![]() |
![]() |
![]() |
|
|
رقم المشاركة : ( 46 ) | |||
|
عضو مبدع
|
الكتاب الثاني: أركان الإسلام
الباب الثاني: الصلاة الفصل الثاني: حكم تارك الصلاة الترجيح بعد هذا العرض التفصيلي لأدلة الفريقين واستدلالاتهم ومناقشتها، يظهر أن أدلة القائلين بتكفير تارك الصلاة أصح وأقوى. إلا أن الراجح – في نظري – ولعله القول الوسط بين الطرفين، وبه تجتمع الكثير من أدلة الفريقين، وهو أن يقال: إن ضابط ترك الصلاة الذي يعد كفراً – ها هنا – هو الترك المطلق الذي هو بمعنى ترك الصلاة من حيث الجملة الذي يتحقق بترك الصلاة بالكلية، أو بالإصرار على عدم إقامتها، أو بتركها في الأعم الأغلب، وليس مناط التكفير – ها هنا – مطلق الترك للصلاة بحيث يلزم أن نكفر كل من ترك صلاة واحدة أو بعض صلوات ويشهد لذلك جملة من الأدلة، منها ما يلي: - 1- قوله تعـالى: - {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59]فالمراد من تضييع الصلاة – هاهنا – تركها بالكلية كما قاله محمد بن كعب القرظي وزيد بن أسلم والسدي واختاره ابن جرير. 2 - وقوله صلى الله عليه وسلم - وقد تقدم -: ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حافظ عليها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة)) فهذا الحديث صريح في الفرق بين الترك المطلق، وبين مطلق الترك.. يقول ابن تيمية رحمه الله: - "فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها، لا من ترك، ونفي المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها... ثم قال: " فإن كثيراً من الناس، بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحياناً ويدعون أحياناً، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجرى عليهم أحكام الإسلام الظاهرة... ويقول في موضع آخر: - " فأما من كان مصراً على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك فهذا لا يكون مسلماً، لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن حديث عبادة بن الصامت – ثم ساق الحديث المذكور - 3- قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن أول ما يحاسب به العبد صلاته، فإن أتمها، وإلا نظر هل له من تطوع، فإن كان له تطوع، أكملت الفريضة من تطوعه)) والانتقاص هنا عام يتناول ترك الأداء لبعض الصلوات... وهذا من مطلق الترك الذي لا يعد كفراً، ومن ثم صارت مقبولة، وأكملت بالتطوع، والله أعلم. نواقض الإيمان القولية والعملية لعبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف – ص457 الخلاف في كفر تارك الصلاة كسلاً أيضاً ليس مقصودنا، حكاية الأقوال والترجيح ، وإنما الإشارة إلى حالات يظن أنها داخلة في الترك كسلاً وهي ليست كذلك، والإشارة- أيضاً- إلى علاقة هذا الموضوع بمذهب المرجئة في الإيمان، وقبل بيان هاتين المسألتين نشير إلى مدى الخلاف في هذه المسألة. قال الإمام ابن قدامة المقدسي- رحمه الله- ...واختلفت الرواية هل يقتل لكفره أو حداً، فروي أنه يقتل لكفره كالمرتد، فلا يغسل ولا يكفن ولا يدفن بين المسلمين، ولا يرثه أحد ولا يرث أحداًً، اختارها أبو إسحاق بن شاقلا وابن حامد، وهو مذهب الحسن والشعبي وأيوب السختياني والأوزاعي وابن المبارك وحماد بن زيد وإسحاق ومحمد بن الحسن...والرواية الثانية: يقتل حداً مع الحكم بإسلامه كالزاني المحصن، وهذا اختيار أبي عبد الله بن بطة وأنكر قول من قال: إنه يكفر، وذكر أن المذهب على هذا لم يجد في المذهب خلافاً فيه، وهذا قول أكثر الفقهاء، وقول أبي حنيفة ومالك والشافعي) .وقال الإمام النووي- رحمه الله-: (فرع في مذاهب العلماء فيمن ترك الصلاة تكاسلاً مع اعتقاده وجوبها فمذهبنا المشهور ما سبق أنه يقتل حداً ولا يكفر وبه قال مالك والأكثرون من السلف والخلف، وقالت طائفة: يكفر ويجرى عليه أحكام المرتدين في كل شيء، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، وبه قال ابن المبارك وإسحاق بن راهويه وهو أصح الروايتين عند أحمد، وبه قال منصور الفقيه من أصحابنا...وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة والمزني، لا يكفر ولا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي) .وحكى الإمام محمد بن نصر المروزي خلاف أهل الحديث في هذه المسألة فقال- رحمه الله- ...