علوه على خلقه واستوائه على عرشه على الوجه اللائق بجلاله، ونرى أن من زعم أن الله تعالى بذاته في كل مكان، فهو كافر أو ضال إن اعتقده وكاذب إن نسبه إلى غيره من سلف الأمة أو أئمتها؛ فعقيدتنا أن لله تعالى معية ذاتية تليق به وتقتضي إحاطته بكل شيء علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وسلطانًا وتدبيرًا، وأنه سبحانه منزه أن يكون مختلطًا بالخلق أو حالاًّ في أمكنتهم بل هو العلي بذاته وصفاته، وعلوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها وأنه مستو على عرشه كما يليق بجلاله وإن ذلك لا ينافي معيته ثم صرح أنه قال ذلك مُقررًا له ومعتقدًا له، مُنشرحًا له صدره. وأقول: لا يخفى على من له علم وفهم ما في كلام الكاتب من التناقض والجمع بين النقيضين، وموافقته من يقول من الحلولية إن الله بذاته فوق العالم وهو بذاته في كل مكان، وما فيه أيضًا من مخالفة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أئمتها. فأما التناقض ففي تقريره لمعية الله الذاتية لخلقه مع زعمه أن هذه المعية الذاتية لا تقتضي الاختلاط بخلقه، ولا الحلول في أمكنتهم، ولا يخفى على عاقل أن المعية الذاتية للخلق تستلزم مخالطتهم، والحلول في أمكنتهم فقد تناقض شاء أم أبى. وأما الجمع بين النَّقيضين ففي تقريره لمعية الله الذاتية لخلقه مع تقريره أن الله مستو على عرشه، وأنه العلي بذاته وصفاته، وأن علوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها فقد جمع في هذا التقرير بين إثبات صفة العلو لله تعالى وإثبات ضدها وهي صفة السّفل الذي تستلزمه المعية الذاتية للخلق، وعلى هذا فمن أثبت المعية الذاتية للخلق وأثبت مع ذلك أن علو الرب من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها فقد جمع بين النَّقيضين شاء أم أبى. وأما الموافقة لبعض القائلين بالحلول فإنه لازم لمن زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية لأنه يلزم على هذا القول الباطل أن يكون الله مع الخلق في الأرض، وأن يكون مخالطًا لهم وحالاًّ معهم في أماكنهم.......". وفي نهاية الكتاب أردف الشيخ حمود التويجري تراجع العلامة ابن عثيمين –رحمه الله-، فقال كما في ص156: "فقد طلب الشيخ محمد الصالح العثيمين من الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أن يبعث إليه بكتابي في الرد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، فبعث إليه وبعد قراءته له كتب الكلمة التي سيأتي ذكرها، وطلب أن تنشر مع كتابي، وحيث إن فيها ردًّا على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية فقد أجبت الشيخ محمد إلى طلبه، والله المسئول أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى". وهاك نص رسالة الشيخ ابن عيثمين كما في ص157: "وبعد، فقد قرأت الكتاب الذي ألَّفه أخونا الفاضل الشيخ حمود بن عبد الله التويجري في إثبات علو الله تعالى ومباينته لخلقه والرد على من زعم أن معية الله تعالى لخلقه معية ذاتية، فوجدته كتابًا قيِّمًا قرَّر فيه مؤلِّفه الحقائق التالية........" –إلى أن قال-: "وبطلان القول بالحلول معلوم بدلالة الكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع، وذلك أن القول به مناقض تمام المناقضة للقول بعلو الله تعالى بذاته وصفاته، فإذا كان علو الله تعالى بذاته وصفاته ثابتًا بهذه الأدلة كان نقيضه باطلاً. وإنكار معية الله الذاتية واجب حيث تستلزم القول بالحلول لأن القول بالحلول باطل، فكان ما استلزمه فهو باطل يجب إنكاره وردُّه على قائله كائنًا مَن كان... قاله كاتبه محمد الصالح العثيمين في 15/4/1404".