
12-May-2004, 11:16 PM
|
|
|
|
أصناف المُعبّرين
المعبرون يختلفون باختلاف وسائلهم في التعبير ويتفاوتون في الإصابة والخطأ كل بحسب ماآتاه الله تعالى من هذا العلم ، ولما كان التعبير من العلوم المحمودة التي يمتن الله بها على من يشاء فإن التفاوت بين أهل التعبير لايختلف عن التفاوت بين أهل العلم الشرعي إذ أنّ كلّ عالم له منزلته وقد يكون هناك من هو دونه أو أفضل منه . وقد امتن الله تعالى على نبيه يوسف عليه السلام بهذا العلم الجليل فقال سبحانه { وكذلك يجتبيك ربك ويُعلّمك من تأويل الأحاديث ويتمّ نعمته عليك وعلى آل يعقوب } الآية
إذا عُلم ذلك فإنه لابُد أن يتبين أن هذا العلم في الأصل إنما هو موهبة يهبها الله تعلى لمن يشاء ابتلاء منه تبارك وتعالى واختباراً ، وكما أن الرؤيا في أصلها هي عبارة عن معاني يخلقها الله تعالى في قلب النائم فكذلك التأويل في قلب المعبّر المُلهم الصادق مع النظر والتأمّل .
وهذا الصنف من المعبّرين هو الذي حاز قصب السبق في الإصابة بحول الله وقوّته ، وهو الصنف النادر في مجتمعه وهو كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو العكس . والحديث عن هذا الصنف من المعبرين يطول جداً
والتأويل عند بعض الموهوبين يكون بانقداح المعنى في ذهنه وقلبه ، وفي بعض الأحيان كقريحة الشاعر الذي يجري على لسانة ترتيب الأوزان والقوافي ـ قياساً ـ ، وكأنها أنوار تسطع في قلب المعبر فيضيء لها ذهنه ويترجمها لسانه وقلمه ، ومهما بلغ المعبّر الموهوب من القوة والإدراك لأسرار الرؤيا فإنه لايستطيع الجزم بوقوع التأويل ، قال تعالى في قصة يوسف بعدما عبّر الرؤيتين { وقال للذي ظن أنه نجا منهما اذكرني عند ربك } الآية ، وهنا نجد أنه على صدق تأويله إلا أنه لم يجزم بوقوع النجاة لذلك الرائي ولكنه ظنّ ، والظن هو الخبر الذي لم يصل إلى مرتبة اليقين ، وكان ابن سيرين رحمه الله ـ وهومن أئمة المعبرين ـ يقول : (إنما أُعبّر لكم بالظن ) وقد يختلف المعبرون الأقوياء في الرؤيا الواحدة على عدة أقوال وهنا يقع التأويل لأوّل عابر مُصيب منهم ، وهذا معنى الحديث ( الرؤيا لأول عابر ) والله أعلم . لاأُريد الإسهاب أكثر من ذلك فيمايتعلق بالصنف الأول من المُعبّرين . ـ وقد تعجبت كثيراً من بعض المُنكرين لهذا الصنف ـ
أما الصنف الثاني : فهم أهل التأويل بالفراسة وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) الحديث ، وكلما زادت التقوى زادت الفراسة عند أهلها ، ولاتنحصر الفراسة في تأويل الرؤى فقط ولكنها تشمل كثيراً من جوانب الحياة ، فتجد أن أهل الفراسة يستنبطون من حركات الناس وأحاديثهم كثيراً من شؤونهم ، وكذلك الحال في الرؤى ، ولكن الذي يُعبّر بفراسته يكون خطؤه أكثر من صوابه غالباً لأن رموز الرؤيا أحياناً تكون بعيدة المغزى كثيرة العُقد ، وقد لاتتطابق مع قواعد اليقظة .
الصنف الثالث : أهل قيافة الرؤى ، وهذا الصنف قد يكون غير موجود في كتب الأقدمين ، ولكنه وُجد عند أحد المعاصرين على حدّ قوله ، والقيافة في معناها الأصلي تكون بالاستدلال عن طريق وطئ الأقدام على بعض الأوصاف التي يحملها صاحب تلك القدم ، ولكنّي لاأدري كيف يستطيع أن يستخدمها المُعبّر في تأويلاته ! . لأن الفرق بيّن وشتان بين رموز الرؤى ومواطيء الأقدام . والله أعلم
|