وقد حكينا مقالة هؤلاء الذين أكفروا تارك الصلاة متعمداً وحكينا جملة ما احتجوا به، وهذا مذهب جمهور أصحاب الحديث، وقد خالفهم جماعة أخرى من أصحاب الحديث فأبوا أن يكفروا تارك الصلاة، إلا أن يتركها جحوداً أو إباء...) وذكر منهم الإمام الشافعي، وأصحابه وأبا ثور وغيره، وأبا عبيد في موافقيهم ) . بعد هذه الإشارة السريعة للخلاف في المسألة يمكن أن نستنتج ما يلي: 1- أن الخلاف في حكم تارك الصلاة كسلاً من حيث التكفير وعدمه، خلاف قديم معروف عند السلف المتقدمين، فقد قال بعدم التكفير أئمة أعلام من أصحاب الحديث كالإمام الشافعي ومالك، وأبي حنيفة والثوري وأبي عبيد..الخ. 2- لذلك ينبغي أن نعلم بأن الترجيح بين الأقوال في هذه المسألة لا علاقة له بمذهب الإرجاء، فمن رجح عدم تكفير التارك كسلاً لا يلزم أن يكون متأثراً بمذهب المرجئة هذا من حيث الأصل، وهناك حالات معينة قد يكون لرأي المرجئة في الإيمان أثر في الترجيح فيها ومنها:أ- ما حكاه بعض الأئمة من علاقة بين مذهب المرجئة وهذه المسألة كما قال الإمام ابن عبد البر- رحمه الله- مبيناً الفرق بين ترجيح بعض أهل السنة عدم تكفير تارك الصلاة كسلاً وبين مذهب المرجئة، قال بعدما حكى أدلة من قال بعدم التكفير: (...هذا قول قد قال به جماعة من الأئمة ممن يقولون: الإيمان قول وعمل، وقالت به المرجئة أيضاً، إلا أن المرجئة تقول: المؤمن المقر مستكمل الإيمان، وقد ذكرنا اختلاف أئمة أهل السنة والجماعة في تارك الصلاة، فأما أهل البدع، فإن المرجئة قالت: تارك الصلاة مؤمن مستكمل الإيمان، إذا كان مقراً غير جاحد، ومصدقاً غير مستكبر، وحكيت هذه المقالة عن أبي حنيفة وسائر المرجئة...) ، فلعل ترجيح بعض مرجئة الفقهاء قد استند إلى مذهبهم في الإيمان. هذا جانب، والجانب الآخر أن أئمة السلف الذين لم يكفروا تارك الصلاة كسلاً، لم يقولوا أنه مستكمل الإيمان، بل قالوا: إن ذلك ينقص إيمانه كحال تارك الطاعة وفاعل المعصية، وقالوا بأنه معرض للعقوبة الأخروية والدنيوية، وقال كثير منهم بقتله حداً للأحاديث الواردة في ذلك.ب- خلط بعض متأخري الفقهاء بين ترك الصلاة كسلاً مع اعتقاد، وجوبها وبين الإصرار والامتناع عن أدائها حتى يقتل، قال شيخ الإسلام- رحمه الله-: (ولهذا فرض متأخروا الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها وهو أن الرجل إذا كان مقراً بوجوب الصلاة فدعي إليها وامتنع واستتيب ثلاثاً مع تهديده بالقتل، فلم يصل حتى قتل، هل يموت كافراً أو فاسقاً؟ على قولين: وهذا الفرض باطل، فإنه يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله فرضها عليه، وأنه يعاقبه على تركها، ويصبر على القتل ولا يسجد لله سجدة من غير عذر له في ذلك، هذا لا يفعله بشر قط، بل ولا يضرب أحد ممن يقر بوجوب الصلاة إلا صلى، ولا ينتهي الأمر به إلى القتل، وسبب ذلك أن القتل ضرر عظيم لا يصبر عليه إنسان، إلا لأمر عظيم مثل لزومه لدين يعتقد أنه إن فارقه هلك فيصبر عليه حتى يقتل، وسواء كان الدين حقاً أو باطلاً، أما مع اعتقاده أن الفعل يجب عليه باطناً فلا يكون فعل الصلاة أصعب عليه من احتمال القتل قط...) .وقال في موضع آخر: (...ولا يتصور في العادة أن رجلاً يكون مؤمناً بقلبه، مقراً، بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزماً لشريعة النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمناً في الباطن، وقد لا يكون إلا كافراً، ولو قال: أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذباً منه...فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنه قد دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في "مسألة الإيمان"، وأن الأعمال ليست من الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم القلب، وأن، إيمان القلب التام، بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزء من الإيمان كما تقدم بيانه ) .إذاً هناك فرق بين من يمتنع عن الفعل حتى يقتل، وبين من يتركها كسلاً مع اعتقاد الوجوب (ومن أطلق من الفقهاء أنه لا يكفر إلا من يجحد وجوبها، فيكون الجحد عنده متناولاً للتكذيب بالإيجاب، ومتناولاً للامتناع عن الإقرار والالتزام...) . فهذا الكلام من شيخ الإسلام- رحمه الله- يجيب على تساؤل مهم، يرد على أذهان بعض أهل العلم، وهو ظنهم: أن القول بإجماع أهل السنة بكفر تارك جنس العمل يلزم منه تكفير من المسلمين ممن حاله التفريط في الفرائض، وفعل المحرمات، وهذا الظن فاسد من وجوه: أولها: أن كلامنا عن منزلة العمل من الإيمان، وحكم التولي والإعراض عنه، وهو كلام يجب الإيمان به واعتقاده كسائر الأمور الاعتقادية عند أهل السنة، بغض النظر عن ما ينبني على ذلك من أحكام وآثار عملية تتعلق بأعيان العباد. الثاني: عند الحكم على المعين لابد من إقامة الحجة، والاستتابة لإزالة كل جهل أو تأول ونحوه ولا يحكم عليه بالكفر قبل ذلك- إلا في استثناءات خاصة- ذكرت في مبحث ضوابط التكفير. الثالث: أن المعين، ممن يترك الأركان، إذا أقيمت عليه الحجة، واستتيب فلا يخلو أمر حينئذ من حالين، الأول: أن يلتزم أداء ما فرض الله عليه- وخاصة الصلاة- فعند ذلك نحكم بإسلامه، ونكل سريرته إلى الله- عز وجل-، فإن كان صادقاً في الباطن نفعه ذلك عند المولى سبحانه.