اهـ المثال الثالث عشر: تراجعات الإمام الألباني -رحمه الله-، وهي معلومة مشهورة. بل كان الألباني رحمه الله يذكر تراجعه في الموضع نفسه الذي أخطأ فيه، رغم أنه كان يستطيع أن يحذف القول الخطأ ويبقي القول الصواب قبل دفعه الكتاب إلى المطبعة، ويمثل لهذا بما في "صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم" (هامش رقم 1 ص41) حيث قال الشيخ الألباني عن حديث "اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم": "صحيح أخرجه الترمذي وأحمد وابن أبي شيبة، وعزاه الشيخ محمد بن سعيد الحلبي في مسلسلاته (1/2) إلى البخاري فوهم. ثم تبين لي أن الحديث ضعيف، وكنت اتبعت المناوي في تصحيحه لإسناد ابن أبي شيبة فيه، ثم تيسر لي الوقوف عليه؛ فإذا هو بيِّن الضعف، وهو نفس إسناد الترمذي وغيره، راجع كتابي سلسلة الأحاديث الضعيفة المجلد الأول".اهـ المثال الرابع عشر: تراجع العلامة ربيع بن هادي –حفظه الله- عن زلة لسانية في إحدى دروسه، وقد صرَّح بتراجعه في نصيحة جليلة عنون لها بـ: "قبول النصح والانقياد للحق من الواجبات العظيمة على المسلمين جميعًا". قلت: وثَمَّ ظاهرة هامة تتعلق بهذا الشأن يجب الاعتناء بها، وهذه الظاهرة تمس الأستاذ أو المُعلِّم مع تلاميذه، وقد أشار إليها فضيلة الشيخ محمد أمين المصري -رحمه الله- في محاضرة له بعنوان "تربية القادة"(2) حيث قال: "ومن المؤسف أن كثيرًا ممن انتهت إليهم الرئاسة العلمية في مجتمعنا قد نسوا كثيرًا من هذه المعاني وأخذوا بتربية أتباعهم على الغلو في تعظيمهم وتأويل خطئهم وتفسير سلوكهم، وأن خالف القواعد الشرعية بأن وراءه أسرارًا وحكمًا لا تدركها عقول الأتباع القاصرة وبذلك ينتهي هؤلاء الأتباع إلى أن شيوخهم لا يخطئون لأنهم قد بلغوا الدرجات.وإليكم نص هذه النصيحة: "الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه . أما بعد: فقد اطلعت على ما نشرته بعض الشبكات العنكبوتية من كلام نُسب إلي وهو أني قلت فيإحدى محاضراتي: "إذا تبرأ منك رسول الله على لسان ربنا " قلتها عندما استدللت بقولالله تبارك وتعالى (( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء)) علىتحريم التفرق ثم قلت: كيف ما نخاف يا إخوتاه ونختار هذا التفرق ونعيش عليه قروناًوأحقابًا...". أستغفر الله من هذه الكلمة القبيحة الباطلة مئات المرات . وأطلب حذفها من كل شريط توجد فيه، وأشدد في ذلك على كل من يملك شريطاً توجد فيههذه الكلمة أن يقوم بحذفها . وأقول: إن هذا الكلام قبيح وباطل، وتعالى الله عنه وتنـزه عنه، فهو تعالى منـزه عنمشابهة المخلوقين . كما قال سبحانه: (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)). وكما قال عز وجل: (( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاأحد ))وقال تعالى: (( هل تعلم له سمياً )) ففي هذه الآيات الكريمات إثبات لصفات كماله ونعوت جلاله وتنـزيه له عن صفاتوسمات النقص ومشابهة المخلوقين، فلا يشبهه ولا يكافؤه أحد في ذاته ولا في صفاته ولافي شيء من صفاته العظيمة. وأهل السنة والجماعة يثبتون كل صفاته الواردة في الكتاب والسنة من غير تشبيه ولاتعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل لأي شيء من صفاته، كاستوائه على عرشه فوق جميعمخلوقاته، والعلو والنزول والسمع والبصر والقدرة والإرادة والعلم والكلام والحكمةوكونه تعالى الخالق الرازق المحيي المميت إلى آخر ما ثبت من أسمائه الحسنى وصفاتهالعليا، يثبتها أهل السنة من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل، مخالفينفيها أهل الأهواء من الجهمية والخوارج والمعتزلة والروافض والأشعرية. وأنا والحمد لله ممن أكرمه الله بهذا المنهج وأومن به في قرارة نفسي وأدرِّسهوأدعو إليه وأذبّ عنه طالبًا ومدرسًا وداعيًا إليه بكل ما أستطيعه وأوالي عليهوأعادي عليه من