![]() |
الغلو في الدين وأثره
كافة المشروعات المطروحة في الساحة سواء كانت " جهادية " أو " دعوية " لن تنجح إذا أصيبت بداء " الغلو " الذي تطابقت دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على إنكاره والتحذير منه ..
الغلو ليس فقط يخرج بالعمل عن الإطار الشرعي ، بل يخرج بالإنسان من الاستقامة الى الضلال ، ومن الإسلام إلى الكفر ، فلم يخالط الغلو شيئا إلا أفسده ، ولا مشروعا إلا خربه .. إن الغلو ليس شيئا كليا يقبع خارج الذهن ، بل هو سلوك وممارسة يحملها أناس يظنون أنهم كلما ازدادوا صلفا وتكفيرا وتشنيعا على الآخرين كلما اقتربوا من مرضاة الله ، ولا يدرون أن الغلو يقرب الانسان الى النار شيئا فشيئا حتى يكون الانسان من الخالدين فيها ابدا ، فهم مثل ذلك الخارجي الذي لا يرى صالحا إلا من كان على طريقته وجماعته حين يقول : سلام على القوم الشراة نفوسهم ** وليس على القوم القعود سلام يتغلغل الغلو في العقائد فيذهب بالناس الى الكفر المحض ، فاولئك النصارى قالوا " المسيح ابن الله " ، واليهود قالوا " عزير ابن الله " ، والسبئية قالوا لعلي رضي الله عنه " أنت الله " ، وهذا غلو من ينحون منحى ايجابيا ، أما من جانب السلب ، فهم الخوارج الذين قالوا للصحابة " كفار " ، بل كفروا ما بين لابتي الجزيرة الا حثالة من " الغلاة " في حرورا وما جوارها .. وكذا يتغلغل الغلو في الفقه والسلوك ، ولذا حرم النبي صلى الله عليه وسلم الغلو حتى في ممارسة الشعائر التعبدية ، فقال وهو يوجه لرمي الجمار في الحج " بمثل هذه فارموا ولا تغلو ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين " ، فإذا كان الانسان يغلو في الدين إذا رمى بحجر كبير في الحج ، فما بالك بمن يجعل المستحب واجبا ، والمباح محرما ، ويشط ويتنطع في الدين والنبي صلى الله عليه وسلم يقول " هلك المتنطعون " . إن من أشد صنوف الغلو المعاصر الذي يفتك بحياة المسلمين هو " الغلو " في الاحكام على الناس ، والتساهل في هذا الأمر حتى صار الحكم على الناس وأديانهم أمرا سهلا لكل متهوك معتوه الفكر والسلوك ، بذئ اللفظ واللسان ، ميت القلب والجنان ، قدوته في ذلك الخوارج الأوائل الذين فروا في المسلمين فريا ، فكفروهم واستحلوا دماءهم وأموالهم ، وإن كانوا يتظاهرون بالتنسك والتعبد وكثرة العبادة والصلاة والزكاة والصيام ، بل ويعلنون شعارات نصرة الاسلام وقضاياه ، ومحبة الجهاد والاستشهاد ، حين يقول قائلهم : إقول لها وقد طارت شعاعا ** من الأبطال ويحك لن تراعي فإنك لو سألت بقاء يوم ** على الأجل الذي لك لن تطاعي فصبرا في مجال الموت صبرا ** فما نيل الخلود بمستطاع سبيل الموت غاية كل حر ** فيطوى عن أخ الخنع اليراع ومع ذلك فقد سجد الصحابة شكرا لقتل مثل هذا المتحمس لأن منهجه ضال ، وسلوكه منحرف ، حين يتجرأ على حرمات الله وأديان المسلمين ودماءهم وأموالهم . لقد صح في التحذير منهم عشرة أحاديث كما يقول الإمام أحمد رحمه الله ، فان كانوا عبادا ، زهادا ، قد أعلنوا حب الاسلام ونصرة دينه ، فإن طريقتهم ضالة ومناهجهم منحرفة ، حين شطوا عن طريق النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم الذي بعث رحمه للناس ، وهاديا