الثاني: أن يأبى التزام ذلك ويعرض عليه السيف حتى يقتل، وهو مصر لا يؤدي من فرائض الله شيئاً، فهذا كافر ظاهرا وباطنا، وهذا الذي بينه شيخ الإسلام، وبين أن من قال إنه يقتل مع إسلامه فقد دخلت عليه شبه المرجئة ، حيث حصروا بالجحود وتكذيب القلب. من كل ما سبق يتبين لنا علاقة هذا المبحث، بمفهوم الإيمان عند أهل السنة، وأنه قول وعمل، لا يغني أحدهما عن الآخر، وأن ترك العمل بالكلية ناقض لأصل الإيمان، لمناقضته لعمل القلب، إذ لا يتصور أن يوجد لدى المرء عمل القلب من القدرة، هذا ممتنع. إذاً إذا وجد الإعراض عن الطاعة بالكلية فذلك لفقدان عمل القلب الذي هو شرط لصحة الإيمان، والله اعلم. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي – 2/119 ليس مناط التكفير في ترك الصلاة هو مطلق الترك لها، بحيث يلزم أن كفر كل من ترك صلاة واحدة أو بعض صلوات، وإنما مناط التكفير هو الترك المطلق، الذي هو بمعنى ترك الصلاة من حيث الجملة، الذي يتحقق بترك الصلاة بالكلية، أو بالإصرار على عدم إقامتها، أو بتركها في الأعم الأغلب، بحيث يصدق على من تركها أن يقال إنه قد ضيع الصلاة وتولى عن إقامتها. وبهذا يكون ترك الصلاة من حيث الجملة مناقضاً لتحقيق الالتزام بها، مع أنه قد يتحقق الالتزام الإجمالي بها مع ترك بعضها.وفي بيان حقيقة الترك المكفر وأن المقصود بالترك المكفر ما كان متعلقاً بجنس الصلاة لا بمجرد بعض الصلوات يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن كثيراً من الناس، بل أكثرهم، في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل قد يصلون أحياناً ويدعون أحياناً، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض كابن أبي وأمثاله من المنافقين، فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى) . وفي نفس المعنى يقول الشيخ ابن عثيمين: (قال بعض العلماء: يكفر بترك فريضة واحدة، ومنهم من قال بفريضتين. ومنهم من قال بترك فريضتين إن كانت الثانية تجمع إلى الأولى، وعليه فإذا ترك الفجر فإنه يكفر بخروج وقتها، وإن ترك الظهر فإنه يكفر بخروج وقت العصر.والذي يظهر من الأدلة أنه لا يكفر إلا بترك الصلاة دائماً. فإن كان يصلي فرضاً أو فرضين فإنه لا يكفر، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) فهذا ترك صلاة لا الصلاة، ولأن الأصل بقـاء الإسلام، فلا نخرجه منه إلا بيقين، لأن ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين، فأصل هذا الرجل المعين مسلم) . ولهذا كان الصحيح في معنى قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ} الآية [مريم: 59]. أنه تركها الترك المجمل، لا مطلق الترك.يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: (وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة هاهنا، فقال قائلون: المراد بإضاعتها تركها بالكلية، قاله محمد بن كعب القرظي وابن زيد بن أسلم والسدي واختاره ابن جرير، ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة، كما هو المشهور عن الإمام أحمد وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة..) . ثم ذكر رحمه الله القول الثاني في المراد بإضاعة الصلاة، وهو أن المقصود تأخيرها عن وقتها مع الأداء.وقد ذكر الإمام ابن جرير رحمه الله القولين ثم قال: (وأولى التأويلين في ذلك عندي بتأويل الآية قول من قال: إضاعتهموها تركهم إياهم، لدلالة قول الله تعالى ذكره بعده على أن ذلك كذلك. وذلك قوله جل ثناؤه: {إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [الفرقان: 70]. فلو كان الذين وصفهم بأنهم ضيعوها مؤمنين لم يستثن منهم من آمن وهم مؤمنون. ولكنهم كانوا كفاراً لا يصلون لله، ولا يؤدون له فريضة..) . ومما يدل أيضاً على أن المراد بترك الصلاة الذي هو مناط الكفر الترك المجمل لها، لا مطلق الترك، ولا مجرد عدم المحافظة على وقتها مع الأداء لها قول الله تعالى: {فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى} [القيامة: 31-32] فجعل التولي هو مناط الكفر، ومعلوم أنه ليس كل من ترك صلاة أو بعض صلوات يكون متولياً عن أداء الصلاة من حيث الجملة.