أول حياتي . وهذه الكلمة البغيضة إليَّ التي صدرت مني خلال محاضرة أدعو فيها إلى هذا المنهجوأدعو من خالفه إلى الرجوع إليه. وهذه الكلمة القبيحة إنما كانت مني فلتة لسان ولو نبهني إنسان في اللحظة التيقلتها فيها لرفضتها ولتبرأت منها، وما يحق لأحد اطلع عليها أن يسكت عنها. وهي مثل قول ذلك الرجل الذي مثل به النبي صلى الله عليه وسلم والذي قال من شدةالفرح " اللهم أنت عبدي وأنا ربك " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخطأ من شدة الفرح" ومع ذلك فأنا أتألم منها أشد الألم وأستنكرها من نفسي ومنغيري أشد الاستنكار. أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يغفر لي ذنوبي جميعًا ما أسررت منها وماأعلنت وأن يغفر لي زلاتي وأخطائي: زلات القلم واللسان والجوارح والجنان. و"كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"،أسأل الله أن يجعلني من التوابين ومنالمتطهرين. وقبول النصح واتباع الحق من أوجب الواجبات على المسلمين جميعاً من أي مصدر كان،ولا يجوز للمسلم أن يستصغر الناصح أو يحتقره مهما كان شأنه. وأعوذ بالله أن أرد نصيحة أو أدافع عن خطأ أو باطل صدر مني فإن هذا الأسلوبالمنكر إنما هو من طرق أهل الفساد والكبر والعناد، ومن شأن الذين إذا ذكروا لايذكرون وأعوذ بالله من هذه الصفات القبيحة. وأسأل الله أن يجعلني ممن قال فيهم (( والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخرواعليها صما وعميانا)). وأنصح نفسي وجميع المسلمين باتباع هذا المنهج والثبات عليه، وقبول نصح الناصحينوالسير في طريق السلف الصالح في التناصح والتواصي بالحق وقبول النصح أخذا بقول اللهتعالى: ((والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحقوتواصوا بالصبر )) وأخذاً بقوله تعالى (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروفوينهون عن المنكر )) ومن علامات الرشد والاستقامة والسداد والسعادة في الدنيا والآخرة الثبات علىالكتاب والسنة والسير على هذا المنهج عقيدة وعملاً وأخلاقًا وأمرًا بالمعروف ونهيًاعن المنكر وسدًّا للخلل بالحكمة وبالطرق الشريفة. وأدعو الله عز وجل أن يوفق هذه الأمة - ولاسيما أهل السنة والجماعة - للنهوض بهذاالمنهج العظيم وأن يجمع كلمتها عليه، وأن يحقق لها السيادة والعزة والكرامة فيالدنيا، وأن يحقق لها باتباع هذا المنهج النجاة والسعادة في الآخرة.إن ربي سميعالدعاء. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه: ربيع بن هادي المدخلي 8/7/1425هـ مكة المكرمة".اهـ وبهذه المناسبة ربما حسن أن نذكر ظاهرة تتعلق بالأساتذة المربين الذين أسلموا تربية أبناء الأمة فكانوا على ثغرة هامة، وأذكر بهذا الصدد أستاذًا في معهد التربية في القاهرة عام 1947م وضع أمام طلابه المشكلة التالية: أيهما أولى بالمدرس أن يعلن خطأه إذا وقع منه خطأ ويعترف به، أم يتفادى الموقف ويستر خطأه؟ وكان رأي الأستاذ أن يعترف المدرس بخطئه، إذا وقع منه ويعلنه بكل صراحة، وهذا هو اتجاه الإسلام في رأيي، وإني لأعلم أن ثقة الطلاب بمدرسيهم تهتز حين يرونه قد أخطأ، وكثير من المدرسين يرون أن الاحتفاظ بمكانتهم في نفوس طلابهم أمر ضروري هام يهون معه ارتكاب هذه المخالفة أعني سكوت المرء عن الاعتراف بخطئه. وفي رأيي أن هذا النوع من التربية الشائع في بيئتنا خطأ يجب إصلاحه أن الشيء الفطري يمكن أن يقع كثيرًا أن يفطن أحد الطلاب لأمر قد غفل عنه أستاذه، وأية عظمة في هذا؟ بل أنه لمدعاة إلى الثناء على الأستاذ أن يستطيع يدفع بطلابه إلى البحث والتفطن لما لم يفطن له، ومما يؤسف له أن كثيرًا من المدرسين في البلاد الغربية لا يجد أحدهم ما يغض من قدره حين يعلن لطلابه أنه أخطأ في أمر وأن تلميذه قد أصاب، ليس العيب أن يخطئ المرء لكن العيب أن يصر على خطئه فلا ينزع عنه ولا يعترف به، ولقد أخذ الغربيون هذه العادة الكريمة من المسلمين وتعلَّموا منهم أن البشر ليسوا بمعصومين من الخطأ، وكان البابا عندهم يدَّعي لنفسه العصمة، وما يزل أمره كذلك لدى بعض الفرق النصرانية وكان نشوء دعوات الإصلاح الديني لدى النصارى بعد الاتصال بالمسلمين في الحروب الصليبية".اهـ هذا، وقد أوقفني أحد إخواني –جزاه الله خيرًا- على خطأ لي في تحقيقي على كتاب الإجماع لابن المنذر في موضعين: الموضع الأول: في حاشية رقم 4 ص58، والموضع الثاني: في حاشية رقم 4 ص72. وهذا الخطأ يتكون من شقين: الشق الأول: قيامي بنسبة كتاب "شرائع الإسلام بين الحلال والحرام" إلى الزيدية، والصواب أنه في فقه الإمامية، والشق الثاني: ظنِّي دخول أقوال الزيدية في الإجماع. والأمر كما قال العلامة المحدِّث أحمد شاكر –رحمه الله- في مقدِّمة تصحيحه لكتاب "لُباب الآداب" للأمير أسامة بن منقذ (ص6): "وقد وقعت في الكتاب بعض أغلاط –مع كل ما عانينا في تصحيحه- بعضها جاء سهوًا مني، وبعضها جاء خطأ في النظر، وبعضها من الأغلاط المطبعية التي لا يتنزه عنها كتاب".اهـ قلت: والخطأ المشار إليه بشقيه هو بلا شك سهو وخطأ في النظر. وبالنسبة للشق الأول: فهو وهم بلا شك، حيث إني قد نسبت هذا الكتاب على الصواب إلى فقه الإمامية في تحقيقي على كتاب "المسائل الماردينية" لشيخ الإسلام ابن تيمية (حاشية رقم 2 ص95). وبالنسبة للشق الثاني: فقد أوقفني هذا الأخ –بارك الله فيه- على كلام العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز –رحمه الله- في تعليقه على فتح الباري، حيث ذكر الحافظ -رحمه الله- في شرحه على باب: جهر الإمام بالتأمين، من كتاب الأذان في صحيح البخاري (الفتح 2/265)، ما يلي: "وفي الحديث حجة على الإمامية في قولهم إن التأمين يبطل الصلاة".اهـ، فعلَّق الشيخ ابن باز في الحاشية قائلاً: "ما كان يَحسُن بالشارح أن يذكر خلاف الإمامية، لأنها طائفة ضالة، وهي من أخبث طوائف الشيعة، وقد سبق للشارح أن خلاف الزيدية لا يعتبر (1)، والإمامية شر من الزيدية، وكلاهما من الشيعة وليسوا أهلاً لأن يذكر خلافهم في مسائل الإجماع والخلاف، والله أعلم".اهـ قلت: وبلا شك هذا التقرير من العلامة ابن باز هو الصواب الذي لا محيص عنه؛ فأستغفر الله وأتوب إليه من زللي وتقصيري. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه وسلم (1) في رواية البخاري: "وصدرًا من إمارة معاوية".
(2) محاضرات الجامعة الإسلامية بالمدينة للعام الدراسي 1395-1396 ص(278،277). (3) يشير -رحمه الله- إلى ما قاله الحافظ في شرح (باب: رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء) من كتاب الأذان (الفتح 2/219) : "وقال العبدري: ونقل عن الزيدية أنه لا يرفع؛ ولا يعتد بخلافهم". |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طريقة عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر رد |
| الصراط أصول منهج أهل السنة والجماعة في الاعتقاد والعمل | أم عبدالمهيمن | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 0 | 03-Oct-2011 08:46 PM |
| سلسلة طلب العلم الشرعى :: العقيدة شرح الشيخ :ناصر العقل الدرس الاول | انجى بنفسك | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 2 | 20-Feb-2011 02:30 PM |
| فقه التعامل مع الاخطاء على ضوء منهج السلف الصالح | ليبي | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 0 | 29-Sep-2009 02:43 AM |
| قاطعة دابر الشياطين و الجن المتمردين و العنيدين | عبد المجيد . أ | تجربتي مع البرامج العلاجية / خاص بالمرضى | 34 | 20-Aug-2009 01:04 AM |