ومؤدبا وموجها ، ولذا قال حين طلب منه الصحابة ان يلعن الكفار ويدعو عليهم : " إنما يعثت رحمه ولم ابعث لعانا " ! . إن التجارب المعاصرة لتشهد أن الغلو جر على الأمة البلاء المستطير ، وأفشل مشروعات الدعوة والجهاد ، وبث الفرقة بين الأمة ودعاتها وعلمائها ، وأحدث الخبال في ناديها ، وشوه صورة الجهاد والدعوة بحركات الصبية المعتوهين الذين يختزلون حركة التاريخ ، وفقه النصر والغلبة في حركات فتك ، وتكفير وتفجير ، وافتئات على أهل العلم والرأي والسياسة في الأمة ، تماما كما حصل من جدهم القديم حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم بجرأة وغلظة وقلة ورع " إعدل " ، فإذا كان هذا حالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف بمن سواه من البشر ؟؟ لقد أخذ الغلو يسري في مناهج الشباب وطرائقهم سريان الداء في الجسد السليم ، وهذا ناتج من قلة فهم ووعي بالمقاصد الشرعية ، والكليات المرعية ، واتباع المتشابه وترك المحكم وخاصة فيما يتعلق بالدماء والتكفير ، وتحطيم هيبة العلماء في قلوب النشء الذين يتبعونهم ، وتدريب الناس على التجرؤ على الدماء والأديان ، وحمل المفاهيم الشرعية بغلو وعنف ، وتعظيم الرأي الخاص وعدم الإزراء على النفس ، والعجب والغرور بالرأي ، والنظر الى الأمور بنظرة حادة لا تفصل في المجمل ولا تجمع المتفرق ولا تؤلف بين المختلف ، فيأخذون من الأمور بطرفيها ، فإذا ما رأوا رأيا صار هو الحق المطلق المحض الذي لا يقبل جدلا ولا أخذا ولا ردا ، فيفاصلون في مسائل محتملة ، ويبدعون ويكفرون في مسائل اجتهادية ، ويعاملون مخالفهم معاملة الكفار المحاربين الأعداء ، ويقطعون بينهم وبين الناس كل صلة وقربى . إن مصير هؤلاء لمن تدبر في الواقع – إلا ما ندر- هو الانقطاع في الطريق وسلوك طريق الضلالة والغواية ، أو الشطط في الأقوال والافعال فيلجوا إلى الولوج في الفتن ، وسفك الدماء ،فيموت الواحد منهم في معركة خاسرة ، يكون القاتل والمقتول فيها من المسلمين معصومي الدم ، أو خلق المشكلات في واقع المسلمين مما يسبب استحكام الأعداء ، او التضييق على مناشط الخير والدعوة ، او تشويه صورة الاسلام والمساهمة في افشال مشروعات تعب عليها أهلها سنوات طويلة ، ففقدوها بسبب بعض تصرفات أهل الغلو والشطط . إن الوقوق أمام موجات الغلو ، وتصحيح مفاهيم الغلاة من القربات التي يتخذها الانسان وسيلة الى التقرب الى الله تعالى ، ولا يجد الانسان أمرا شاقا كمواجهة من ماتت قلوبهم ، وغلت طرقهم ، وكلما ازداوا غلوا كلما ازداوا قناعة بسلامة منهجهم ، ولذا كان التعامل معهم من أشق ما يكون ، حيث الوثوقية في افعالهم واقوالهم تجعل بينهم وبين التفكر في انحرافهم حواجز لا يستطيع الواحد منهم إدراكها حتى يرى مآلات أفعاله أمامه ، فيعلم كم هو منحرف عن الطريق القويم الوسطي الذي جاءت به نصوص الكتاب والسنة وسبيل المؤمنين . لا ينجح مع هؤلاء إلا الصبر والعلم والفقه والتحليل للأفكار ، فلا يجدون طريقا الا الاشغاب الذي يكشف عوارهم وانحراف طريقتهم ! اصلحهم الله وهداهم ! |
| الساعة الآن 07:53 PM. |
Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
سبحان الله وبحمده :: سبحـان الله العظيم