ومما يدل على أن من ترك بعض الصلوات لا يكون كافراً بذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا عز وجل لملائكته: انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها ؟ فإن كانت تامة كتبت تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً قال: انظروا هل لعبدي من تطوع ؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذلك)) .والانتقاص هنا عام لترك الأداء لبعض الصلوات، ولعدم أدائها على الكمال ولو أديت، لا يخص بأحد المعنيين دون الآخر. وعلى هذا الحديث – وغيره كما سيأتي – اعتمد من يقول بعدم تكفير تارك الصلاة. يقول الشيخ الشنقيطي رحمه الله في ذلك: (ووجه الاستدلال بالحديث المذكور على عدم كفر تارك الصلاة: أن نقصان الصلوات المكتوبة وإتمامها من النوافل يتناول بعمومه ترك بعضها عمداً، كما يقتضيه ظاهر اللفظ كما ترى) . والحقيقة أن أصل اللبس في حكم تارك الصلاة هو عدم التفريق بين الترك المطلق ومطلق الترك.فمن قال بأن تارك الصلاة لا يكفر فهم أنه إذا التزم بذلك فلابد أن يكفر بمطلق الترك. يقول الإمام الشوكاني رحمه الله: (الترك الذي جعل الكفر معلقاً به مطلق عن التقييد، وهو يصدق بمرة، لوجود ماهية الترك في ضمنها) . إذا فهم هذا فإنه لا يتصور من الأئمة الذين قالوا بعدم تكفير تارك الصلاة القول بأن الإصرار على تركها أو تركها من حيث الجملة ليس كفراً، لأنهم إذا قيدوا عدم الحكم بتكفير تارك الصلاة بترك صلاة واحدة لم يلزم أن يقولوا إن من ترك الصلاة بالكلية فإن حكمه كذلك.ومما يدل على لزوم التفريق بين الترك المطلق ومطلق الترك، وعلى أن المراد بالانتقاص في الحديث السابق العموم الذي يشمل ترك أداء بعض الصلوات الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((خمس صلوات كتبهن الله عز وجل على العباد. فمن جاء بهن، لم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة)) . فالحديث صريح في الدلالة على أن الانتقاص من الصلاة بعدم الإتيان ببعضها مع الالتزام بها في الجملة ليس كفراً، وأن من تحقق منه ذلك فهو تحت المشيئة، ومن كان كذلك لا يكون كافراً، لأن الكافر محكوم عليه بالخلود في النار.وفي بيان معنى هذا الحديث وعدم معارضته للقول بتكفير تارك الصلاة يقول الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله: (من أتى بهن، لم يتركهن، وقد انتقص من حقوقهن شيئاً فهو الذي لا عهد له عند الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فهذا بعيد الشبه من الذي يتركها أصلاً لا يصليها .وفي نفس المعنى يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: (من كان مصراً على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك فهذا لا يكون مسلماً، لكن أكثر الناس يصلون تارة ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن من حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خمس صلوات …)) . ومعلوم أن الوعيد في الحديث بدخول الجنة متعلق بالإتيان بالصلاة. وعدم تضييع شيء منها على جهة التعمد، وأن من ضيع شيئاً من الصلاة بأن ترك بعضها أو لم يؤدها على كمالها وإن أداها، فليس من أهل الوعد بدخول الجنة. ولا يقال بإمكان دخول تارك الصلاة بالكلية تحت المشيئة، لأن سياق الحديث في التضييع المتضمن عدم كمال المحافظة عليها، لا تضييعها بمعنى تركها جملة. ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله بن محمد القرني – ص216 |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : ( 47 ) | |||
|
عضو مبدع
|
الكتاب الثاني: أركان الإسلام
الباب الثالث: الزكاة الفصل الأول: تشريع الزكاة وأما الزكاة فقد تقدم ذكرها في نصوص الصلاة وغيرها ومما يتعلق بها على انفرادها قوله عز وجل: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهُمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَالله سَمِيعٌ عَلِيم} [التوبة: 103] وقوله في صفات عباده المؤمنين {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ} [المؤمنون: 4] وقوله تعالى في ذم الكفار ووعيدهم {وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 6-7] وإن كانت هذه الآية في زكاة النفوس فهي عامة لزكاة الأموال أيضا وقد فسرت بها وقوله تعالى في وعيد مانعيها مطلقا {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34-35]... وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها من نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار قيل: يا رسول الله فالإبل قال: ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع أوفر ما كانت لا يفقد منها فصيلا واحدا تطأه بأخفافها وتعضه فأفواهها كلما مر عليه أولاها أعيد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار قيل يا رسول الله فالبقر والغنم قال ولا صاحب بقر وغنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عفصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطأه بأظلافها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)) الحديث بطوله.وفيه عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أقعد يوم القيامة بقاع قرقر تطأه ذات الظلف بظلفها وتنطحه ذات القرن بقرنها ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن الحديث وفيه ولا من صاحب مال لا يؤدي زكاته إلا تحول يوم القيامة شجاعا أقرع يتبع صاحبه حيثما ذهب وهو يفر منه ويقال: هذا مالك الذي كنت تبخل به فإذا رأى أنه لا بد منه أدخل يده في فيه فجعل يقضمها كما يقضم الفحل)) .وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار فيقول: يا محمد فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت ولا يأتي أحدكم ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول يا محمد فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت)) . وفيه عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ}الآية [آل عمران:180])) وفيه عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال أعرابي أخبرني عن قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] قال ابن عمر: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له إنما كان هذه قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت جعلها الله تعالى طهرة للأموال .وقد ثبتت البيعة عليها بعد الصلاة كما قال البخاري رحمه الله تعالى "باب البيعة على إيتاء الزكاة" {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 11] حدثنا ابن نمير قال حدثني أبي قال حدثنا إسماعيل عن قيس قال: قال جرير بن عبد الله رضي الله عنه: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم والنصوص فيها كثيرة وفي ما تقدم كفاية. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص779 |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : ( 48 ) | |||
|
عضو مبدع
|
الكتاب الثاني: أركان الإسلام
الباب الثالث: الزكاة الفصل الثاني: حكم مانع الزكاة أما حكم تاركها فإن كان منعه إنكارا لوجوبها فكافر بالإجماع بعد نصوص الكتاب والسنة وإن كان مقرا بوجوبها وكانوا جماعة ولهم شوكة قاتلهم الإمام لما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضي الله عنه وكفر من كفر من العرب فقال عمر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل)) فقال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ولو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها قال عمر رضي الله عنه فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه فعرفت أنه الحق – وفي رواية – فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق .وهذا الذي استنبطه أبو بكر رضي الله عنه مصرح به في منطوق الأحاديث الصحيحة المرفوعة كحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل)) وغيره من الأحاديث.وقد جهز النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد لغزو بني المصطلق حين بلغه أنهم منعوا الزكاة ولم يكن ما بلغه عنهم حقا فروى الإمام أحمد قال: حدثنا محمد بن سابق حدثنا عيسى بن دينار حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه يقول: ((قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت: يا رسول الله أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته وترسل إلي يا رسول الله رسولا إبان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول ولم يأته وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فدعا بسروات قومه وقال لهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة فانطلقوا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة فلما سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق- أي خاف – فرجع حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث البعث إلى الحارث رضي الله عنه وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم إلى من بعثتم قالوا إليك قال ولم قالوا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله قال رضي الله عنه: لا والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي قال رضي الله عنه: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني ولا أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله صلى الله عليه وسلم خشيت أن يكون كانت سخطة من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم قال فنزلت الحجرات {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] )) ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان التمار عن محمد بن سابق به ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق به.وقال ابن جرير رحمه الله تعالى حدثنا أبو كريب حدثنا جعفر بن عون عن موسى بن عبيدة عن ثابت مولى أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ((بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظمون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله قالت فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن بني المصطلق قد منعوني صدقاتهم فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قالت فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فصفوا له حين صلى الظهر فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله بعثت إلينا رجلا مصدقا فسررنا بذلك وقررت به أعيننا ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن لصلاة العصر قالت ونزلت {أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] )) .وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات وأنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقونه رجع الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضبا شديدا فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا: يا رسول الله إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق وإنا خشينا أنما رده كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله وأن النبي صلى الله عليه وسلم استغشهم وهم بهم فأنزل الله تبارك وتعالى عذرهم في الكتاب فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] إلى آخر الآية)) وقال مجاهد وقتادة: ((أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليصدقهم فتلقوه بالصدقة فرجع فقال إن بني المصطلق قد جمعت لك لتقاتلك زاد قتادة وأنهم ارتدوا عن الإسلام فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه إليهم وأمره أن يتثبت ولا يعجل فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه فلما جاءوا أخبروا خالدا رضي الله عنه أنهم مستمسكون بالإسلام وسمعوا أذانهم وصلاتهم فلما أصبحوا أتاهم خالد رضي الله عنه فرأى الذي يعجبه فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فأنزل الله تعالى هذه الآية)) وذكر البغوي رحمه الله تعالى نحو حديث ابن عباس وفيه ((فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلناه من حق الله تعالى فبدا له في الرجوع فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدوم قومه وقال له انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم وأن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفار ففعل ذلك خالد ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء فأخذ منهم صدقاتهم ولم ير منهم إلا الطاعة والخير فانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] الآية)) وأما إن كان الممتنع عن أداء الزكاة فردا من الأفراد فأجمعوا على أنها تؤخذ منه قهرا واختلفوا من ذلك في مسائل: إحداها هل يكفر أم لا؟ فقال عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون من الأعمال شيئا تركه كفر إلا الصلاة وقال أيوب السختياني: ترك الصلاة كفر لا يختلف فيه وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق وحكى إسحاق عليها إجماع أهل العلم وقال محمد بن نصر المروزي هو قول جمهور أهل الحديث وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمس عمدا أنه كافر وروى ذلك سعيد بن جبير ونافع والحكم وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه وهو قول ابن حبيب من المالكية... وقال ابن عيينة المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم وليس سواء لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال معصية وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر كفر وبيان ذلك في أمر إبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي صلى الله عليه وسلم بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه. المسألة الثانية هي يقتل أم لا؟ الأول هو المشهور عن أحمد رحمه الله تعالى ويستدل له بحديث ابن عمر رضي الله عنهما ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)) الحديثوالثاني لا يقتل وهو قول مالك والشافعي ورواية عن أحمد رحمهم الله تعالى وروى اللالكائي من طريق مؤمل قال: حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن مالك البكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ولا أحسبه إلا رفعه قال: عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة وصوم رمضان من ترك منهن واحدة فهو بها كافر ويحل دمه وتجده كثير المال ولا يزكي فلا يزال بذلك كافرا ولا يحل دمه ورواه قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد مرفوعا مختصرا ورواه سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد عن عمرو بن مالك بهذا الإسناد مرفوعا وقال من ترك منهن واحدة – يعني الثلاث الأول – فهو بالله كافر ولا يقبل منه صرف ولا عدل وقد حل دمه وماله ولم يذكر ما بعده . المسألة الثالثة لمن لم ير قتله هل ينكل بأخذ شيء من ماله مع الزكاة؟ وقد روى في خصوص المسألة حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون لا تفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرا بها فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شيء)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الحاكم وعلق الشافعي القول به على ثبوته فإنه قال: لا يثبته أهل العلم بالحديث ولو ثبت لقلنا به (552). معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص783 |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : ( 49 ) | |||
|
عضو مبدع
|
الكتاب الثاني: أركان الإسلام
الباب الرابع: الصوم الركن الرابع من أركان الإسلام الصيام وهو في اللغة الإمساك وفي الشرع إمساك مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة. وكان فرض صوم شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة هو والزكاة قبل بدر قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 183-185] إلى آخر الآيات وقد تقدمت الأحاديث فيه. وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع كفر من جحد فرضيته وتقدم القول بقتل تاركه مع الإقرار والاعتراف بوجوبه وقوله (فاسمع واتبع) مأخوذ من قول الله عز وجل {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الزمر: 18]. معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص790 |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : ( 50 ) | |||
|
عضو مبدع
|
الكتاب الثاني: أركان الإسلام
الباب الخامس: الحج الركن الخامس الحج وهو (على من يستطع) أي استطاع إليه سبيلا قال الله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] قد ذكر الله تعالى تفصيله في سورة البقرة من قوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ -إلى قوله- إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 196]. واشتراط الاستطاعة فيه مصرح به في الآية وفي حديث جبريل وفي حديث معاذ وغيرها وفسره النبي صلى الله عليه وسلم بالزاد والراحلة. ولا خلاف في كفر من جحد فرضيته وتقدم الخلاف في كفر تاركه مع الإقرار بفرضيته. وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((تعجلوا الحج – يعني الفريضة – فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له)) (554) ورواه أبو داود بلفظ: ((من أراد الحج فليتعجل)) ...وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: ((خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا فقال رجل أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم وإذا أمرتم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)) ورواه مسلم بنحو هذا والله أعلم.وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا أيها الناس إن الله تعالى كتب عليكم الحج فقام الأقرع بن حابس فقال: يا رسول الله أفي كل عام فقال لو قلتها لوجبت ولو وجبت لم يعملوا بها ولن تستطيعوا أن تعملوا بها الحج مرة فمن زاد فهو تطوع)) . معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي – ص791 |
|||
|
|
|
رقم المشاركة : ( 51 ) | |||
|
عضو مبدع
|
الكتاب الثاني: أركان الإسلام
الباب السادس: حكم تارك الأركان الأربعة أما الأركان الأربعة - يعني سوى الشهادتين - ففي تكفير تاركها أو بعضها مع الإقرار بالوجوب، خلاف معروف، وقد ذكر شيخ الإسلام الخلاف في ذلك، وعرض الأقوال- ذاكراً ما كان منها رواية عن الإمام أحمد- فقال: (...أحدهما: أنه يكفر بترك واحدة من الأربعة حتى الحج، وإن كان في جواز تأخيره نزاع بين العلماء، فمتى عزم على تركه بالكلية كفر، وهذا قول طائفة من السلف، وهي إحدى الروايات عن أحمد اختارها أبو بكر. الثاني: أنه يكفر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجوب، وهذا هو المشهور عند كثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وهو إحدى الروايات عن أحمد اختارها ابن بطة وغيره. الثالث: لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد، وقول كثير من السلف، وطائفة من أصحاب مالك، والشافعي، وطائفة من أصحاب أحمد. الرابع: يكفر بتركها (أي الصلاة)، وترك الزكاة فقط. الخامس: بتركها، وترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها دون ترك الصيام والحج...).وليس مقصودنا في هذا المبحث، ذكر أدلة قول الترجيح بينها، وإنما المقصود أن نبين أن قول السلف ترك جنس العمل يختلف عن قولهم في مسألة ترك الأركان، فالأول أمر لم يخالف فيه منهم أحمد لأنه مقتضى إجماعهم على حقيقة الإيمان، وأنه قول وعمل، أما الثاني فهو من مسائل الاجتهاد، وإن كان بين الأمرين علاقة، لكن ينبغي أن نعلم: أن الخلاف الأهم والأقوى هو خلافهم في مسألة ترك الصلاة كسلاً وهو ما سنشير إليه، أما غير الصلاة فالأقرب وهو قول الأكثرين عدم تكفير تاركها- ما لم يقاتل الإمام عليها- فالزكاة فبالإضافة إلى أخذها من الفرد بالقوة في حديث: ((إنا آخذوها وشطر ماله)) ، فقد ورد حديث صريح في عدم تكفير من لا يؤديها، فعن أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم، فيجعل صفائح، فيكوى بها جنباه وجبينه، حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار..)) الحديث . قال الإمام المروزي- رحمه الله- في تعليقه على هذا الحديث ...فدل ما ذكرنا أن مانع الزكاة ليس بكافر، ولا مشرك، إذ أطمعه دخول الجنة لقول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48]..) ، أما الصوم فيكاد يكون إجماعاً القول بعدم تكفير تاركه، قال الإمام محمد بن نصر- رحمه الله-: (وقد اتفق أهل الفتوى، وعلماء أهل الأمصار على أن من أفطر في رمضان متعمداً أنه لا يكفر بذلك، واختلفوا فيما يجب عليه عند ذلك... فإن أفطر رمضان كله متعمداً، فمنهم من أوجب عليه لكل يوم كفارة مع القضاء،...ولم يقل أحد من العلماء أنه قد كفر ) . أما الحج فحيث أنه يجب في العمر مرة واحدة، ومختلف في وجوبه هل هو على الفور أم التراخي؟ فبذلك يصعب الجزم بأنه تارك للحج بالكلية والله أعلم. نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف لمحمد بن عبد الله بن علي الوهيبي – 2/118 |
|||
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر رد |
| الموسوعة التعليمية الشاملة لعلوم الحاسب ،، لكل ما تريد | أبو حسناء | وحدة الدورات | 1 | 09-Mar-2013 06:38 PM |
| سلسلة طلب العلم الشرعى :: العقيدة شرح الشيخ :ناصر العقل الدرس الاول | انجى بنفسك | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 2 | 20-Feb-2011 02:30 PM |
| علمتني الحياة | خادم القوم | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 8 | 03-Feb-2008 08:41 AM |
| أصول العقيدة الإسلامية | بدر الدجى | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 3 | 25-Jun-2007 03:24 PM |
| أصول العقيدة : | نصيرة | قسم منهج أهل السنة والجماعة والحوار الاسلامي | 2 | 16-Mar-2007 09:46 PM |